بطلان حكم التحكيم لمخالفة النظام العام
في
القوانين العربية
أولاً: بوجه عام
1-
تقضي المادة (800) من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني، بأنه من
حالات إبطال حكم التحكيم مخالفته للنظام العام. وقد أخذت بحكم مماثل العديد
من قوانين الدول العربية، مثل ما نصت عليه المادة (53/2) من قانون التحكيم
المصري رقم 27 لسنة 1994، والمادة (49/ب) من قانون التحكيم الأردني رقم 31
لسنة 2001، والمادة (50/2) من قانون التحكيم السوري رقم 4 لسنة 2008.
2-
وعدم النص على هذا الأمر في قوانين عربية أخرى، لا يعني عدم الأخذ بهذا
السبب في تلك القوانين للطعن بالحكم. فالنظام العام، عموماً، أحد الضوابط
الأساسية في كافة التصرفات القانونية والأحكام القضائية والتحكيمية، بحيث
تؤدي مخالفته إلى بطلان أو إبطال التصرف أو الطعن به وفق أي وسيلة أخرى
متاحة قانوناً دون حاجة لنص خاص به. ويترتب على ذلك القول، أنه إذا وجدت
حالة تتطلب، مثلاً، إبطال حكم التحكيم، ولكنها لا تندرج ضمن الحالات
المنصوص عليها قانوناً، يمكن للمحكمة اللجوء لفكرة النظام العام لإبطال ذلك
الحكم، وهي فكرة عامة ومطاطة، يمكن للقضاء، تحت باب الاجتهاد والتفسير،
التوسعة أو التضييق في مفهومها حسب الحاجة، وحسب الحالة المعروضة وظروفها.
حتى المحكم بالصلح، وهو معفى من تطبيق أحكام القانون، مقيد بأن لا يخالف
حكمه النظام العام()،
دون حاجة لنص على ذلك.
3-
وتجدر الاشارة هنا
إلى بعض المسائل الخاصة بإبطال الحكم بسبب مخالفة النظام العام.
4-
فمن جهة، يمكن القول بأن من صلاحيات المحكمة، بل من واجباتها أن تقضي
ببطلان حكم التحكيم إذا كان مخالفاً للنظام العام من تلقاء نفسها، دون حاجة
لطلب من أحد طرفي الخصومة، وهذا بخلاف الحالات الأخرى التي ترتبط بإرادة
الخصوم، مثل تجاوز المحكم لمهمته المبينة في اتفاق التحكيم، أو إصدار الحكم
خارج المهلة المحددة لذلك بالاتفاق، أو تعيين محكم لم تتوفر فيه المؤهلات
العلمية حسب الاتفاق. وحتى يقضى بالبطلان في هذه الأحوال ومثيلاتها، يجب
توفر شرطين.
5- الأول:
وجوب إثارة سبب البطلان في لائحة أو صحيفة الدعوى من جانب المدعي، وإلا لا
تقضي المحكمة بالبطلان من تلقاء نفسها. ومثال ذلك، أن يكون الحكم
قابلاً للبطلان لأكثر من سبب، كأن يكون قد صدر خارج نطاق اتفاق الأطراف من
جهة، وبعد انقضاء مدة التحكيم من جهة أخرى، وبسبب استناده لإجراء باطل
أثــّر فيه من جهة رابعة. إلا أن المدعي، أقام دعواه بالبطلان استناداً
للسبب الأول دون الأسباب الأخرى. في هذا المثال، ينحصر دور المحكمة في بحث
ذلك السبب دون الأسباب الأخرى، وليس لها أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها
استناداً لتلك الأسباب، حتى لو ثبت لها توفرها أثناء إجراءات الدعوى. وكما
نرى، ليس للمحكمة هنا تطبيق القواعد العامة في الإجراءات، التي تقضي
بصلاحية محكمة الاستئناف بنقض الحكم، حتى لأسباب لم يوردها المستأنف في
لائحة استئنافه. وبخلاف ذلك، يكون القرار القاضي ببطلان حكم التحكيم معيباً
وعرضة للنقض.
6- الثاني:
يتوجب على المدعي إثبات توفر شروط حالة البطلان، وليس للمحكمة التدخل في
ذلك، وهو ما تقضي به القواعد العامة، بخلاف ما إذا كان البطلان بسبب مخالفة
النظام العام، حيث يكون من واجب المحكمة التدخل حتى في البينات وطلبها، أو
الإشارة إلى بينات موجودة في ملف الدعوى التحكيمية، لإثبات البطلان بسبب
مخالفة الحكم للنظام العام.
7-
ومن جهة أخرى، فإن البطلان هنا يلاحق حكم التحكيم، حتى لو لم ترفع
بشأنه دعوى بطلان وانقضت المدة المحددة لذلك قانوناً، في حال حدد القانون
مثل هذه المدة. ففي هذه الحالة، إذا أراد المحكوم له تنفيذ الحكم، لا بد من
أن يتقدم بطلب بذلك للجهة المختصة بتنفيذ الحكم. ومن واجب هذه الجهة، أن لا
تأمر أو تحكم بالتنفيذ إذا كان الحكم مخالفاً للنظام العام.
8-
ومن جهة ثالثة، فإن بعض أسباب البطلان الأخرى، يمكن إدراجها أيضاً تحت
هذه الحالة أي البطلان بسبب مخالفة النظام العام، ومثال ذلك نقصان أهلية
أحد طرفي التحكيم أو المحكم، أو بطلان الحكم بسبب عدم اشتماله على كثير من
البيانات الأساسية التي تطلبها القانون فيه، كالحيثيات والأسباب والمنطوق
معاً.
ثانياً: مفهوم النظام العام
9-
لا يوجد تعريف محدد ومتفق عليه لمصطلح النظام العام، بالرغم من
استخدامه بكثرة في العديد من الاتفاقيات الدولية وفي أغلب، إن لم يكن كل،
التشريعات الوطنية. ولكن يمكن القول بشأن هذه الفكرة، أنها مرتبطة بالأسس
الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الخلقية في كل دولة من الدول، مما
يتعلق بالمصلحة العليا للمجتمع([2]).
10-
وبناءً عليه، فإنه ليس كل قاعدة آمرة تعتبر من النظام العام، ما دام
أنها لا تمس هذه الأسس أو إحداها. وترتيباً على ذلك، فإنه يجوز تطبيق
القانون الأجنبي على الحالة المعروضة، حتى لو كان ذلك القانون يخالف قاعدة
آمرة في القانون الوطني، ما دام أنها ليست من النظام العام بهذا المفهوم([3]).
كما قضي بأنه لا مخالفة للنظام العام إلا حيث يكون هناك انتهاك للمبادئ
الأساسية الدنيا للأخلاق والعدالة[4])،
أو انتهاك للحياة العامة والاقتصادية في الدولة([5]).
11-
وبوجه عام، فإن كل قاعدة قانونية متبعة في الدولة على أنها آمرة بما يمس
أحد هذه الأسس، ولا يجوز بالتالي الاتفاق على خلافها هي من النظام العام([6]).
ونستدل على هذه القاعدة من التشريع ذاته، الذي قد ينص صراحة على عدم جواز
الاتفاق على خلافها، أو من طريقة صياغة النص التشريعي، كالقول مثلاً يجب أو
لا يجوز أو غير ذلك من عبارات مماثلة. أو نستدل عليه من مجمل القواعد
المنظمة لمسألة من المسائل وما استقر عليه الاجتهاد القضائي بشأنها. ومثال
ذلك القول فإن وسائل الإثبات، عموماً، ليست من النظام العام، بحيث يجوز
الاتفاق على خلافها، بالرغم من عدم النص على ذلك صراحة في التشريعات
المنظمة لهذه المسألة.
12-
وبهذا المفهوم، فإن فكرة النظام العام نسبية، قد تختلف باختلاف الظروف
والزمان والمجتمعات، وهي بذلك، قد تختلف من دولة لأخرى([7]).
فما قد يعتبر من النظام العام في مكان أو ظرف أو زمان أو مجتمع أو دولة
معينة، قد لا يعتبر كذلك في ظرف أو زمان أو مجتمع أو دولة أخرى. بل داخل
الدولة وحتى المدينة الواحدة، قد يختلف مفهوم النظام العام من مكان لآخر.
ففي أغلب الدول العربية، إن لم يكن كلها، عقد القمار باطل، وهي قاعدة من
النظام العام. ولكن يمكن أن يكون العقد ذاته صحيحاً ومشروعاً في بعض
الأمكنة المحددة داخل الدولة، مثل بعض فنادق الخمسة نجوم في بعض الدول([8]).
13-
وأبعد من ذلك، فإن تطبيق فكرة النظام العام، يجب أن يكون فقط بقدر ما
يقتضيه مراعاتها في كل حالة على حدة. وفي هذا السياق، قضي بأن مقولة دخول
الزوج الإيطالي في الإسلام بعد الزواج، يجعل القانون الواجب التطبيق على
أحواله الشخصية كلها هي الشريعة الإسلامية لا القانون الأجنبي، حفاظاً على
النظام العام، هي مقولة غير صحيحة، لأن مجال تطبيق قاعدة النظام العام،
إنما يكون على قدر ما تقتضيه هذه القاعدة في كل حالة على حدة. وعليه، فإن
إبطال نفقة المطلقة المسيحية على زوجها المسلم أو عدم إبطالها، لا يمس
النظام العام المصري في شيء. ومن ثم، فإن إسلام الزوج، لا يترتب عليه في
خصوص مسألة النفقة بالذات، أن تكون الشريعة الإسلامية هي الواجبة التطبيق،
دون قانون جنسية الزوج وقت الزواج([9]).
14-
وعلى ذلك، فإن حكم التحكيم الذي يتضمن ما يخالف النظام العام، في الدولة
المرفوعة أمام محاكمها دعوى بطلان الحكم أو تنفيذه، يكون عرضة للبطلان أو
لعدم التنفيذ في تلك الدولة، حتى لو كان صحيحاً أو قابلاً للتنفيذ في دولة
أخرى لعدم مخالفته للنظام العام فيها([10]).
ويمكن أن نضرب أكثر من مثال على ذلك. ففي غالبية الدول العربية، تعتبر
الوصية من النظام العام. ومن ذلك، فإنه لا يجوز للشخص أن يوصي بأكثر من ثلث
تركته لآخر، ولو أوصى بأكثر من ذلك وتم الطعن بالوصية، فإنها ترد إلى الثلث
بالرغم من أي اتفاق مخالف. فلو فرضنا أن شخصاً أوصى بنصف تركته، وثار نزاع
بين الموصى له والورثة حول مقدار الوصية، واتفقا على إحالة النزاع إلى
التحكيم، وجرى التحكيم في الإمارات([11]).
صدر حكم التحكيم لصالح الموصى له ضد الورثة بصحة الوصية. في هذا المثال،
يكون الحكم قابلاً للبطلان في الإمارات لمخالفته للنظام العام، في حين قد
يكون الحكم صحيحاً وقابلاً للتنفيذ في دولة أجنبية، إذا كان قانونها يجيز
الوصية بأي مقدار كان.
15-
ومثال آخر أن مدة التقادم في القانون القطري، هي من النظام العام التي
لا يجوز الاتفاق مسبقاً على إطالتها أو تقصيرها([12])،
وهي في عقد التأمين ثلاث سنوات بالنسبة للدعاوى الناشئة عن العقد تبدأ،
كقاعدة عامة، من وقت حدوث الواقعة التي تولدت عنها هذه الدعوى([13]).
فلو فرضنا أنه حصل نزاع بين شركة التأمين والمؤمن له المستفيد من العقد،
وتمت إحالته للتحكيم. قضت هيئة التحكيم لصالح شركة التأمين، بسقوط حق
المؤمن له بالتقادم لمدة سنة استناداً لاتفاق الطرفين بالرغم من دفع المؤمن
له بعدم مضي مدة التقادم وأنها من النظام العام. هذا الحكم، يكون عرضة
للبطلان حسب القانون القطري، لمخالفته للنظام العام، في حين قد لا يكون
كذلك في دولة أجنبية، لعدم مخالفته للنظام العام فيها، وبالتالي يمكن
تنفيذه فيها.
16-
ومثال آخر عكس المثالين الأولين، أن القانون البحريني يجيز الزواج الثاني
للرجل. فلو فرضنا أن شخصاً تزوج من امرأة ثانية، وكان لا زال متزوجاً من
الأولى، وحصل خلاف بين الزوجة الأولى وزوجها على مقدار نفقتها وإلزامه بها،
أو توفي ذلك الرجل وحصل خلاف بين الزوجتين على ميراث الزوجة الثانية. أحيل
الخلاف إلى التحكيم، وقضت هيئة التحكيم بالنفقة أو الميراث حسب أحكام
القانون البحريني([14]).
هذا الحكم لا يكون عرضة للبطلان ولا لعدم التنفيذ أمام المحاكم البحرينية،
في حين قد يكون كذلك، إذا تم تقديمه لمحكمة أجنبية لتنفيذه، في حال كان
قانونها يحظر الزواج الثاني تحت طائلة البطلان.
17-
وفي الأحوال التي يكون فيها الحكم مخالفاً للنظام العام، يتوجب على المحكمة
أن تقضي ببطلان الحكم أو عدم تنفيذه من تلقاء نفسها، دون حاجة لطلب من أحد
الخصوم، بل حتى لو تنازل الطرفان عن هذه المسألة كلياً. ويكون ذلك بشكل
خاص، حيث تكون مخالفة النظام العام واضحة للمحكمة من اطلاعها على الحكم،
كما هو الحال في الأمثلة المذكورة. أما إذا أثار أحد الطرفين الدفع بالنظام
العام بصورة مجردة إجمالية، دون بيان وجه المخالفة، ولم تكن المخالفة ظاهرة
أو واضحة للمحكمة، فليس من مهمتها البحث والتدقيق في كل فقرة أو بند حكمي
في الحكم، لمعرفة ما إذا كان الدفع صحيحاً أو غير صحيح، وإنما يصبح من واجب
مقدم الدفع إثباته، وإلا لا يعتد به([15])،
خاصة وأنه ليس كل مخالفة قانونية، حتى لو كانت مخالفة قاعدة آمرة، تعتبر
خرقاً للنظام العام وفق ما تقدم.
ثالثاً: النظام العام الدولي
18-
وهذا يقودنا إلى القول بأن هناك اتجاهاً سائداً بالتفرقة ما بين النظام
العام الدولي والنظام العام الداخلي. ويهدف هذا الاتجاه، إلى التقليل ما
أمكن من حالات بطلان أحكام التحكيم الدولية أو الأجنبية، بحيث ما يجوز
إبطاله أو عدم تنفيذه من أحكام تحكيم وطنية لمخالفته للنظام العام الداخلي،
ليس بالضرورة أن يؤدي إلى النتيجة ذاتها في التحكيم الأجنبي أو الدولي، ما
دام حكم التحكيم في الحالة الأخيرة لا يخالف النظام العام الدولي. وبمعنى
أصح، فإنه لا يجوز للقاضي الوطني في دولة من الدول، أن يقضي ببطلان حكم
التحكيم الدولي أو الأجنبي، أو بعدم تنفيذه لمجرد مخالفته للنظام العام في
دولته، بل يجب أيضاً أن يكون مخالفاً للنظام العام الدولي([16]).
ومن الأمثلة التقليدية على مخالفة النظام العام الدولي، العقود المتعلقة
بالفساد والاحتيال والرشوة والتمييز العنصري وغسيل الأموال والاتجار
بالمخدرات والرقيق والأطفال والاتجار الدولي غير المشروع بالأسلحة، وخاصة
أسلحة الدمار الشامل، وانتهاك حقوق الإنسان. فكل ذلك، غير مقبول عالمياً أو
دولياً، وهو بالتالي مخالف للنظام العام الدولي([17]).
19-
ويترتب على هذا الرأي أن المحكمة المرفوع أمامها النزاع يتوجب عليها أن
تقضي بصحة حكم التحكيم ونفاذه على أراضيها، ما دام أنه ليس مخالفاً للنظام
العام الدولي، حتى لو كان مخالفاً للنظام العام الداخلي في دولة تلك
المحكمة([18]).
20-
وعلى العكس من ذلك، يمكن لتلك المحكمة، في ظروف معينة، أن تقضي ببطلان
الحكم أو عدم تنفيذه حتى لو لم يكن مخالفاً للنظام العام الداخلي، ما دام
أنه مخالف للنظام العام الدولي، كما هو الحال في الأمثلة المذكورة.
21-
وسنداً لهذا الاتجاه الذي أصبح مقبولاً لدرجة كبيرة، يمكن القول أنه ليس
من المنطق في شيء، تطبيق القواعد الوطنية الخاصة بالنظام العام، بحرفيتها
على التحكيمات الدولية والأجنبية. فمفهوم الفكرة ونطاق تطبيقها، كما تقدم،
يختلف باختلاف النظم القانونية، أو حتى باختلاف الدول المنتمية لنظام
قانوني واحد. ومثال ذلك، أن قطر والسعودية دولتان إسلاميتان وتطبقان
الشريعة الإسلامية، مع اختلاف درجة ذلك. ولكن الفوائد جائزة في القانون
القطري، في حين ليست كذلك عموماً في السعودية، ولكل وجهة نظره في هذه
الشأن. لذلك، من غير المقبول أن السعودية تبطل أو لا تنفذ حكم تحكيم جرى في
قطر، بين بنكين قطريين مركز أعمالهما قطر، وتمت المصادقة عليه في قطر،
لمجرد كونه يتضمن إعطاء فائدة لإحدى البنكين على المبلغ الواجب دفعه له من
البنك الآخر. فإذا كان ذلك مخالفاً للنظام العام في السعودية، فإنه ليس
كذلك في قطر، ولا في غالبية الدول العربية.
22-
ومن هذا المنطلق، من غير المعقول ولا المنطقي أن يطلب من أطراف التحكيم
ومن المحكمين، الإلمام بمختلف القوانين الوطنية، لمعرفة ما هو مخالف للنظام
العام وما هو ليس كذلك في كل منها، والسير في التحكيم بما يتلاءم مع هذه
القوانين. فهذا أمر يكاد يكون ضرباً من المستحيل، بل هو كذلك فعلاً. ويكفي
أن لا يكون الحكم مخالفاً للنظام العام الدولي وكذلك، على أبعد تقدير،
النظام العام في القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، وربما أيضاً
القانون المطبق على الإجراءات، حتى لو كان الحكم مخالفاً للنظام العام في
دولة التنفيذ. بل يذهب هذا الاتجاه، إلى حد إعطاء هيئة التحكيم صلاحية عدم
تطبيق أي حكم في القانون المطبق على موضوع النزاع وعلى إجراءات التحكيم،
إذا كان ذلك الحكم مخالفاً للنظام العام الدولي.
23-
وبالرغم من هذا التوجه، إلا أن المشكلة الأساسية التي واجهت ولا زالت
تواجه فكرة التمييز بين النظام العام الداخلي والنظام العام الدولي، تكمن
في بيان مفهوم النظام العام الدولي، وبيان ما يعتبر أو لا يعتبر كذلك أو،
بمعنى أصح، تعريف النظام العام الدولي، بما يؤدي إلى تمييزه عن النظام
العام الداخلي، وهذا أيضاً ضرب من المستحيل. لذلك، تمت محاولة تحديد مفهوم
النظام العام الدولي بعبارات عامة ومطاطة، وتم عملياً ترك مجال تفسير مصطلح
النظام العام الدولي، للمحكمة المرفوع أمامها النزاع لتقضي به في كل قضية
على حدة، حسب معطيات وظروف القضية([19]).
رابعاًً: مدى إبطال الحكم
24-
وبالنسبة للقوانين العربية محل البحث، نرى أن المسألة الهامة المطروحة،
ليست في التفرقة بين النظام العام الدولي من جهة، والداخلي من جهة أخرى،
ولا بتحديد مفهوم أي منهما لتمييزه عن الآخر، وهذا أقرب إلى المستحيل كما
ذكرنا، وإنما بمدى جواز إبطال حكم التحكيم أو عدم تنفيذه في إحدى هذه
الدول. ونرى في هذا الشأن التفرقة بين وضعين: الأول: أن يتعلق الحكم
بتحكيم محلي في دولة الإمارات مثلاً. في هذه الحالة، إذا تضمن الحكم مخالفة
للنظام العام في الإمارات، فإنه يكون عرضة للبطلان أو لعدم التنفيذ حسب
الأحوال. ومثال واضح على ذلك، أن يتضمن الحكم فوائد (ربوية) تزيد عن الحد
القانوني، أو فوائد مركبة حيث لا يجيز القانون ذلك. الثاني: أن
يتعلق الحكم بتحكيم دولي جرى في الإمارات، أو كان الحكم أجنبياً صادراً في
دولة أخرى، وتم تقديمه للقضاء لتنفيذه في الإمارات. في هذه الحالة، نرى
التفرقة بين عدة فروض.
25
- فقد يكون القانون الواجب التطبيق على النزاع، هو القانون الإماراتي.
في هذا الفرض، يجب على هيئة التحكيم إصدار حكمها بما يتفق مع القانون
الإماراتي. فإذا كان مخالفاً للنظام العام في الدولة، يتوجب إبطاله أو عدم
تنفيذه. ويلحق بهذا الفرض أيضاً، الحالة التي يصدر حكم التحكيم فيها
استناداًً لقانون أجنبي، وكان الحكم مخالفاً للنظام العام في ذلك القانون
وفي القانون الإماراتي أيضاً.
26-
ومن جانب آخر، قد يصدر الحكم استناداً للقانون الأجنبي الواجب التطبيق على
النزاع، ويكون الحكم متفقاً معه، إلا أنه مخالف للنظام العام في الإمارات
أو، بمعنى أدق، مخالف لقاعدة آمرة في القانون الإماراتي. في هذا الفرض، نرى
التضييق من مفهوم النظام العام ما أمكن، واعتبار أنه ليس كل قاعدة
آمرة داخلية تعتبر من النظام العام، ما دام أن هذه القاعدة لا تمس الأركان
أو الأسس أو القيم أو المثل التي تقوم عليها الدولة أو قانونها أو مجتمعها.
والمسألة بدون شك تقديرية ونسبية، قد تختلف من حالة لأخرى حسب الظروف.
ولكنها في جميع الأحوال، تبقى مسألة قانون من حيث فهم وتفسير القاعدة
الآمرة التي تمت مخالفتها، مما يجعل محكمة الموضوع، تخضع في تقديرها لرقابة
محكمة التمييز.
27-
ومثال ذلك، أن يتضمن الحكم فائدة تزيد على 12% سنوياً، أو فائدة مركـّبة
وكلاهما مخالف، بوجه عام، للقانون الإماراتي. وتصل المخالفة هنا، إلى حد
القول أنها تمس النظام العام الداخلي. ومع ذلك، يمكن القول أن زيادة
الفائدة أو السماح بفائدة مركبة، لا تمس كيان الدولة الاجتماعي أو السياسي
أو الاقتصادي أو غير ذلك.
28-
ومثال ذلك أيضاً أن مدد التقادم في القانون الإماراتي هي من النظام
العام. ولكن ليس بالضرورة أن تتطابق هذه المدد مع المدد المنصوص عليها في
القانون الأجنبي، الواجب التطبيق على موضوع النزاع. فلو فرضنا أن مدة
التقادم في القانون الأجنبي ثلاث سنوات، في حين هي سنتان في القانون
الإماراتي. ولو فرضنا أن تحكيماً دولياً جرى على أرض الإمارات بشأن النزاع،
وكانت قد مضت سنتان ونصف على التقادم. في هذا المثال، إذا صدر حكم التحكيم
استناداً للقانون الأجنبي بأن رفض الدفع بالتقادم، ورفعت دعوى لإبطال الحكم
في الإمارات، نرى رفض الدعوى، بالرغم من أن الحكم مخالف لقاعدة آمرة تصل
إلى حد المسّ بالنظام العام في المنازعات الداخلية. فالتقادم وبوجه أدق
مدة التقادم، لا علاقة لها بالأسس التي تقوم عليها الدولة الإماراتية، أو
المجتمع الإماراتي، من مثل وقيم وأخلاق ونظم اجتماعية أو سياسية أو
اقتصادية أو دينية أو غير ذلك، وإنما هي مجرد اجتهاد من المشرع، قد يغير
رأيه فيها في أي وقت. لذلك، نص المشرع على مدد تقادم مختلفة، باختلاف طبيعة
العلاقة القانونية. فهناك، مثلاً، علاقة تتقادم بسنة وأخرى بسنتين، وثالثة
بخمس سنوات ورابعة بعشر سنوات وهكذا. بل هناك حالات قد يرفض فيها المشرع
فكرة التقادم من أساسها لاعتبارات معينة. وهذا كله يؤكد ما ذكرناه بأن
التقادم لا علاقة له بالنظام العام بمفهومه الضيق، أي الذي يرتبط بكيان
الدولة والأسس التي يقوم عليها المجتمع.
29-
وهناك فرض لا ترتبط فيه الواقعة أو المخالفة بالنظام العام الداخلي، ولا
بالنظام العام في القانون الأجنبي المطبق على النزاع، ولكن بما يسمى
بالنظام العام الدولي، بالنسبة لبعض الأنظمة القانونية لدى كثير من الدول.
في هذا الفرض، نرى عدم ربط المخالفة بالنظام العام الدولي، وإنما فقط
بالقانونين الإماراتي والأجنبي المطبق على النزاع. ومثال ذلك، أن يكون هناك
تحكيم في الإمارات بين الزوجة الثانية وبين زوجها حول نفقتها، وكان الزوجان
مسلمين، فيصدر الحكم استناداً للقانون الأجنبي (الباكستاني مثلاً) بوجوب
النفقة مع تحديد مقدارها. في هذا المثال، أيضاً، يفترض عدم إبطال حكم
التحكيم ولو كان دولياً، بالرغم من مخالفته للنظام العام الدولي بمفهوم
كثير من الدول التي لا تسمح بتعدد الزوجات.
30-
حتى التصديق القضائي على حكم التحكيم في الخارج، بل وحتى الأمر بتنفيذه
لعدم مخالفته للنظام العام في الدولة التي جرى فيها ذلك، لا يحول دون رفض
تنفيذه في دولة أخرى، إذا كان مخالفاً للنظام العام الداخلي فيها بالمفهوم
المشار إليه سابقاً. ومثال ذلك النزاع بين عشيقة (أ) وزوجته الشرعية (ب)،
على حقوق كل منهما في أموال المعشوق والزوج (ب) المتوفي، وخاصة حصة كل
منهما في الميراث. ولو فرضنا أن هذا النزاع أحيل للتحكيم في الدولة (ج)،
وصدر حكم التحكيم لصالح (أ) بأن تأخذ نصف الميراث، حسب قانون تلك الدولة
الذي يجيز ذلك. فلو جيء بهذا الحكم للبحرين لتنفيذه فيها، يكون من صلاحية
المحكمة المختصة في البحرين، بل من واجبها، رفض تنفيذ الحكم لمخالفته
للنظام العام في البحرين، حتى لو قرر قاضي الدولة (ج) رفض هذا الدفع، لعدم
مخالفته للنظام العام في دولته.
خامساًً: أمثلة على النظام العام
31-
وبعد ذلك، نقول أن حالات مخالفة النظام العام في القوانين العربية كثيرة
ومتعددة، ومن الأمثلة على ذلك، اعتبار حق التقاضي من الحقوق الأساسية التي
كفلها الدستور، وإصدار قاضي الأمور المستعجلة لقرار خارج نطاق اختصاصه،
والاتفاق المسبق على عدم الطعن ببطلان حكم التحكيم، والالتزام العقدي بدين
ناشئ عن القمار عموماً، وعدم جواز التأمين من الخطأ العمدي، والتحكيم في ما
لا يجوز التحكيم فيه، والاتفاق على إصدار أسناد المجاملة بين التجار،
ومجاوزة الفائدة للحد المسموح به قانوناً، والوصية فيما يزيد على الثلث،
والاتفاق على تشغيل العامل ساعات إضافية بما يزيد على الحد القانوني،
والاتفاق على تعديل الحصص الإرثية، والعقود التي يكون أحد أطرافها عديم
الأهلية، أو يكون محلها مستحيلاً أو غير مشروع، مثل المخدرات والرشوة
والدعارة والاتجار بالرقيق الأبيض، أو المتعلقة بالمسؤولية الجزائية
عموماً.
32-
ومن الأمثلة الأخرى في القانون المدني، عدم جواز التصرف بالأموال العامة
أو الحجز عليها أو تملكها بمرور الزمن، أو الاتفاق على ما يخالف نظرية
الظروف الطارئة، أو الحد من المسؤولية المدنية الناجمة عن الفعل الضار،
وعدم جواز التنازل عن الدفع بالتقادم قبل ثبوت الحق فيه، والاتفاق في عقد
الشركة على أن يكون لأي من الشركاء، مبلغ مقطوع بصرف النظر عن ربح وخسارة
الشركة، والتصرف في مال المميز متى كان ضاراً ضرراً محضاً له، والاتفاق على
الحد من صلاحية المحكمة أو هيئة التحكيم، في تعديل أو إلغاء الشروط
التعسفية في عقود الإذعان، أو الحد من صلاحياتها في تعديل الشرط الجزائي.
33-
وأحكام قانون الشركات عموماً هي من النظام العام، مثل أنواع الشركات،
وكيفية تأسيس كل شركة وإجراءات النشر والإعلان، وإدارة الشركة، وحقوق
الشركات والشركاء، والأحكام الخاصة برأس المال، بما في ذلك زيادته أو
إنقاصه. وكذلك الأمر، فإن مسائل الأحوال الشخصية عموماً من النظام العام
أيضاً، مثل الزواج والطلاق والخلع والنسب والإرث والوصية. والشيء ذاته
يقال بالنسبة للقوانين الخاصة بالضرائب والرسوم، وتنظيم إدارة الدولة أو
إحدى مؤسساتها، وكذلك القوانين الخاصة بالنقابات على اختلاف أنواعها.
34-
وليس بالضرورة أن تتعلق مخالفة النظام العام بالقواعد الموضوعية، وإنما
قد تتعلق بإجراءات التقاضي. ومثال ذلك مخالفة هيئة التحكيم لقاعدة أساسية
في الإجراءات، من مساواة بين الأطراف، وإعطاء الفرصة الكافية لكل منهم
لتقديم مذكراته ودفوعه وبيناته، دون تحيـّـز لطرف على حساب طرف آخر، وبما
يحقق التوازن والعدالة بين الأطراف، وفق ما تقدره الهيئة حسب الظروف
المحيطة، وتزويد كل منهم في الوقت المناسب، بما يقدمه لها الأطراف
الآخرون من مستندات ووثائق تتعلق بالنزاع، والسماح للطرف المعني ببيان رأيه
فيها.
35-
ومثال ذلك أيضاً تقديم وثائق مزورة تعتمد عليها الهيئة في حكمها، بالرغم
من اكتشاف التزوير قبل صدور الحكم، أو أن يبدي أحد المحكمين رأيه في القضية
أثناء الإجراءات، ويستمر مع ذلك في التحكيم، أو تعرض على الهيئة مسألة،
تخرج عن اختصاصها، مثل الطعن بالتزوير، فتفصل الهيئة فيه ولا تحيله للجهة
القضائية المختصة، أو يترك كل من المحتكم والمحتكم ضده خصومة التحكيم ولا
يستمران فيها، ومع ذلك تستمر الهيئة في نظر النزاع وتصدر حكمها، على أساس
ما توفر لديها من مستندات وبينات أخرى، أو لا تتوفر الأغلبية المطلوبة في
حكم التحكيم، ومع ذلك يصدر ما يسمى بالحكم عن أحد أعضائها منفرداً، أو يصدر
الحكم دون مداولة أو مناقشة بين أعضاء هيئة التحكيم، وإنما يبدي كل منهم
رأيه على ورقة مستقلة تضم لبعضها البعض، باعتبار أن مجموع هذه الأوراق تشكل
الحكم، أو يصدر حكم التحكيم ليس عن المحكمين مباشرة، وإنما عن طريق مركز
التحكيم المحال له النزاع.
36-
ومثاله أيضاً، أن يصدر الحكم ويوقع من قبل شخص يوكله المحكم بذلك، وليس من
المحكم نفسه، أو يكون الحكم من حيث الشكل مليئاً بالشطب والإضافات
والتعديلات بشكل ممسوخ، ودون توقيع بجانب ذلك من المحكمين، أو يفوض
المحكمان رئيس هيئة التحكيم بالسير بكافة إجراءات التحكيم، وبالتوقيع على
الحكم باسمهم وبالنيابة عنهم ويتم ذلك فعلاً، أو يحال النزاع لمركز تحكيمي
تقضي قواعده بعدم إصدار الحكم، إلا بعد إرسال مسوّدته للمركز لمراجعته من
حيث الشكل، فلا تتبع هيئة التحكيم هذا الإجراء الجوهري، وتقوم بإصدار الحكم
وتوقيعه وإرساله للأطراف مباشرة، أو لا يفوض الأطراف الهيئة بالصلح صراحة،
ومع ذلك تصدر الهيئة الحكم على أساس التحكيم بالصلح، أو يتفق الأطراف أثناء
الإجراءات على تسوية نزاعهم ودياً، ويطلبون من الهيئة تثبيت ذلك في المحضر
ومن ثم إصدار حكم بهذه التسوية، فترفض الهيئة ذلك، وتصدر حكما مبتسراً
بنتيجة التسوية دون بيان شروطها وأحكامها، أو عدم السماح لأي من الطرفين
بتعديل طلباته أو أوجه دفاعه أو استكمالها، رغم عدم منازعة الطرف الآخر
بذلك، وبالرغم من أن نظر النزاع كان في بداياته عند تقديم مثل هذا التعديل،
وكان من الواضح أن التعديل لا يعيق الفصل في النزاع، أو تنظر الهيئة في
النزاع دون تمثيل صحيح من أحد أطرافه، أو تطلب منه تمثيل نفسه في القضية
وترفض طلبه بتعيين محامٍ، أو أي شخص آخر يمثله في النزاع.
(6)
وفي قضية من زمبابوي 9/12/1998، قضي بأن قرار التحكيم الذي يتعارض
مع النظام العام، هو القرار الذي يعرض سلامة نظام التحكيم
الدولي(للخطر)، وأن ذلك يشمل قضايا الرشوة والاحتيال والمخالفات
الإجرائية، وتصرف المحكم بشكل مناف للأخلاق (CLOUT,
Case No. 267).