Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

 

آثار اتفاق التحكيم وسقوطه في التحكيم البحري

 

 

لا تختلف الأحكام القانونية المتعلقة بآثار اتفاق التحكيم وسقوطه في التحكيم البحري عنها في أنواع التحكيم الأخرى أو، بمعنى أصح، عن التحكيم بوجه عام.  فهذه الأحكام واحدة لا فرق بين تحكيم وأخر في هذا الشأن.  ونبحث فيما يلي أثار اتفاق التحكيم في فرع، وسقوطه في فرع ثان.

 

الفرع الأول: آثار الاتفاق

 

1-     يثير البحث في آثار اتفاق التحكيم العديد من المسائل، تتعلق بتفسير الاتفاق، والقوة الملزمة للاتفاق سواء بالنسبة للأطراف أو لهيئة التحكيم أو غيرهم، ومدى انصراف آثار الاتفاق للخلف العام، ونطاق الاتفاق من حيث الموضوع.

 

المسألة الأولى:  تفسير اتفاق التحكيم

 

مقدمة

 

2-     لم ينص المشرع في القوانين العربية على حكم خاص بتفسير اتفاق التحكيم، مما يعني وجوب الرجوع للقواعد العامة لبيان مدى انطباقها على مثل هذا الاتفاق.

 

3-     وحسب القواعد العامة في تفسير العقود، فإن تفسير أي بند عقدي لا يخرج عن ثلاثة أمور: الأول - وضوح الإرادة، الثاني - غموض هذه الإرادة، الثالث- محاولة استجلاء المقصود من البند العقدي في الإرادة الغامضة ولكن دون جدوى، وهو ما يسمى حالة الشك. وسنبحث هذه المسائل تباعاً. ولكن قبل ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تفسير اتفاق التحكيم، هو ابتداء من مهمة هيئة التحكيم المعروض أمامها النزاع. ومن حيث النتيجة، فإن أي رأي تصل إليه الهيئة حول هذه المسألة، يكون تحت رقابة القضاء، عند الطعن بحكم التحكيم أو طلب المصادقة عليه وتنفيذه[1].

 

 

أولاً: وضوح الإرادة

 

 4-       والمبدأ الأول في هذه القواعد، يقضي بأنه إذا كانت عبارة العقد واضحة، فلا يجوز الانحراف عنها عن طريق تفسيرها للتعرف على إرادة المتعاقدين[2]. ومثال ذلك، أن يكون العقد عقد بيع، ويرد فيه شرط تحكيم ينص على أن أي خلاف بين الطرفين ناجم عن العقد، يحال للتحكيم وفق قواعد مركز لبنان التحكيمي. من الواضح في هذا المثال، أن هناك إحالة للتحكيم من جهة، وأن الإحالة للتحكيم خاصة بعقد البيع الأصلي وليس بغيره من جهة أخرى، وأن الجهة المسؤولة عن إدارة العملية التحكيمية هي مركز لبنان. وبناءً عليه، ليس للجهة المعنيـّة بالتفسير، الخروج على هذه العبارات الواضحة، بحجة تفسير إرادة المتعاقدين[3].

 

ثانياً: غموض الإرادة

 

5-     وقد لا تكون إرادة الطرفين واضحة على النحو المذكور، وإنما ينتابها غموض، بحيث يقتضي الأمر تفسير عبارات الاتفاق لإزالة هذا الغموض. ومثال ذلك، أن ينص الاتفاق على تسوية النزاع حسب قواعد مركز التحكيم التجاري المصري في القاهرة، أو مركز التحكيم الدولي الإماراتي في دبي. ويبدو الغموض هنا من ناحية أنه لا يوجد مركز للتحكيم في القاهرة باسم "مركز التحكيم التجاري المصري"، ولا في دبي باسم "مركز التحكيم الدولي الإماراتي". وهذا يثير التساؤل عن قصد الطرفين من هذه العبارات. كما أن هناك غموضاً آخر يتعلق بنيـّة الطرفين، وما قصداه من العبارات الواردة في اتفاقهما. فالطرفان اتفقا على إحالة النزاع لهذا المركز أو ذاك، دون بيان ما إذا كانا قصدا تسوية النزاع عن طريق التحكيم، أم تسويته بطريقة أخرى مثل التوفيق.

 

 

6-     ولحل هذا الإشكال، يقضي المبدأ الثاني من القواعد العامة في التفسير، بأنه إذا كان هناك محل لتفسير العقد، فيجب البحث عن النية المشتركة للطرفين، دون الوقوف عند المعنى الحرفي للألفاظ، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل، وبما ينبغي أن يتوافر من أمانة وثقة بين المتعاقدين، وفقاً للعرف الجاري في المعاملات[4].

 

7-     وبناءً عليه، قضي بأنه إذا كان هناك عقد بيع نص على إصدار سندات سحب بالثمن، وتضمن أيضاً شرطاً بإحالة الخلافات الناجمة عن عقد البيع إلى التحكيم، فإن هذا الشرط يشمل الخلافات حول سندات السحب[5]. وفي قضية أخرى، نص العقد على إحالة الخلاف إلى "أشخاص يتم تعيينهم من أجل الفصل فيه بموجب تقرير يقدمونه لذلك". قررت المحكمة بأن هذا الشرط يعتبر اتفاق تحكيم بالمعنى المنصوص عليه في قانون التحكيم، وأنه لا يغير من الأمر شيئاً عدم وجود كلمة تحكيم في الاتفاق، ما دام أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني. وبالتالي، فإن أولئك الأشخاص هم محكـّمون بالمعنى الحقيقي لمفهوم المحكـّم[6].

 

8-     وفي قضية نص عقد المقاولة على إحالة الخلافات الناشئة عن العقد إلى التحكيم. تقدم المقاول من صاحب العمل بمطالبة أقر بها الأخير بمستحقات المقاول، بموجب سند (مخالصة) موقع عليه من صاحب العمل والمقاول. ومع ذلك، لم يدفع صاحب العمل مبلغ المطالبة. فأقام المقاول دعوى قضائية للمطالبة بقيمة الدين الوارد في السند. ولكن بناءً على دفع أثاره المدعى عليه، قرر القضاء عدم اختصاصه ولائياً بنظر الدعوى، وأنه يجب اللجوء إلى التحكيم لتسوية النزاع، بالرغم من أن شرط التحكيم لم يرد في سند المخالصة، وإنما في عقد المقاولة الأصلي[7].

 

9-     وفي قضية نص اتفاق التحكيم، على تسوية المنازعات العقدية عن طريق غرفة التجارة الدولية في جنيف/سويسرا، مع أن مقر الغرفة في باريس/فرنسا. أثار المدعى عليه الدفع ببطلان شرط التحكيم لعدم وجود غرفة في جنيف، اسمها غرفة التجارة الدولية. إلا أن هيئة التحكيم قررت اختصاصها بنظر النزاع، وقررت أن الشرط يعني غرفة التجارة الدولية ومقرها باريس، إلا أن مكان التحكيم، هو جنيف / سويسرا[8].

 

 10-    وبعض القوانين، مثل لبنان وقطر، تجيز استئناف حكم التحكيم وفق شروط معينة لا مجال للخوض فيها لغايات هذا البحث[9]. وبالنسبة لهذه القوانين، قضي بأنه إذا نص اتفاق التحكيم، على أن حكم التحكيم حاسم ونهائي ومبرم وغير قابل للنقض، فيفسر هذا بأنه يعني انصراف إرادة المتعاقدين إلى عدم جواز استئناف الحكم[10].

 

ثالثاً: تفسير الشك

 

11-   وهناك مبدأ ثالث في التفسير حسب القواعد العامة في القوانين العربية، يقضي بأن الشك يفسر لمصلحة المدين[11]. إلا أننا نرى عدم تطبيق هذه القاعدة على اتفاق التحكيم. والسبب في ذلك أن هذا الاتفاق بطبيعته، لا يوجد فيه دائن ولا مدين، وإنما هو اتفاق إجرائي يتعلق بالاختصاص في نظر النزاع أو، بمعنى آخر، هو اتفاق لنزع الاختصاص من القضاء الرسمي صاحب الولاية العامة في نظر المنازعات، وإحالته للتحكيم[12].

 

12-   والسؤال الذي يطرح نفسه عندئذ، هو فيما إذا كان يفسر الشك أو الغموض في اتفاق التحكيم، لمصلحة التحكيم بحيث يحال النزاع للتحكيم، أم ضده بحيث لا يعتدّ بالاتفاق ويبقى الاختصاص للقضاء. ومثال ذلك، أن ينص الاتفاق على إحالة النزاع لأحد الفنيين لبيان رأيه الفني فيه، أو لأحد القانونيين لبيان وجهة نظر القانون فيه. أو يتعلق النزاع بقياسات المبنى الذي أنشأه المقاول، فيتفق الطرفان على إحالته لمهندس لبيان هذه القياسات، أو ينص الاتفاق على أنه في حال وجود خلاف بين الطرفين، يفضل تسويته باللجوء إلى التحكيم بدلاً من القضاء.

 

13-   وللإجابة على هذا التساؤل، اتجه القضاء في الدول العربية إلى القول بأن اللجوء إلى التحكيم، طريق استثنائي لفض المنازعات قوامه الخروج على طرق التقاضي العادية. وعليه، يتعين على المحكمة عند تفسير اتفاق التحكيم، أن تلزم الحيطة والحذر، وأن تفسره تفسيراً ضيقاً[13]. وأن تلتمس كل ما من شأنه إفادة التنازل عنه[14].

 

14-   وبمعنى آخر، فإن الشك في مدى خضوع نزاع معين للتحكيم، يفسر ضد التحكيم، مما يؤدي إلى القول بعدم خضوع هذا النزاع للتحكيم[15]. والأمثلة على ذلك كثيرة.

 

15-   فإذا نص شرط التحكيم في عقد الشركة على أن "أي خلاف ناشئ عن تطبيق العقد أو يتعلق به يحال إلى التحكيم...."، فإن هذا الاتفاق لا يشمل فسخ الشركة ولا تصفيتها[16].

 

 16-   وإذا نص شرط التحكيم على صلاحية المحكم بتفسير العقد، فهذا لا يخوله فسخ العقد، ولا الحكم بالتعويض في حال إخلال أحد الفريقين بالعقد. وإذا نص الشرط على تفسير العقد وتنفيذه، فلا يشمل ذلك المنازعات الناجمة عن المسؤولية غير العقدية، أو تلك التي تقوم على بطلان العقد أو فسخه أو انفساخه[17].

 

 17-   وإذا نص الشرط على أنه في حال وقوع خلاف ناشئ عن تطبيق أحكام هذا العقد ".... يحق للفريق الأول عرض الخلاف على ثلاثة محكمين ...."، فإن هذا الحق مقرر للفريق الأول في العقد فقط، ولا يشمل الفريق الثاني، كما لا يجبر الفريق الأول على اللجوء إلى التحكيم، وإنما يكون من حقه اللجوء للقضاء بدلاً من التحكيم، وبالتالي ليس للفريق الثاني التمسك بشرط التحكيم[18].

 

 18-    وإذا نص شرط التحكيم في العقد بين المهندس وصاحب العمل على إحالة الخلافات الناجمة عن تفسير العقد إلى التحكيم، فلا يشمل ذلك، الخلاف حول أتعاب المهندس، وينعقد الاختصاص في الدعوى للقضاء صاحب الولاية العامة بالفصل في المنازعات[19].

 

19-   وإذا نص الشرط على أنه "إذا نشأ نزاع أو أي خلاف من أي نوع كان بين صاحب العمل وبين المقاول فيما يتعلق بالعقد أو ينشأ عنه فيما يختص بتنفيذ الأعمال .... يحال إلى التحكيم"، فإن الشرط لا يشمل المخالصة النهائية، التي تم الاتفاق عليها بين صاحب العمل وبين المقاول بشأن الأعمال موضوع الاتفاقية[20].

 

20-   وإذا نص شرط التحكيم على أنه في حال وقوع الخلاف، تتم تسويته بواسطة محكم يتفق عليه الطرفان، وفي حال عدم اتفاقهما تكون المحاكم هي المختصة، فهذا يعني سقوط شرط التحكيم في حال عدم اتفاق الطرفين على المحكم، ولا يكون للمحكمة صلاحية تعيينه[21].

 

21-   وإذا نص شرط التحكيم بين شركة التأمين وبين المؤمن له، على أنه في حال وقوع الخطر المؤمن ضده، يحال الخلاف حول مقدار التعويض الذي يستحقه المؤمن له إلى التحكيم، وادّعت الشركة أن الحريق غير مشمول بالتغطية التأمينية، ونازعها المؤمن له في ذلك، فإن الشرط لا يشمل هذا النزاع، ويبقى الاختصاص فيه للقضاء[22].

 

22-   وإذا اتفق الطرفان على التحكيم من قبل شخص معين، فهذا لا يعني الاتفاق على حل النزاع بطريق التحكيم عموماً، بحيث إذا استقال المحكم المتفق عليه، عادت الولاية في فصل النزاع للمحاكم العادية[23].

 

23-   وإذا حدد شرط التحكيم في وثيقة التأمين نطاق التحكيم بإثبات الأضرار أو الخسائر الناشئة عن الحادث المضمون بالوثيقة، وتقدير قيمتها، دون القضاء بالإلزام، فإن المحكم يكون قد تجاوز مهمته إذا قضي بإلزام شركة التأمين بأن تدفع للمؤمن له قيمة الأضرار أو الخسائر، بعد أن قام بتقديرها[24].

 

24-   وإذا نص العقد على شرط تحكيم، وكان هناك عقد أخر بين نفس الأطراف مرتبط به لا ينص على التحكيم، وكانت الرابطة بين العقدين وثيقة بحيث لا تقبل التجزئة (مثل المدين والكفيل)، فيكون الاختصاص بنظر المنازعات الناجمة عن العقدين للقضاء صاحب الولاية العامة[25].

 

المسألة الثانية: القوة الملزمة للاتفاق

 

أولاً: نطاق الإتفاق

 

25-   يقتصر أثر اتفاق التحكيم على العقد أو العقود المشار إليها في الاتفاق دون غيرها[26]. فإذا كان بين الطرفين أكثر من عقد، ونص أحدها على شرط تحكيم بالنسبة للمنازعات الناشئة عن ذلك العقد، فلا ينصرف الاتفاق على العقود الأخرى، إلا إذا تمت الإحالة فيها على شرط التحكيم[27]. ويقتصر أثر الاتفاق كذلك على النزاع المشترط إحالته للتحكيم دون النزاعات الأخرى، حتى لو نشأت عن العقد ذاته الوارد فيه شرط التحكيم[28]. وضمن هذا النطاق، يكون الاتفاق ملزماً لطرفيه ولهيئة التحكيم[29].

 

26-    وأحياناً، يتغير موضوع العقد الأصلي زيادة أو نقصاً، ويكثر ذلك بشكل خاص في عقود المقاولات الإنشائية، حيث يصدر المهندس الاستشاري (المشرف) أوامر تغييرية للمقاول بإضافة أعمال جديدة للأعمال المطلوبة من المقاول، أو حذف بعض الأعمال. ويعتبر التغيير في موضوع العقد على هذا النحو، جزءاً من العقد الأصلي، فتسري عليه أحكامه بما في ذلك شرط التحكيم.  فإذا حصل خلاف بين الفريقين بشأن ذلك، يكون الاختصاص بتسويته للتحكيم وليس للقضاء[30].

 

 27-    والاتفاق في صيغة شرط تحكيم، يعني تسوية المنازعات المستقبلية المحتمل وقوعها بعد إبرام العقد[31]. وعلى ذلك، إذا كان أساس النزاع يرجع أصلاً لوقائع سابقة على العقد، فلا يكون النزاع خاضعاً للتحكيم. ومثال ذلك، أن تكون هناك نية مسبقة لإعطاء وكالة (أ) التجارية لـ (ب). ولكن لسبب أو لآخر، يتم إعطاؤها لـ (ج) مؤقتاً بموجب عقد وكالة، يتضمن شرط تحكيم دون علم (ج) بالعلاقة المسبقة بين (أ) و (ب)، وفيما بعد يفسخ (أ) الوكالة ويعطيها لـ (ب). في هذا المثال، لو تقدم (ج) بدعوى قضائية ضد (أ) على أساس الغش أو الاحتيال السابق على عقد الوكالة بينهما، تكون دعواه مسموعة، ويكون النزاع خارج نطاق اتفاق التحكيم[32].

 

ثانياً: بالنسبة للأطراف

 

28-   تقضي بعض القوانين بأن اتفاق التحكيم ملزم حسب ما ورد فيه، وأنه من حيث المبدأ، لا يجوز رفع دعوى قضائية للفصل في نزاع اتفق الأطراف على إحالته للتحكيم. ومع أنه لا يوجد نص صريح حول هذه المسألة في قوانين أخرى، فإن القواعد العامة تقضي بإلزامية اتفاق التحكيم، ووجوب تنفيذه أسوة بغيره من العقود[33]. كما أن مختلف القواعد الخاصة بالتحكيم، مثل جواز الاتفاق على التحكيم والطعن بحكم التحكيم وتصديقه وتنفيذه، تقتضي بالضرورة إلزامية هذا الاتفاق في حدود ما هو وارد فيه.

 

29-   ويلاحظ على بعض القوانين، أنها نصت على أنه يترتب على شرط التحكيم نزول الخصوم عن حقوقهم في الالتجاء للقضاء[34].  والمقصود بذلك اتفاق التحكيم بوجه عام، سواء ورد في صيغة شرط تحكيم، أو اتفاق منفصل، أو مشارطة تحكيم على النحو المبين سابقاً[35]، ولا يقصد به قصر الحكم على شرط التحكيم، الذي يرد في العقد الأصلي دون غيره من اتفاقات التحكيم الأخرى.

 

30-   ومهما يكن من أمر، فإنه متى أبرم اتفاق التحكيم صحيحاً وكان نافذاً، فإنه يرتب آثاره وفق ما هو مبين في القواعد العامة، مع مراعاة القواعد الخاصة به. وحسب القواعد العامة، فإنه يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع حسن النية، ولا يقتصر الاتفاق على إلزام طرفي التحكيم بما ورد فيه فحسب، ولكن يتناول أيضاً ما هو من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف وطبيعة التصرف[36].

 

 

31-   وبتطبيق ذلك على اتفاق التحكيم الصحيح، نقول بأنه يترتب على هذا الاتفاق حرمان أطرافه، من حيث المبدأ، من الإلتجاء للقضاء بصدد نزاع اتفقوا على إحالته للتحكيم بدلاً من القضاء، ولا يحق لأي منهم العدول عن الاتفاق بإرادته المنفردة (التصرف الانفرادي)[37]. وإذا اتفق الطرفان على محكم لتسوية النزاع، فيجب عرض النزاع على ذلك المحكم دون غيره، وليس لأحدهما الالتجاء للمحكمة لتعيين محكم بديل عنه، إلا إذا امتنع المحكم عن القيام بمهمته أو اعتزل من تلقاء نفسه، أو تم عزله أو حكم برده، أو قام مانع حال دون مباشرته لمهمته. ويقع عبء إثبات توفر إحدى هذه الحالات، على المدعي الذي يطالب بتعيين محكم بدلاً من المحكم المتفق عليه[38].

 

 

 

32-   وعلى ذلك، يصبح اللجوء للتحكيم حقاً للأطراف من جهة، وواجباً عليهم من جهة أخرى. ومثال ذلك، وجود عقد بين (أ) و(ب) ينص على إحالة خلافاتهما المتعلقة بالعقد إلى التحكيم. فإذا وقع الخلاف فعلاً، وأراد أن يأخذ (أ) صفة المدعي، فيحق له اللجوء إلى التحكيم لتسويته. وفي هذه الحالة، يجب على (ب) أن يمتثل لذلك. والعكس صحيح أيضاً، إذ يجب في هذا المثال على (أ) أن يلجأ للتحكيم وليس للقضاء، وهذا من حق (ب). فإذا لجأ للقضاء بدلاً من التحكيم، كان لـ (ب) إثارة الدفع أمام القضاء بوجود اتفاق تحكيم. فإذا توفرت شروط الدفع، يجب على المحكمة أن ترفض الدعوى. وإذا رد المدعي أمام المحكمة على هذا الدفع بأي ردود أخرى مثل عدم وجود الاتفاق أو بطلانه، أو أن النزاع يقع خارج نطاق التحكيم، فإن إحالة المحكمة القضية للتحكيم، لا يسقط حق المدعي بإثارة هذه الدفوع ثانية، سواء أمام هيئة التحكيم، أو أمام المحكمة فيما بعد، عند النظر بطلب تصديق حكم التحكيم أو الطعن به بالبطلان أو غير ذلك[39].

 

33-   ولكن قد يقصر اتفاق التحكيم حق اللجوء للتحكيم لأحد الطرفين دون الطرف الآخر. كأن ينص الاتفاق على أنه في حالة نشوب نزاع بين طرفي العقد (أ) و(ب)، يحق للطرف الأول (أ) اللجوء للتحكيم. في هذا الفرض، يكون اللجوء للتحكيم رهن بإرادة (أ). ويفهم من صيغة كهذه، أن التحكيم ليس واجباً على (أ)، وإنما حق له، إن شاء ذهب إلى التحكيم، وإن شاء ذهب للقضاء وفق ما يراه مناسباً. فإذا لجأ لجهة التحكيم أو القضاء، وكلاهما صحيح، ليس من حق (ب) إثارة الدفع بعدم اختصاص تلك الجهة بنظر النزاع. وعلى العكس، إذا كان الذي بادر باللجوء إلى التحكيم أو القضاء هو (ب)، فإن من حق (أ) أن يقبل ذلك ويدخل في الإجراءات التحكيمية أو القضائية، أو يرفضه، بإثارة الدفع بعدم الاختصاص[40].

 

ثالثاً: الخلف العام

 

34-    واستناداً للقواعد العامة، ينصرف أثر العقد، كمبدأ عام، إلى المتعاقدين والخلف العام[41]، مما يعني سريان اتفاق التحكيم بحق الورثة، حتى لو لم يبلغوا، أو لم يبلغ بعضهم سن الرشد عند وفاة مورثهم[42].  إلا أن القانون الليبي خرج على هذه القاعدة العامة، بالنص في المادة (750) من قانون المرافعات المدنية والتجارية، على أن اتفاق التحكيم لا ينقضي بموت أحد الخصوم إذا كان ورثته جميعاً راشدين. وهذا يعني بمفهوم المخالفة، أن الاتفاق يسقط في حال كان أحد الورثة غير رشيد عند وفاة المورث.

 

35-    وكخلف عام، يسري اتفاق التحكيم على الشخص المعنوي الذي يخلف شخصاً آخر في ذمته المالية، كأن تندمج الشركة (أ) بالشركة (ب)، أو تندمج الشركتان (أ) و(ب) ببعضهما، وينتج عنهما شركة جديدة هي (ج). في الفرض الأول، يسري اتفاق التحكيم الذي أبرمته (أ) مع الغير قبل الاندماج بحق (ب)، وفي الفرض الثاني، يسري هذا الاتفاق بحق (ج)، سواء كانت (أ) هي التي أبرمت الاتفاق أو (ب) قبل تكوين شخصية (ج).

 

رابعاً: بالنسبة للمحال له أو المحال عليه

 

36-   ومن الفروض التي يمكن أن تثور في هذا الشأن، مدى جواز تحويل اتفاق التحكيم بين (أ) و(ب) لشخص ثالث (ج). وهنا نميز بين وضعين.

 

37-   الوضع الأول: أن يتضمن العقد الأصلي بين (أ) و(ب)، اتفاق تحكيم، ويقوم (أ) و(ب) بتحويل هذا الاتفاق إلى (ج)، دون تحويل أي من التزاماته وحقوقه في العقد الأصلي إلى (ج). في هذا الفرض النادر، بل الذي لا يتصور وقوعه في الحياة العملية، تكون الحوالة باطلة لأن التحكيم مع (ج) يكون غير ذي موضوع[43]، مادام العقد الأصلي بين (أ) و(ب) لازال سارياً بينهما فقط، ولا يسري بحق (ج)، فاتفاق التحكيم تابع لهذا العقد وليس العكس.

 

38-   الوضع الثاني: أن يتم تحويل حقوق والتزامات (أ) العقدية إلى (ج). في هذا الفرض، ينتقل اتفاق التحكيم (المكتوب في العقد، أي شرط التحكيم) إلى (ج)، سواء أقيمت الدعوى التحكيمية منه ضد (ب)، أو أقيمت من (ب) ضده. وبمعنى آخر، فإن (ج) يحل محل (أ) في اتفاق التحكيم، في العلاقة مع (ب) في حدود الحقوق والالتزامات العقدية التي تم تحويلها، وذلك تطبيقاً للقواعد العامة في الحوالة، التي تقضي بانتقال الحق أو الالتزام لشخص ثالث، بما له وما عليه. كما أن لكل من المحال له والمحال عليه، أن يثير في مواجهة الآخر، بكافة الدفوع التي كان يمكن إثارتها في مواجهة المحيل، لو لم تتم الحوالة[44]. وفي جميع الأحوال، يشترط مراعاة الأحكام القانونية الخاصة بالحوالة، في القانون الموضوعي المطبقة عليها.

 

خامساً: بالنسبة لهيئة التحكيم

 

39-   لا يلزم اتفاق التحكيم أطرافه فحسب بما ورد فيه، وإنما يلزم أيضاً هيئة التحكيم. إذ من المتفق عليه أن الهيئة متى قبلت مهمتها، تعتبر، كمبدأ عام، ملزمة بالسير بإجراءات التحكيم إلى حين صدور الحكم المنهي للخصومة من جهة، وعليها التقيد باتفاق التحكيم من جهة أخرى، سواء من حيث الموضوع أو من حيث الإجراءات ما دام أنها تستمد سلطتها من هذا الاتفاق. وبخلاف ذلك، يكون حكمها معيباً، ويشكل ذلك سبباً صحيحاً للطعن به أمام القضاء، حسب طريقة الطعن المنصوص عليه قانوناًً.

 

سادساً: الشخص الثالث

 

 

40-   وحسب القواعد العامة، يقتصر أثر اتفاق التحكيم على طرفيه، من حيث الحقوق والالتزامات، فلا يتعداهما إلى شخص ثالث من الغير، لم يكن طرفاً في الاتفاق[45]. والمحكم هو الذي يقدر، من حيث المبدأ، من هم أطراف الاتفاق الذين يمكن أن يكونوا أيضاً أطرافاً في العملية التحكيمية[46]. ولكن ليس بالضرورة لسريان الاتفاق بحق الغير، أن يكون هذا الغير أحد الأطراف الموقعين على الاتفاق. إذ يدلنا الواقع العملي، على وجود حالات يسري فيها الاتفاق على أشخاص لم يوقعوا الاتفاق، وإنما يعتبرون موافقين عليه حكماً. وعلى سبيل المثال، فإن شرط التحكيم في عقد الشركة الأساسي أو نظامها الداخلي، والذي وبموجبه تتم المنازعات المالية بين الشركاء أو المساهمين مع بعضهم من جهة، أو بينهم وبين الشركة من جهة أخرى، يسري على كل الشركاء والمساهمين الذين وقعوا على هاتين الوثيقتين أو أحدهما، وكذلك على الشركاء والمساهمين الذين يوجدون في المستقبل. فمجرد كون الشخص شريكاً أو مساهماً في الشركة، يعني موافقته الحكمية على كافة أحكام وشروط عقد تأسيسها ونظامها الأساسي، بما فيها شرط التحكيم. ويمكن القول بتطبيق ذلك أيضاً، على الجمعيات والاتحادات والأندية والأحزاب، وأي شخصية معنوية أخرى من هذا القبيل[47].

 

 

الفرع الثاني: سقوط الاتفاق

 

المسألة الأولى: نطاق سقوط الاتفاق

 

41-   نقصد بسقوط الاتفاق عدم وجوده بحيث يكون أو يصبح غير صالح للعمل به، إما منذ إبرامه وهذه هي حالة بطلانه، أو بعد إبرامه صحيحاً ونافذاً، ولكنه يسقط لأي سبب مما سنشير إليه بعد قليل. ومتى تقرر سقوط اتفاق التحكيم بسبب البطلان أو لأي سبب آخر غير تسوية النزاع، فلا يؤدي ذلك إلى سقوط الحق موضوع النزاع، وإنما إلى تقرير عودة الاختصاص بنظر الدعوى للمحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع.

 

 42-   وقد يسقط اتفاق التحكيم بالنسبة لأحد الأشخاص، في حين يبقى قائماً بالنسبة لأشخاص آخرين. ومثاله أن يكون العقد عقد مقاولة بين ثلاثة أطراف صاحب العمل (أ)، والمقاول الرئيسي (ب)، والمقاول من الباطن (ج). نشب نزاع بين (ب) و(ج) تمت تسويته تحكيماً بصورة شاملة. في هذه الحالة يسقط الاتفاق في العلاقة بين (ب) و(ج). في حين يبقى قائماً في علاقة (أ) بكل من (ب) و(ج)، ما لم يتبين من طبيعة الاتفاق، أو الظروف المحيطة غير ذلك، بحيث إذا سقط بحق بعض أطراف الاتفاق، سقط بحق الآخرين حكماً. ومثال ذلك أن تكون العلاقة القانونية علاقة قرض بين الدائن (أ) من جانب، وبين المدين (ب) والكفيل (ج) من جانب آخر. في هذا الفرض، لو سقط اتفاق التحكيم بين (أ) و(ب) بالإقالة مثلاً، يفترض سقوطه أيضاً بالنسبة لـ (ج)، لأن كفالته لـ (ب) مرتبطة بالعلاقة بين (أ) و(ب) وتابعة لها. وبناءً عليه، لو أراد الدائن (أ) أن يرجع على الكفيل (ج)، فليس أمامه سوى اللجوء للقضاء بعد سقوط اتفاق التحكيم.

 

43-    وأحياناً يسقط اتفاق التحكيم، إلا أنه يعود للحياة ثانية. ومثال ذلك، أن يكون هناك عقد يتضمن شرط تحكيم. وفيما بعد، يبرم الطرفان اتفاقية تسوية بينهما، تتضمن شرطاً فاسخاً تتوفر فيه الشروط القانونية، مفاده أنه في حال إخلال أحد الفريقين بالاتفاقية الجديدة، تعتبر هذه الاتفاقية ملغاة، ويطبق العقد السابق. في هذا المثال، يعود العقد السابق للحياة بما فيه شرط التحكيم، ويكون الاختصاص في تسوية المنازعات للتحكيم، دون حاجة لإبرام اتفاق تحكيم جديد[48].

 

المسألة الثانية: بطلان الاتفاق

 

أولاً: البطلان الكلي

 

44-   يصيب البطلان اتفاق التحكيم منذ نشأته، إذا تخلف ركن أو شرط من شروط انعقاده حسب القواعد العامة، من رضا وأهلية ومحل وسبب. وقد أشرنا فيما مضى لبعض الأمثلة على بطلان الاتفاق، ونشير هنا لبعضها ثانية باختصار، مع أمثلة أخرى.

 

45-   بوجه عام، يمكن أن نقرر قاعدة أساسية مفادها بطلان الاتفاق على التحكيم، إذا كان مخالفاً للنظام العام. ومثال ذلك انعدام أهلية أحد طرفي الاتفاق عند إبرام الاتفاق، سواء كان شخصاً طبيعياً أو شخصاً معنوياً[49].

 

46-   ومن أسباب البطلان، إستحالة تنفيذ اتفاق التحكيم ابتداءً، مثل الإحالة إلى مؤسسة لا تعمل بالتحكيم أصلاً، كالإحالة حصراً إلى التحكيم وفق قواعد جامعة الدول العربية، أو جامعة الإمارات، أو جامعة دمشق. أو الاتفاق على إحالة النزاع لشخص طبيعي حصراً كمحكم، ثم يتبين أنه كان متوفياً وقت إبرام الاتفاق.

 

47-   ومثاله أيضاً أن يكون موضوع النزاع التحكيمي غامضاً أو مجهولاً جهالة فاحشة، كأن يرسل أحد الطرفين كتاباً للآخر يعرض عليه فيه إحالة الأمر إلى التحكيم، فيوافقه الآخر على ذلك دون بيان هذا الأمر. أو تكون عبارات التحكيم غامضة، بحيث يصعب تطبيق الاتفاق، كأن ينص الاتفاق على أن أي خلاف يحال لمحكمة التحكيم المختصة، دون بيان المقصود من العبارة الأخيرة.

 

48-   ومثاله كذلك أن تكون الإحالة إلى مؤسسة تحكيم لا وجود لها على أرض الواقع، كالاتفاق على إحالة النزاع إلى المركز العربي للتحكيم في دولة الإمارات، في حين لا وجود لمثل هذا المركز لا في الإمارات ولا خارجها[50]. ولكن إذا كانت الإحالة أخطأت في اسم مؤسسة التحكيم، أي كان هناك غموض في هذا الاسم بحيث يمكن جلاؤه، فتكون المسألة عندئذ مسألة تفسير، تخضع لقواعد التفسير التي سبق وأشرنا إليها[51]. مثل الاتفاق على التحكيم وفق مركز دبي للتحكيم التجاري الدولي، في حين أن اسمه هو مركز دبي للتحكيم الدولي دون كلمة "تجاري"، أو وفق مركز مصر الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي في القاهرة، مع أن اسمه هو مركز القاهرة. وكذلك، فإن تغيير اسم مؤسسة التحكيم، أو أن تصبح مؤسسة أخرى هي الخلف القانوني لها، فلا يؤثر ذلك على اتفاق التحكيم، وإنما تكون المؤسسة باسمها الجديد، أو المؤسسة الخلف للمؤسسة السلف هي المسؤولة عن التحكيم[52]. ومثال ذلك، مركز دبي للتحكيم الدولي، الذي أصبح الخلف القانوني لمركز دبي للتحكيم، بعد أن  كان تابعاً لغرفة تجارة وصناعة دبي[53].

 

 

49-   ومن أمثلة بطلان اتفاق التحكيم كذلك، كون موضوع النزاع مما لا يجوز التحكيم فيه، مثل النزاع بين الوكيل الإماراتي والموكل الأجنبي، حول تنفيذ الوكالة المسجلة لدى وزارة الاقتصاد الوطني، على النحو الذي بيناه سابقاً[54]؛ أو إذا ورد اتفاق التحكيم على مسألة لا يجوز الصلح فيها، مثل أنصبة الورثة والموصى لهم.

 

 50-   ومن أمثلته أيضاً، أن يشترط الاتفاق بأن يكون المحكم هو أحد الخصمين، بحيث تجتمع فيه صفتي الخصم والمحكم معاً.

 

51-   وفي عقود التأمين، تنص القوانين العربية عموماً على أن شرط التحكيم يكون باطلاً، إذا لم يرد في اتفاق خاص منفصل عن الشروط العامة، المطبوعة في وثيقة التأمين[55].

 

52-   ومثاله كذلك أن يكون هناك غموض في اتفاق التحكيم الذي يحيل تسوية النزاع لإحدى مؤسسات التحكيم، في حين يوجد أكثر من مؤسسة تحمل الاسم ذاته، ولا توجد أي إشارة في الاتفاق، يمكن من خلالها تحديد المؤسسة المقصودة منه.  ومثال ذلك أن ينص العقد بين تاجر من أبو ظبي وآخر من دبي، على إحالة أي نزاع ناجم عن العقد للتحكيم عن طريق غرفة التجارة، أو مركز التحكيم، مع العلم أنه يوجد غرفة تجارة ومركز تحكيم في كل إمارة من هاتين الإمارتين.  فإذا تقدم أحدهم للتحكيم أمام إحداهما، فبمقدور الطرف الآخر، إن شاء، إثارة الدفع بجهالة شرط التحكيم جهالة فاحشة، وبالتالي سقوطه[56].

 

53-   وإذا كان اتفاق التحكيم في صيغة مشارطة، فإن المشارطة يجب أن تتضمن موضوع النزاع ولو بصورة مجملة، وإلا كان إتفاق التحكيم باطلاً، على النحو المبين سابقاً. وذكرنا فيما مضى، أن النصوص التي تبطل الاتفاق لهذا السبب منتقدة، خاصة تلك التي تجيز تحديد موضوع النزاع، أثناء المرافعة أمام هيئة التحكيم[57].  وعلى ذلك، نرى تفسير النص على البطلان هنا، بأنه يتعلق فقط في حالة عدم بيان موضوع النزاع، لا في المشارطة، ولا أثناء المرافعة، وهو فرض يندر وجوده في الحياة العملية.

 

ثانياً: البطلان الجزئي

 

 

54-     وقد يلحق البطلان بجزء من اتفاق التحكيم وليس كله. وفي هذه الحالة، يبطل الاتفاق في الجزء الباطل، في حين يكون صحيحاً في الباقي تطبيقاً للقواعد العامة في العقود، ما لم يكن الاتفاق كلاً لا يتجزأ، بحيث يتعذر فصل الجزء الباطل عن الجزء الصحيح. ومثال البطلان الجزئي أن العديد من القوانين، حددت حالات بطلان حكم التحكيم، ثم نصت على أن تنازل الخصوم عن رفع دعوى البطلان قبل صدور الحكم النهائي لا يمنع، مع ذلك، هؤلاء الخصوم من رفع دعوى البطلان بعد صدور الحكم. والتطبيق العملي لهذا الوضع أن يشترط الأطراف في اتفاق التحكيم، أن حكم التحكيم نهائي ويلتزم الأطراف بتنفيذه، ويتعهدون بعدم الطعن به بما في ذلك الطعن بالبطلان. فإذا تضمن اتفاق التحكيم شرطاً من هذا القبيل، يكون البند الخاص بتسوية النزاع عن طريق التحكيم صحيحاً، في حين يكون شرط عدم الطعن بالحكم بالبطلان غير صحيح أي باطلاً.

 

 

55-     ومن الأمثلة الأخرى التي يمكن أن نسوقها على البطلان الجزئي لاتفاق التحكيم، ما يلي:

 

55/1    الاتفاق على مكان للتحكيم حصراً حيث لا يجوز ذلك، كأن يكون هذا المكان تابعاً لدولة يحظر القانون التعامل معها. ويلحق بهذه الحالة الاتفاق على تطبيق قانون دولة أجنبية على النزاع حصراً، في حين يحظر القانون الوطني ذلك لسبب أو لآخر.

 

55/2    الاتفاق حصراً على ما يسمى بسلطة تعيين للمحكمين لا وجود لها، أو لا تسمح القواعد القانونية بمثل هذا التعيين. كالقول مثلاً أنه في حال أخفق أحد الطرفين بتعيين محكـّمه، يتولى مركز التحكيم الإنساني في الإمارات، أو مجلس الأمن الدولي تعيينه، في حين لا يوجد في الحالة الأولى مركز بهذا الاسم في دولة الإمارات، كما أنه ليس من مهام مجلس الأمن تعيين المحكمين في الحالة الثانية.

 

55/3      الاتفاق على عدد زوجي من المحكمين، في حين يشترط القانون أن يكون عددهم وتراً.

 

55/4      الاتفاق بموجب اتفاق تحكيم واحد على التحكيم بشأن عقدين، أحدهما لا يجوز التحكيم فيه، كأن يكون عقد وكالة تجارية في القانون الإماراتيً[58]، في حين يجوز التحكيم في الآخر.

 

55/5      الاتفاق على التحكيم بالقانون والصلح بعقد واحد لا يذكر فيه أسماء المحكمين،  في هذه الحالة يكون الاتفاق على التحكيم بالصلح باطلاً، في حين يكون صحيحاً بالنسبة للتحكيم بالقانون.

 

المسألة الثالثة: التنازل عن الاتفاق

 

أولاً: الإقالة

 

56-     وقد يكون الاتفاق صحيحاً ونافذاً بحق طرفيه، ويسقط في هذه الحالة، على غرار أي عقد آخر، بفسخه بالاتفاق، وهذه هي الإقالة. وإذا كان اتفاق التحكيم شرع لصالح أحد الطرفين دون الآخر، فيحق لهذا الطرف التنازل عنه صراحة أو ضمناً. ولكن يجب أن تكون العبارات المستخدمة، دالة بشكل واضح على نية إقالة الاتفاق[59].

 

 57-     والإقالة تخضع للقواعد العامة ولا جديد فيها، إذ من حق الطرفين الاتفاق على فسخ اتفاق التحكيم، أو فسخ العقد الأصلي بما فيه اتفاق التحكيم. وفي هذه الحالة يسقط الاتفاق، وتعود تسوية النزاع للقضاء، صاحب الاختصاص الأصيل بتسوية المنازعات. وإذا رغب الطرفان باللجوء للتحكيم، فبمقدورهما إبرام اتفاق تحكيم جديد بعد أن سقط الاتفاق السابق.

 

58-     والإقالة قد تكون صريحة لا غموض فيها، وقد تكون ضمنية. ومن الأمثلة التي يكثر وقوعها في الحياة العملية على النزول الضمني عن الاتفاق، لجوء أحد طرفي الاتفاق للقضاء لتسوية النزاع بالرغم من وجود اتفاق تحكيم، ولا يثير الطرف الآخر الدفع بوجود هذا الاتفاق[60]. ومن المتفق عليه في هذه الحالة، سقوط اتفاق التحكيم بالتنازل الضمني عنه من طرفيه: أحدهما باللجوء للقضاء بدل التحكيم، والآخر بقبوله لهذا اللجوء بعدم إثارة الدفع باتفاق التحكيم[61].

 

 

59-     ومثال آخر على الإقالة الضمنية لاتفاق التحكيم والذي يكثر تطبيقه أيضاً في الحياة العملية، وهو أن يلجأ أحد طرفي الاتفاق للقضاء لتعيين محكم، حسب أحكام القانون التي تعطي للمحكمة المختصة تعيين المحكم في عدة حالات، منها عدم اتفاق الخصوم على المحكمين. فإذا أجاب الطرف الآخر على الدعوى طالباً رفضها، لعدم صحة اتفاق التحكيم مثلاً، فهذا ينطوي ضمناً على عدم موافقته على التحكيم أو، بمعنى آخر، تنازله عن اتفاق التحكيم. وفي هذه الحالة، يحق للطرف الأول موافقته على هذا التنازل، ورفع دعوى قضائية للفصل في النزاع، بعد أن يتنازل عن دعوى تعيين المحكم[62].

 

60-     ومن المتفق عليه أيضاً، أن الدفع بوجود اتفاق تحكيم ليس من النظام العام، فلا يجوز للمحكمة إثارته من تلقاء نفسها، وإنما شرع لمصلحة الطرفين أو أحدهما حسب الأحوال. كما أن التمسك بالدفع بوجود اتفاق تحكيم، يجب إثارته من المدعى عليه قبل الدخول في أساس الدعوى، بحيث إذا أجاب على الدعوى موضوعاً، سقط حقه بإثارة هذا الدفع في أي وقت لاحق على ذلك[63]. ولو تمسك المدعى عليه باتفاق التحكيم في الوقت المناسب، يتوجب على المحكمة رفض الدعوى بسبب وجود اتفاق تحكيم[64]. وقد عبّرت عن ذلك بعض القوانين مثل قانون الإمارات بقولها، أنه إذا لجأ أحد الطرفين إلى رفع الدعوى دون الاعتداد بشرط التحكيم (ويقصد بذلك اتفاق التحكيم)، ولم يعترض الطرف الآخر على ذلك في الجلسة الأولى، جاز نظر الدعوى واعتبر الشرط لاغياً[65].

 

61-     وقد توسع قضاء دبي في تفسير هذا النص ضد التحكيم، حيث قضت محكمة التمييز بأنه إذا جاء المحامي وحضر جلسة المحاكمة الأولى، ولم يكن لديه وكالة عن موكله المدعى عليه، فطلب الاستمهال لجلسة أخرى لتقديم وكالته، فإن حق موكله بالتمسك باتفاق التحكيم يسقط منذ تلك الجلسة، وليس للمحامي إثارة هذا الدفع في وقت لاحق، وذلك استناداً لنص المادة (203/5) من قانون الإجراءات المدنية[66]. ولكننا لا نؤيد هذا الحكم، ونرى أن أحكام القانون والعدالة تقضي بغيره. فالوكيل بالخصومة في القانون الإماراتي، لا يمثل إلا بسند رسمي موقع من الموكل أو بتقرير يدون في محضر الجلسة[67]، وليس له سلطة القيام بأي عمل عن موكله إلا بعد التوكيل على هذا النحو. ويشمل ذلك أي دفاع عن الموكل بما فيه إثارة الدفع بوجود اتفاق التحكيم. وبناءً عليه، لو جاء المحامي ومثل أمام المحكمة بالنيابة عن شخص معين، دون أن يقدم سند وكالته، فإن مثوله يكون مادياً وليس قانونياً. ويترتب على ذلك القول، أنه ما كان بمقدور المحامي في القضية المذكورة إثارة الدفع باتفاق التحكيم في أول جلسة. ولو أثار هذا الدفع، لكان من واجب المحكمة أن ترفض الاستماع له، إلى حين تقديم سند الوكالة اللازمة للخصومة[68].

 

 

62-      وقد يكون أطراف اتفاق التحكيم أكثر من واحد، ويرفع المدعي دعوى قضائية ضد الأطراف الآخرين في موضوع النزاع الذي يدخل ضمن اتفاق التحكيم. ويثير أحد المدعى عليهم الدفع بوجود اتفاق تحكيم في الوقت المناسب، ويطلب إحالة النزاع للتحكيم، في حين لا يثير الآخرون هذا الدفع، بل يردون على موضوع الدعوى. في هذا الفرض، سيكون هناك حتماً أكثر من وجهة نظر: إما رد الدعوى عن الجميع، أو قبولها ضد الجميع، أو ردها عن الطرف الذي أثار الدفع بوجود اتفاق تحكيم وقبولها بالنسبة للأطراف الآخرين، ولكل منها ما يبررها، ويصعب ترجيح إحداها على وجهات النظر الأخرى. ومن جانبنا، نميل لوجهة النظر الأخيرة، وفي الوقت ذاته نرى وقف السير بالدعوى القضائية إلى حين البت في الدعوى التحكيمية، حتى يكون هناك انسجام بين الأحكام وعدم تعارضها مع بعضها. فمثل هذا الرأي، يتماشى مع مبدأ وجوب رفض الدعوى إذا أثار أحد المدعى عليهم الدفع باتفاق التحكيم في الوقت المناسب، ومع مبدأ سقوط الحق بهذا الدفع في حال عدم إثارته من المدعى عليهم الآخرين. وفي ذات الوقت، يتلافى هذا الرأي إمكانية تعارض الأحكام مع بعضها.

 

63-     ولكن من المهم ملاحظة أن لجوء أحد الطرفين للقضاء المستعجل لطلب الحجز التحفظي مثلاً، لا يعتبر بمثابة تنازل منه عن التحكيم، ولا يمكن تفسيره على أنه كذلك.  فالقضاء هو المختص كقاعدة عامة بنظر طلبات الحجز التحفظي، والاتفاق على التحكيم لا يحول بين الخصوم وبين طلب الحجز التحفظي[69].

 

ثانياً:  الإرادة المنفردة

 

64-     يكون اتفاق التحكيم في أغلب الحالات لصالح الطرفين، أي بإعطاء الحق لكل منهما، وليس لأحدهما فقط، باللجوء للتحكيم لتسوية النزاع الناشئ عن العقد موضوع الاتفاق. وفي هذه الحالة، ليس لأي منهما التنازل عن التحكيم بإرادته المنفردة، وإنما لا بد من موافقة الطرف الآخر، صراحة أو ضمناً. ولكن، في بعض الأحيان، تكون صيغة اتفاق التحكيم تعطي الحق بالتحكيم لأحد الطرفين دون الآخر، كالقول مثلاً في شرط التحكيم، بأنه في حال النزاع بين (أ) و(ب)، يكون  من حق (أ) اللجوء للتحكيم. وكما ذكرنا، فإن عبارة كهذه، تعطي الحق بالتحكيم لـ (أ) دون (ب). ويترتب على ذلك القول، أنه من حق (أ) التنازل عن اتفاق التحكيم بإرادته المنفردة دون حاجة لموافقة (ب). وغالباً ما يكون مثل هذا التنازل ضمنياً عن طريق لجوء (أ) للقضاء مباشرة لتسوية النزاع، مما يعني تنازله الضمني عن اللجوء للتحكيم، وليس له بعد ذلك التمسك باتفاق التحكيم[70].

 

المسألة الرابعة: انفساخ الاتفاق

 

65-     وفقاً للقواعد العامة، فإن القوة القاهرة التي تحول دون تنفيذ العقد بسبب استحالة التنفيذ بصورة مطلقة، تؤدي إلى انفساخ العقد[71]. ويطبق ذلك على اتفاق التحكيم.

 

66-     ومن صور استحالة تنفيذ اتفاق التحكيم، أن يتعلق هذا الاتفاق بتسوية النزاع تحكيماً عن طريق إحدى مؤسسات التحكيم حصراً. ولكن عند وقوع النزاع، يتبين أن تلك المؤسسة قد انقضت شخصيتها المعنوية، وتمت تصفيتها قضائياً نتيجة إفلاسها مثلاً، أو باتفاق مالكيها على تصفيتها تصفية اختيارية. ومثاله أيضاً أن تصبح تلك المؤسسة لا تتعامل بالتحكيم بالرغم من بقاء شخصيتها المعنوية؛ أو يكون طرفا النزاع من جنسية واحدة، ويتفقان على التحكيم في دولة ثانية حصراً، وتطبيق قانون تلك الدولة على نزاعهما. وعند وقوع النزاع، تصبح تلك الدولة عدواً لدولة الطرفين بحيث يحظر التعامل معها، أو ترفض تلك الدولة منح تأشيرة دخول للمحكم المصالح المتفق عليه بين الطرفين حصراًً. في هذه الأحوال ومثيلاتها، يمكن القول باستحالة تنفيذ اتفاق التحكيم، مما يؤدي إلى سقوطه أي انفساخه حكماً.

 

67-     كما يسقط الاتفاق حكماً لأسباب خاصة غير الأسباب المنصوص عليها في باب القواعد العامة. ومثال ذلك، أن يتفق الطرفان على محكم بعينه دون غيره لإجراء التحكيم، إلا أن هذا المحكم يرفض المهمة الموكلة إليه أو يتنحى أو يعزل أو يحكم برده، أو يتوفى أو لم تعد تتوفر فيه الشروط القانونية التي تطلبها القانون في المحكم، أو بانقضاء مدة التحكيم دون حكم. في هذه الأحوال، إذا لم يتفق الطرفان على محكم بديل، يمكن القول عندئذٍ بسقوط الاتفاق حكماً لحظة وصول الأطراف إلى طريق مسدود بشأن تعيين البديل. ويطبق الحكم ذاته، إذا كانت هيئة التحكيم مشكلة من أكثر من محكم تم الاتفاق عليهم بعينهم، ويتوفر في أحدهم إحدى الحالات المذكورة. ويمكن القول بتطبيق هذا المبدأ في مختلف القوانين العربية[72]، مع العلم أن القانون اللبناني أشار إلى ذلك صراحة بقوله في المادة (781)، بانتهاء خصومة التحكيم في مثل هذه الأحوال، ما لم يوجد، اتفاق خاص بين الخصوم على غير ذلك.

 

المسألة الخامسة:   انقضاء مدة اللجوء للتحكيم

 

68-     ومن الحالات المرتبطة بسقوط اتفاق التحكيم، حالة انقضاء مدة الاتفاق للجوء إلى التحكيم، ومع ذلك لا يتم اللجوء له خلالها. ومثال ذلك أن ينص عقد البيع على أن نزاع بين الطرفين، تتم تسويته باللجوء إلى التحكيم، شريطة أن يتم هذا اللجوء خلال ثلاثين يوماً من تسليم البضاعة للمشتري.  ولو فرضنا أنه تم تسليم المشتري بضاعة معيبة، وانقضت المدة المذكورة دون أن يلجأ المشتري للتحكيم خلالها.  والسؤال الذي يثور هنا، هو فيما إذا كان انقضاء المدة على هذا النحو، يؤدي إلى سقوط اتفاق التحكيم حكماً[73].

 

69-     ونرى في الإجابة على هذا التساؤل، حل المسألة حلاً عملياً، بالقول بتعليق نفاذ الاتفاق على إرادة الطرفين معاً. فإذا لجأ أحدهما إلى القضاء، تكون دعواه صحيحة بالرغم من معارضة الطرف الآخر، ويكون اتفاق التحكيم قد سقط بانقضاء مدته. وإذا لجأ إلى التحكيم وتقدم بصحيفة الدعوى أو بطلب للتحكيم، ولم يعترض الطرف الآخر على ذلك، بل أجاب على الصحيفة أو الطلب دون اعتراض، ينقضي تعليق الاتفاق، ويصبح نافذاً بأحكامه وشروطه. وفي حال اعتراضه، يقبل الإعتراض مع ما يترتب على ذلك من اعتبار الاتفاق ساقطاً من تاريخ انقضاء مدته. وهذا الاعتراض، يعتبر بمثابة دفع شكلي، ونرى وجوب إثارته قبل الدخول في أساس الدعوى.

 

المسألة السادسة: بطلان حكم التحكيم

 

70-     ومن الحالات الأخرى الخاصة بسقوط اتفاق التحكيم، الحالة التي يصدر فيها حكم التحكيم النهائي، ولكن القضاء يبطل هذا الحكم لأحد الأسباب المنصوص عليها قانوناً. والسؤال المطروح عندئذ يتعلق بأثر القرار القضائي على اتفاق التحكيم.

 

71-     ولا تتضمن القوانين العربية إجابة مباشرة على هذا التساؤل، ولكن عرضت قضية من هذا القبيل على محكمة التمييز في دبي، وقضت بشأنها بأنه يترتب على بطلان حكم التحكيم ولو لسبب في الشكل، عدم جواز طرح ذات النزاع مرة أخرى أمام ذات المحكم أو محكم آخر، إلا بموجب اتفاق تحكيم جديد بين الطرفين. وعندئذٍ يتم اللجوء للقضاء، لزوال السبب الذي حجب ولاية المحاكم عن نظر الدعوى. وهذا يعني أن إبطال حكم التحكيم قضائياً، يؤدي إلى سقوط اتفاق التحكيم. لأن القول بغير ذلك يعني، كما قالت محكمة التمييز في الحكم المذكور، دوران الخصوم في حلقة مفرغة. فصدور الحكم وإبطاله، يعني العودة ثانية إلى التحكيم، استناداً لذات الاتفاق. فإذا تم إبطال الحكم للمرة الثانية، نعود مرة أخرى للتحكيم، وهكذا إلى ما لا نهاية. فمن الطبيعي إذن، تقرير سقوط اتفاق التحكيم في مثل هذه الأحوال[74].

 

72-      ويبدو أن القضاء في سوريا يتجه هذا الاتجاه، ولكن بطريقة غير مباشرة.  ففي أكثر من حكم، قضت محكمة النقض بأنه في حال رفض إعطاء الحكم صيغة التنفيذ، يصار إلى إقامة دعوى بالموضوع ذاته أمام المحكمة المختصة[75]. وهذا يعني، كما نرى، سقوط اتفاق التحكيم. ويمكن القول بأن هذا هو أيضاً توجه القوانين الأخرى التي تعطي للمحكمة صلاحية الفصل بالنزاع عند إبطال حكم التحكيم، مثل العراق وقطر والكويت ولبنان وليبيا.

 

73-      ونحن مع هذا التوجه كمبدأ عام[76]. ومع ذلك، نرى التفرقة هنا بين وضعين: الأول: أن يكون قد تم طرح كافة منازعات الأطراف التي يشملها اتفاق التحكيم على التحكيم. وفي هذه الحالة، يسقط اتفاق التحكيم كاملاً إذا تم إبطال الحكم. الثاني: أن يكون الأطراف طرحوا جزءاً من منازعاتهم على التحكيم دون الجزء الآخر، ويصدر الحكم بشأن الجزء الأول ويتم إبطاله. وفي هذه الحالة، يسقط اتفاق التحكيم بالنسبة لذلك الجزء دون الجزء الآخر. ومثال ذلك، أن يشمل اتفاق التحكيم عقدان، فيحصل نزاع يتعلق بعقد منهما تتم تسويته عن طريق التحكيم. فإذا أبطل الحكم، سقط الاتفاق جزئياً فيما يتعلق بذلك العقد وليس العقد الآخر. وإذا نشب نزاع بين الطرفين حول العقد الآخر، تجوز إحالته إلى التحكيم استناداً لذات الاتفاق.

 

المسألة السابعة: تسوية النزاع

 

74-     إذا تمت تسوية النزاع موضوع اتفاق التحكيم كلياً، فمن الطبيعي أن يسقط اتفاق التحكيم تبعاً لذلك. فموضوع الاتفاق هو اللجوء إلى التحكيم لتسوية نزاع معين، وهذا النزاع قد تمت تسويته فعلاً عن طريق التحكيم، مما يؤدي إلى انقضاء الغرض منه، وبالتالي سقوطه. إلا أن موضوع الاتفاق، قد يكون تسوية أكثر من نزاع، وتعرض على هيئة التحكيم إحدى هذه المنازعات دون غيرها. ومثال ذلك أن يتعلق اتفاق التحكيم بعقدي مقاولة، أحدهما للتنفيذ في قطر والثاني للتنفيذ في البحرين، فينشب نزاع حول العقد المتعلق بقطر، وتتم تسويته عن طريق التحكيم. في هذا الفرض، يسقط اتفاق التحكيم جزئياً بالنسبة لعقد قطر، في حين يبقى قائماً بالنسبة لعقد البحرين. أو يكون موضوع الاتفاق عقد بيع من شقين: أحدهما خاص بالتزامات البائع والمشتري، والآخر خاص بكفالات حسن التنفيذ، التي يتوجب على البائع تقديمها للمشتري ضماناً لتنفيذ التزاماته العقدية، وينشب نزاع يتعلق بالشق الأول وتتم تسويته بالتحكيم. في هذا الفرض أيضاً، يسقط اتفاق التحكيم بالنسبة لذلك الشق، في حين يبقى سارياً بالنسبة للكفالات.

 

 


 

[1]        وقضي في سوريا، بأن عقد التحكيم عقد، يعود للمحكمة تفسير المقصود منه (نقض مدني، رقم 170/806، في 6/4/1970، ضاحي وبدر، ج1، رقم 1133).  وانظر حمزة أحمد حداد "كتابة اتفاق التحكيم وتفسيره في القوانين العربية"، مشار إليه سابقاً. وفي تفسير اتفاق التحكيم عموماً، أنظر ، Fouchard, Gaillard and Goldman, International Commercial Arbitration, Kluer, 1999, paras.473 et seq.,  (ويطلق عليه فيما بعد بـ"Fouchard"  ).

 

[2]      مثلاً، المادة (239/1) من القانون المدني الأردني والمادة (265/1) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، والمادة (125) من القانون المدني البحريني، والمادة (151/1) من القانون المدني السوري، والمادة (169/1) من القانون المدني القطري. وقد عبر عن ذلك القانون المدني العراقي بقوله أن الأصل في الكلام الحقيقة، ولا عبرة بالدلالة في مقابلة التصريح، وإعمال الكلام أولى من إهماله (المواد 155 و 156 و 157 ).

 

[3]          أنظر أيضاً تمييز الكويت، طعن 151 تجاري، تاريخ 18/3/1996، عدد 24، ص95؛  واستئناف بيروت، قرار تمهيدي في 20/5/1996 (المجلة اللبنانية، عدد 7 ، ص39)

 

[4]      وهو ما تقضي به القوانين العربية عموماً.  مثلاً، المادة (239/2) من القانون المدني الأردني والمادة (265/2) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، والمادة (125/ب) من القانون المدني البحريني، والمادة (151/2) من القانون المدني السوري، والمادة (169/2) من القانون المدني القطري. 

 

[5]          تمييز حقوق / الأردن، رقم 491/94، مجلة نقابة المحامين، 1995، ص2157. 

 

[6]         تمييز حقوق/الأردن، رقم 2126/2002، في 15/10/2002(منشورات عدالة).

 

[7]         نقض مدني مصري، طعن 52، في 27/2/1994، المكتب الفني 45، ص447.

[8]         قضية ICC ، رقم 7920، لسنة 1993، الكتاب السنوي للتحكيم التجاري الدولي، 1998، ص 80.

 

[9]           حمزة أحمد حداد، التحكيم في القوانين العربية، طبعة 1، 2007، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، فقرة 591 وما بعدها.

 

[10]       استئناف بيروت، 1778/2001، تاريخ 10/12/2001، المجلة اللبنانية، عدد 36، ص 22.

 

[11]        مثلاً،ً المادة (240) من القانون المدني الأردني والمادة  (266) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي، والمادة (126) من القانون المدني البحريني، والمادة (152) من القانون المدني السوري، والمادة (165) من القانون المدني العراقي، والمادة (170) من القانون المدني القطري.

 

[12]       وكما قيل، فإن هذا المبدأ لا معنى له في إتفاق التحكيم (Fouchard, para. 479 ).

 

[13]        وعلى سبيل المثال، قضي في سوريا، بأن صلاحيات هيئات التحكيم استثنائية تفسر في أضيق نطاق (نقض مدني، رقم 667/1197، في 28/6/1972، ضاحي وبدر، ج1، رقم 1138) ؛ أنظر أيضاً الحكم 3805/4682، لسنة 1999، الآلوسي، قاعدة 54) ؛ ومن قطر، استئناف 174/2002، في 7/7/2003؛ ومن البحرين، تمييز 157/99، في 5/3/2000، مجموعة الأحكام، 2000، ص141؛ ومن دبي، تمييز مدني، طعن 167، في 6/6/998، عدد 9، ص 464؛ ومن أبو ظبي، المحكمة الاتحادية العليا 22، لسنة 22 ق، في 3/3/2002، ص 539؛ ومن الأردن، تمييز مدني 1386/2002 (منشورات عدالة)؛ ومن مصر، نقض مدني مصري، 8547، في 11/12/997، المكتب الفني لسنة 48، ص 780.  ومن الكويت، أنظر تمييز مدني، طعن 34 تجاري، تاريخ 9/12/1991، عدد 19، ص200 ؛ وقضي في الكويت أيضاً أن التحكيم طريق استثنائي لفض النزاعات.  وبالتالي، يجب أن يكون نطاق هذا الاستثناء صريحاً وثابتاً بصورة لا تقبل الشك (طعن تمييز 179 ، تاريخ 19/1/1992، عدد 20، ص47).  ومن ليبيا، أنظر طعن مدني 54/26 ق، تاريخ 8/2/1982، مجلة المحكمة العليا، 1982، ص85.

 

[14]       تمييز دبي 167، تاريخ 6/6/998، عدد 9، ص 464.

 

[15]       وهناك من يرى بأن وجهة النظر هذه، تتعارض مع حقيقة أن التحكيم في الوقت الحاضر، هو الأسلوب المعتاد في تسوية منازعات التجارة الدولية (Fouchard, para. 480 ) أنظر أيضاً حكم  محكمة العدل في أونتاريو/كندا، تاريخ 24/11/1994، وجاء فيه أنه إذا كان هناك شك في اتفاق التحكيم، فيجب تفسيره على نحو من شأنه أن يفضي إلى اللجوء للتحكيم (CLOUT, Case No. 69).

 

[16]         من الأردن تمييز حقوق رقم 159/88، مجلة نقابة المحامين لسنة 1990، ص 1113؛ ورقم 1774/94، مجلة نقابة المحامين لسنة 1995، ص 1985.

 

[17]       إستئناف القاهرة، رقم 12/120 ق ، في 27/7/2003.

 

[18]        من الأردن تمييز حقوق رقم 1386/2002 (منشورات عدالة). وقضي في دبي بأنه إذا نص شرط التحكيم على تسوية الخلاف حول تفسير العقد باللجوء إلى محاكم دبي، ويمكن اللجوء للتحكيم بواسطة محكم منفرد.."، فإن هذا الشرط لا ينزع الاختصاص من محاكم دبي (طعن مدني رقم 65، تاريخ 7/12/1991، عدد 2، ص 562).

 

[19]       من مصر نقض مدني رقم 9، تاريخ 6/1/1976، المكتب الفني لسنة 27، ص 140.

[20]         من دبي طعن مدني رقم 295، تاريخ 3/1/1994، عدد 4، ص 112. قارن نقض مدني مصري 52، في 27/2/1994، المكتب الفني 45، ص447.

 

[21]          استئناف قطر ، 168/2002، في 11/6/2002.

 

[22]       من الأردن تمييز حقوق رقم 1773/2001 (منشورات عدالة)؛ ومن مصر، استئناف القاهرة، 25/7/2004 (المجلة اللبنانية، عدد 35، ص 68).

 

[23]      نقض مدني سوري، رقم 1747/1998، في 9/8/1965 (ضاحي وبدر، ج1، رقم 1101).

 

[24]        استئناف القاهرة، 26/2/2003، المجلة اللبنانية، عدد 32، ص 27.

[25]      تمييز الكويت، طعن 34 تجاري، تاريخ 9/12/1991، عدد 19، ص200.

 

[26]      وفي حكم للمحكمة العليا في هونغ كونغ، بتاريخ 23/10/2000، قضي بأنه إذا كان هناك عقد رئيسي يحتوي على شرط تحكيم، وعقد ثانوي لا يتضمن شرط تحكيم وإنما ينص صراحة على أن هذا العقد، متصل "اتصالاً وثيقا"، بالعقد الأصلي، يسري شرط التحكيم في هذه الحالة على العقد الثانوي (CLOUT, Case No. 460). ولو كان هناك عقد بيع تضمن شرط تحكيم، فإن هذا الشرط لا ينصرف إلى الكمبيالة التي سحبها المشتري لسداد الثمن أو جزء منه، حسب ما قضت به المحكمة نفسها في 16/12/1994 (CLOUT, Case No. 89).  قارن حكم محكمة ساسكاتشو/كندا، بتاريخ 17/9/1991 (CLOUT, Case No. 67).

 

[27]    مثلاً، تمييز دبي، طعن 48 و70/92 ، في 23/5/1992، عدد 3، ص501. وانظر أيضاً حكم المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، طعن 333، في 3/2/2002، السنة 24، ص 341.

 

[28]    وفي قضية من محكمة اونتاريو الكندية بتاريخ 10/11/1994، نص اتفاق التحكيم على تسوية النزاعات العقدية عن طريق التحكيم، باستثناء المنازعات "الناشئة عن مسائل قانونية".  قررت المحكمة أن المنازعات أمامها تنطوي على مسائل قانونية، بما في ذلك تطبيق مبادئ قانونية على مجموعة من الوقائع. وخلصت نتيجة ذلك، أن هذه المسائل خارج إطار اتفاق التحكيم (CLOUT,  Case No. 113).  أنظر أيضاً تمييز دبي، طعن 261 ، تاريخ 2/11/2002 ، عدد 13، ص777.

 

[29]       وعلى ذلك، لا يصح القول في التحكيم بأن قاضي الفرع هو قاضي الأصل (تمييز الكويت، طعن 45 تجاري، تاريخ 25/1/1988، عدد 16، ص289).  وفي اختصاص هيئة التحكيم عموماً، أنظر فقرة 372 وما بعدها.

 

[30]         بهذا المعنى تمييز دبي 130 ، تاريخ 17/6/2001 ، عدد 12 ، ص557.

 

[31]        انظر حمزة أحمد حداد، ما سبق، فقرة 118وما بعدها.

 

[32]        بهذا المعنى حكم للمحكمة العليا لكولومبيا البريطانية/كندا، بتاريخ 28/11/1998 (CLOUT, Case No. 65).

 

[33]        مثلاً، المادة (203/5) إماراتي، والمادة (236) بحريني، والمادة (253)عراقي،    والمادة (192) قطري، والمادة (173) كويتي. وقضي في سوريا بأنه لا يجوز للإدارة أن ترفض اللجوء للتحكيم، إذا كان مشروطاً في العقد مع الإدارة (مجلس الدولة، قرار 21، في 29/3/1971، الاستانبولي، رقم 1693).

 

[34]        مثل القانون البحريني (المادة 236)، والقطري (المادة 192).  أنظر أيضاً المادة (253/2) من القانون العراقي.

 

[35]       انظر حمزة أحمد حداد، ما سبق، فقرة 117.

 

[36]       وهو ما تقضي به القوانين المدنية في الدول العربية عموما،  مثلاً المادة ( 246) إماراتي، والمادتان (127 و129) بحريني، والمادة (149) سوري، والمادة (172) قطري.

 

[37]        تمييز دبي، طعن 282/93، في 13/2/1994، عدد 4، ص176؛ وطعن 96، في 4/2/1989، لسنة 88/ ص86. ولكن هذا مشروط، كما سنرى بعد قليل، بأن يكون حق اللجوء للتحكيم أعطي لكلا الفريقين.

 

[38]       تمييز دبي، طعن 167/94، في 13/11/1994، عدد 4، ص846.

 

[39]          أنظر أيضاً، المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، طعن 95، في 23/6/1996، السنة 17، ص 655.

 

[40]       تمييز حقوق/الأردن 1386/2002 (منشورات عدالة). أنظر أيضاً، حكم من ألمانيا 4/5/1999 (CLOUT, Case No. 457).  وفي لبنان قضي، في ظروف معينة، بأنه إذا كان لأحد الطرفين حسب إتفاق التحكيم "الحرية" بتعيين المحكم المنفرد، فإن كلمة "حرية"، تعني أن ذلك الطرف ليس ملزماً بتعيينه، ومن حقه في هذه الحالة اللجوء للقضاء وليس للتحكيم (استئناف بيروت، 192/97، تاريخ 18/2/1998، المجلة اللبنانية، عدد 7، ص47).

 

[41]         وهو ما تقضي به عموماً القوانين المدنية العربية، مثلاً المادة (206) من القانون الأردني، والمادة (250) إماراتي، والمادة (133) بحريني، والمادة (146) سوري، والمادة (141) عراقي،  والمادة (175) قطري.

 

[42]      محكمة استئناف بيروت، الغرفة الثالثة، رقم 763/2004، في 29/4/2004 (المجلة اللبنانية، عدد 30، ص39).

 

[43]          أنظر Fouchard, para. 711.

 

[44]       محكمة استئناف بيروت، الغرفة الثالثة، رقم 763/2004، تاريخ 29/4/2004 (المجلة اللبنانية، عدد 30، ص39) ؛ أيضاً تمييز دبي، طعن 167 ، تاريخ 2/6/2002، عدد 13 ، ص486.

 

[45]       محكمة اونتاريو الكندية، 23/11/1994 (CLOUT, Case No. 1196).

 

[46]       أنظر حكم مركز سنغافوره للتحكيم الدولي، تاريخ  4/10/1995 (CLOUT, Case No. 110).

 

[47]      بهذا المعنى، حكم من ألمانيا في 10/2/1999 (CLOUT, Case No. 405). قارن الحكم الصادر من ألمانيا أيضاً في 3/4/2000 (CLOUT, Case No. 406). وفي القضية الأخيرة، ذهبت المحكمة إلى القول بأن شرط التحكيم، أضيف للنظام الأساسي للجمعية فيما بعد، واعترض عليه العضو المعني. في هذا الفرض، لا يسري شرط التحكيم على ذلك العضو في علاقته بالجمعية.

 

[48]          بهذا المعنى أيضاً محكمة استئناف بيروت، الغرفة الثالثة، 13/10/2005، المجلة اللبنانية، عدد 37، ص40.

 

[49]       ما سبق، فقرة 70/1 ، وفقرة 80/1.  وأنظر أيضاً حكم للمحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، وجاء فيه أنه يجوز إبرام اتفاق التحكيم وفق شروط وإجراءات خاصة، طالما لا تخالف النظام العام أو نصاً آمراً (طعن 546، لسنة 22 ق، في 12/11/2002، ص 2055).

 

[50]        وقضي في دبي بأنه إذا تعذر تنفيذ شرط التحكيم لسبب خارج عن إرادة المدعي، فمن حقه اللجوء للقضاء، مثل الإحالة لهيئة حسم المنازعات التجارية المختصة، دون توضيح مكان وصفة هذه الهيئة (تمييز 59، في 22/12/1990 عدد1، ص86). قارن حكم محكمة هونغ كونغ العليا، 5/5/1993، وجاء فيه أن الإحالة للتحكيم في بلد ثالث، وفقاً لقواعد مؤسسة تحكيم لا وجود لها، لا يؤدي إلى بطلان الاتفاق (CLOUT, Case No. 57).

 

[51]         حمزة أحمد حداد، ما سبق، فقرة 221 وما بعدها.

 

[52]       حكم محكمة مدينة موسكو بتاريخ 10/2/1995 ( CLOUT, Case No. 148).

 

[53]          بموجب المرسوم الأميري، رقم 10 لسنة 2004 ، المادة 26.

 

[54]          ما سبق، فقرة 202 وما بعدها.

 

[55]      ومن تطبيقات ذلك، أنظر نقض مدني سوري، رقم 167/90، في 15/2/1962؛ ورقم 90، في 15/2/1962(ضاحي وبدر ج1، رقم 1125 و 1126). ومن الإمارات، المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، طعن 249، في 26/3/995، السنة 16، ص 751 ؛ أيضاً تمييز الكويت، طعن 103 تجاري، تاريخ 18/1/1984، عدد 6.

 

[56]       بهذا المعنى أيضاً حكم من ألمانيا في 28/2/2000 (CLOUT, Case No. 557).  قارن حكماً آخر من ألمانيا بتاريخ 30/1/2003، من أن الإحالة لمجلس التحكيم في الدولة (أ)، أو بمعرفة محكمة دولية يجري تحديدها، هو اتفاق ملزم لطرفيه.  وعندئذٍ، يكون للمدعي اختيار أحد هذين الطريقين (CLOUT, Case No. 559).

 

[57]       حمزة أحمد حداد، ما سبق، فقرة 132 وما بعدها.

[58]        حمزة أحمد حداد، ما سبق، فقرة 202 وما بعدها .

 

[59]        وفي قضية من المحكمة العليا في هونغ كونغ في 23/2/2001، قضي بأن قول أحد طرفي الاتفاق "بأنه لا مانع من إحالة المسائل لاختصاص المحكمة"،  لا يعني التنازل عن اتفاق التحكيم (CLOUT, No. 521).

 

[60]         وفي حكم لمحكمة النقض السورية، أن اتفاق التحكيم المتعدد الأطراف، لا يسقط إلا بموافقتهم جميعاً على ذلك (تاريخ 23/5/1995، الآلوسي، قاعدة 7). والقانون الكويتي نص صراحة على ذلك، بقوله في المادة (173)، بأنه يجوز التنازل عن الدفع بعدم اختصاص القضاء بنظر النزاع صراحة أو ضمناً.

 

[61]      وبخلاف التوكيل بالتحكيم الذي يتطلب نصاً خاصاً في الوكالة، قضي في دبي بأن الوكالة بالخصومة، تعطي للوكيل صلاحية التنازل عن اتفاق التحكيم، ولو ضمناً ودون حاجة لتوكيل خاص (تمييز دبي، طعن 144 و 171 ، تاريخ 18/5/2002، عدد 13، ص398).

 

[62]       ولكن إذا كانت دعويان قضائيتان تتعلقان بذات العقد المتضمن شرط تحكيم، وتنازل المدعى عليه عن التحكيم في إحداهما، فهذا لا يشمل الدعوى الأخرى، ويبقى من حقه التمسك فيها باتفاق التحكيم، بشأن موضوع النزاع المطروح على المحكمة (تمييز البحرين، طعن 222، تاريخ 21/2/1999، السنة 10 ، ص93).

 

[63]      وعلى سبيل المثال، قضي في سوريا بأن التحكيم ليس من النظام العام، ودفاع الطرف الثاني أمام القضاء بعد لجوء الطرف الأول إليه، يفيد موافقته على إلغاء الشرط التحكيمي (نقض مدني، رقم 552/470، في 21/12/1969، ضاحي وبدر، ج1، رقم 1147)؛ وقضي بأن عدم التمسك بشرط التحكيم أمام المحكمة الإبتدائية، يعتبر تنازلاً ضمنياً عنه، ويؤدي إلى سقوط الدفع به في مرحلة الاستئناف (نقض مدني، رقم 856/2117، تاريخ 30/9/1975، ضاحي، ج2، رقم 356). أنظر أيضاً حكم المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، طعن 225، السنة 23 ق، في 3/7/2003، سنة 25، ص 1421 ؛ وتمييز البحرين، طعن 127 ، تاريخ 9/3/1997، السنة 8 ، ص87 ؛ وتمييز الكويت، طعن 161 تجاري، تاريخ 6/4/1983، عدد 6.  ومن ليبيا، طعن مدني 54/26 ق، تاريخ 8/2/1982، مجلة المحكمة العليا، 1982، ص85.

 

[64]        وهي في هذا الشأن لا تحيلها للتحكيم لجهة معينة، لأنه ليس هناك هيئة أو جهة تحكيمية تقبل بنظر النزاع دون تقديمه من أحد الطرفين، وهذا بخلاف القواعد العامة في الإجراءات المتبعة أمام المحاكم في بعض الدول. إذ تقضي هذه القواعد، بأنه في حال قررت المحكمة عدم اختصاصها بنظر الدعوى، تحيلها إلى المحكمة صاحبة الاختصاص، التي يتوجب عليها النظر فيها ومتابعتها.

 

[65]         مثلاً، المادة ( 203/5) إماراتي، والمادة (253/2) عراقي.  وعبّر عن ذلك القانون البحريني، بالقول أن الدفع يكون "في صورة دفع بعدم سماع الدعوى" (المادة 236)، والقانون العراقي اعتبر أن الدعوى القضائية في هذا الوضع، تكون "مستأخرة حتى صدور قرار التحكيم" (المادة 253/3)، والقانون القطري، اعتبر الدفع من قبيل "الدفع بعدم قبول الدعوى" (المادة 192). وفي الإمارات يشير التطبيق القضائي، إلى أنه أيضاً دفع بعدم قبول الدعوى (مثلاً المحكمة الاتحادية العليا، طعن 225، السنة 23 ق، في 3/7/2003، سنة 25، ص 1421).

 

[66]        تمييز دبي، طعن 112 ، تاريخ 16/7/2001 ، عدد 12، ص541.

 

[67]       المادة (55) من قانون الإجراءات المدنية.

 

[68]       وقد فسر القضاء في دبي عبارة "جاز نظر الدعوى" الواردة في المادة (203/5) من القانون، بأنها تعني أن نظر الدعوى أمام المحكمة، يصبح صحيحاً ولازماً ويعتبر شرط التحكيم لاغياً (طعن 167، تاريخ 2/6/2002، عدد 13، ص486 ؛ ورقم 103/2004 تاريخ 20/3/2005).

 

[69]         ولكن قضت محكمة النقض السورية، بأنه ليس للمحكمة أن تتخذ إجراءات وأن تقوم بالحجز، إذا كانت الدعوى خارجة عن اختصاصها لاتفاق الطرفين على التحكيم. أما إذا كانت الدعوى عندها ثم جرى التحكيم، فلها أن تتخذ التدابير الوقتية (طعن 1105/756، تاريخ 2/5/1965، ضاحي وبدر، ج1، رقم 1103).

 

[70]       انظر حمزة أحمد حداد، ما سبق، فقرة 244.

 

[71]        مثلاً، المادة (273) معاملات مدنية إماراتي، والمادة (145) بحريني، والمادة (160) مدني سوري، والمادة (187) مدني قطري.

 

[72]         أنظر تفصيلاً، حمزة أحمد حداد، ما سبق،  فقرات 292- 298/2.

 

[73]       أنظر أيضاً ما سبق فقرة 38 – 44 ، وخاصة فقرة 39، وكذلك فقرة 671، لاحقاً.

 

[74]        تمييز دبي طعن 502، في 22/3/2003، عدد 14، ص 331.

 

[75]        الحكم الصادر في 17/3/2002، والحكم في 17/2/2003 (الآلوسي، القاعدة 12، والقاعدة 29).  ولكن في أحكام قديمة نسبياً، ذهبت المحكمة إلى أن بطلان حكم التحكيم، أو عدم إعطائه صيغة التنفيذ، لا يستتبع بطلان اتفاق التحكيم ذاته، ما لم يبطل بالوجه القانوني أو بعدول ذوي العلاقة عنه (طعن 255، في 15/4/1964، الاستانبولي، رقم 1692؛ أيضاً رقم 249/255، ضاحي وبدر، ج1، رقم 1162).

 

[76]      وعندما كنت رئيساً للجنة إعداد مشروع قانون التحكيم الأردني، الذي صدر فيما بعد برقم 31/2001، كنت قد اقترحت ذلك على اللجنة التي وافقت عليه، وتضمن القانون نصاً من هذا القبيل، يقول بأن بطلان حكم التحكيم يؤدي إلى سقوط اتفاق التحكيم (المادة 51).