اتفاق
التحكيم في قانون التحكيم السوري الجديد
(رقم
4/2008)
1/1
بتاريخ 25/3/2008، صدر قانون التحكيم السوري رقم 4 لسنة 2008،
الخاص بالتحكيم في المنازعات المدنية والاقتصادية والتجارية، على أن يسري
اعتباراً من أول الشهر الذي يلي تاريخ نشره في الجريدة الرسمية().
ويتكون القانون من ستة وستين مادة، موزعة على تسعة فصول، تعالج مختلف
مواضيع التحكيم، بدءاً من اتفاق التحكيم وانتهاءً بأحكام التحكيم، مروراً
بهيئة التحكيم، فإجراءات التحكيم، بما في ذلك الطعن بأحكام التحكيم، وحجية
هذه الأحكام وتنفيذها. كما تضمن القانون، فصلاً أولياًَ للأحكام العام،
وآخر لمراكز التحكيم، وفصلاً ختامياً للأحكام المتفرقة.
1/2
وكان التحكيم في سوريا، يخضع للمواد (506 – 534) من قانون أصول
المحاكمات، الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 84 لسنة 1953 (وتعديلاته)، التي
تم إلغاؤها بموجب المادة (64) من القانون الجديد.
1/3
ويعتبر القانون الجديد، طفرة نوعية في التشريع التحكيمي في سوريا،
راعى فيه المشرع أحدث التوجهات في التحكيم، وأخذ بالاعتبار قوانين التحكيم
الحديثة، وخاصة القانون النموذجي لسنة 1985، الذي تم إعداده من قبل لجنة
الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية (اليونسيترال)، والذي يعتبر مصدراً
هاماً وأساسياً لقوانين التحكيم الحديثة، ومن ضمنها قوانين التحكيم
العربية، مثل مصر وعُمان وفلسطين والأردن والسودان.
1/4
وبمراجعة سريعة لقانون التحكيم الجديد، يمكن القول بأنه يتضمن أحكاماً
مشابهة لقواعد التحكيم السابقة، وأخرى مخالفة له، وثالثة جديدة لم تكن
معروفة في القواعد السابقة. ونشير فيما يلي لبعض النقاط الخاصة بهذه
المسائل الثلاث بالنسبة لاتفاق التحكيم فحسب. وإشارتنا في هذا
البحث للقانون القديم أو الجديد أو كليهما معاً، إنما تعني
المواد (506 – 534) من قانون أصول المحاكمات الصادر سنة 1953 (بالنسبة
للقديم)، وقانون التحكيم رقم 4 لسنة 2008 (بالنسبة للجديد). وتجدر الإشارة
هنا، إلى أن هذه الدراسة تتضمن، بوجه عام، الأفكار الأساسية بالبحث
في اتفاق التحكيم.
2-
التحكيم
الاتفاقي
2/1
يتفق القانونان بأن التحكيم الذي يخضع لأي منهما، كقاعدة عامة، هو
التحكيم المعتمد على اتفاق أطراف النزاع، أي الذي يستند لاتفاق تحكيم مسبق،
ينص على إحالة النزاع للتحكيم، بدلاً من القضاء. وهذا نجده بشكل خاص في
المادة (506) من القانون القديم، التي تنص على أنه: "1- يجوز
للمتعاقدين أن يشترطوا بصفة عامة عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ
عقد معين على محكم واحد أو أكثر؛ 2- يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين
وبشروط خاصة". وبالنسبة للقانون الجديد، تعرف المادة (1) منه
التحكيم بأنه " أسلوب اتفاقي قانوني لحل النزاع بدلاً من القضاء، سواء
كانت الجهة التي ستتولى إجراءات التحكيم بمقتضى اتفاق الطرفين، منظمة أو
مركزاً دائماً للتحكيم أم لم تكن كذلك".
2/2
ويعني ذلك، بأن كلا من القانون القديم والقانون الجديد يطبق فقط على
التحكيم الاتفاقي، أي حيث يتفق أطراف النزاع على اللجوء للتحكيم لتسوية
نزاعهم بدلاً من القضاء. وظاهر النصوص يدل على عدم سريانها على التحكيم
الذي لا يكون مصدره اتفاق الطرفين مباشرة. ومثال ذلك التحكيم الذي يكون
مصدره اتفاقية دولية، مثل اتفاقيات الاستثمار الثنائية بين الدول، التي
عادة ما تعطي للمستثمر من دولة متعاقدة، الذي استثمر ماله في دولة متعاقدة
أخرى، حق اللجوء للتحكيم في حال نزاعه مع إحدى سلطات الدولة الأخيرة، حسب
الشروط والأحكام المبينة في تلك الاتفاقيات.
2/3
ومع ذلك، وباعتبارها قواعد عامة في التحكيم، نرى تطبيق أحكام التحكيم في
القانون السوري، حتى على التحكيم غير الاتفاقي، بشرطين: الأول- أن
تتوفر الشروط الأخرى في تطبيق القانون، وهي أن يتعلق التحكيم بنزاع مدني أو
تجاري (أو اقتصادي بوجه عام) كما سنشير بعد قليل، وأن يكون مكان التحكيم في
سوريا().
ومثال ذلك، أن تكون هناك اتفاقية استثمار بين الأردن وسوريا، تنص على
التحكيم لتسوية أي نزاع بين المستثمر الأردني والحكومة السورية، ناجم عن
الاستثمار، ويقع النزاع بين الطرفين، ويجري التحكيم على الأراضي السورية.
في هذا المثال، تطبق قواعد التحكيم في القانون السوري، على ذلك النزاع،
بالرغم من أن التحكيم ليس اتفاقياً. الثاني- أن لا تنص الاتفاقية
الدولية على قواعد خاصة للتحكيم، مما يعني بالضرورة استبعاد قواعد التحكيم
الوطنية، وتطبيق تلك القواعد الخاصة.
3-
طبيعة
المنازعات
3/1
يتفق القانونان بأن النزاع الذي يجوز إخضاعه للتحكيم وبالتالي
للقواعد المنظمة له في هذا القانون أو ذاك، هو النزاع المدني أو
التجاري بالمعنى الواسع، الذي يشمل كافة المنازعات المالية في إطار القانون
الخاص، بالإضافة لمنازعات العقود الإدارية. ولكن، بالنسبة للأخيرة، يجب
مراعاة القواعد الخاصة بها، مثل ما نصت عليه المادة (66) من نظام العقود
الصادر بالقانون رقم 51 لسنة 2002()،
والتي أحالت لها صراحة المادة (2/2) من القانون الجديد. وبمعنى
آخر، لو نشب بين (أ) و(ب) نزاع مدني أو تجاري، أو نزاع يتعلق بعقد إداري،
وتمت إحالته للتحكيم، فإن هذا التحكيم فيما يتعلق بالاتفاق عليه، وإجراءاته
بما في ذلك تشكيل هيئة التحكيم، وحكم التحكيم، يخضع للقواعد المنصوص عليها
في قانون التحكيم، وذلك دون إخلال بالقواعد الخاصة بالعقود الإدارية().
4-
النزاع
المستقبلي والنزاع الحالّ
أولاً:
التفرقة بين الشرط والمشارطة (الصك)
4/1
يتبين من المادة (506)
من القانون القديم، بأنه يجوز إحالة النزاع للتحكيم سواء كانت هذه الإحالة
تتعلق بنزاع مستقبلي محتمل الوقوع، وهو ما يطلق عليه بشرط التحكيم، أو
بنزاع واقع فعلاً ويتم ذلك عادة بما يسمى بمشارطة أو صك التحكيم، وهو ما
أكده التطبيق القضائي([5]).
وجاء القانون
الجديد ونص على ذلك صراحة بالقول في المادة (7/1) منه بأنه " يجوز
الاتفاق على التحكيم عند التعاقد وقبل قيام النزاع سواء أكان الاتفاق
مستقلاً بذاته أم ورد في عقد معين بشأن كل أو بعض المنازعات التي قد تنشأ
بين الطرفين وفي هذه الحالة يجب أن يحدد موضوع النزاع في بيان الدعوى
المشار إليه في المادة 27 من هذا القانون".
4/2
وبالنسبة للنزاع الحالّ، نصت المادة (510) من القانون القديم على
أنه "يجب أن يحدد موضوع النزاع في صك التحكيم أو أثناء المرافعة
ولو كان المحكمون مفوضين بالصلح، وإلا كان التحكيم باطلاً". والحكم
المقابل لهذا النص، هو الشطر الثاني من المادة (7/1) من القانون الجديد،
وتقضي بأنه "كما يجوز الاتفاق على التحكيم بصورة لاحقة لقيام النزاع ولو
كان هذا النزاع معروضاً على القضاء للفصل فيه. وفي هذه الحالة يجب أن يحدد
الاتفاق المسائل التي يشملها التحكيم وإلا كان الاتفاق باطلاً". وهذا
الحكم في القانون الجديد مماثل للنص القديم من جانب ومخالف له من
جانب آخر.
4/3
فهو مماثل له من حيث أنه يجب تحديد موضوع النزاع في مشارطة أو صك
التحكيم تحت طائلة البطلان. إلا أن البطلان في القانون السابق، يصيب
العملية التحكيمية وليس اتفاق التحكيم الذي يبقى صحيحاً، ولكنه ينقصه تحديد
موضوع النزاع. وهذا النقص، يمكن تكملته أثناء المرافعة أمام هيئة
التحكيم. وبمعنى آخر، يكون اتفاق (صك) التحكيم صحيحاً، حتى لو لم يحدد
موضوع النزاع. فإذا تم
تحديد
هذا الموضوع أثناء المرافعة، فذلك يكفي ولا يؤثر على الاتفاق ذاته. ولو
فرضنا جدلاً أنه تمت المرافعة دون تحديد موضوع النزاع، وهذا غير وارد
عملاً، وصدر حكم التحكيم، تكون العملية التحكيمية ذاتها باطلة ويبقى
الاتفاق صحيحاً. وعندئذٍ، لا بد من تكملة النقص باتفاق التحكيم ذاته أو
بمرافعة تحكيمية جديدة.
4/4
أما الذي يبطل في القانون الجديد، فإنه اتفاق التحكيم ذاته، ولا
يصحّح هذا البطلان في وقت لاحق بتحديد موضوع النزاع أثناء المرافعة أمام
هيئة التحكيم. فلو فرضنا أنه نشأ نزاع بين (أ) و(ب) حول نوعية البضاعة
المسلمة من أحدهما للآخر، واتفقا على إحالة النزاع للتحكيم (بعد نشوب هذا
النزاع)، يجب أن يحدد في اتفاق التحكيم موضوع النزاع من حيث أنه يتعلق،
مثلاً، ببضاعة بموجب عقد البيع بين (أ) و(ب)، يدعي (أ) أن هذه البضاعة
معيبة وما إلى ذلك. فإذا لم يتم تحديد الموضوع على هذا النحو، يكون
الاتفاق باطلاً في القانون الجديد، في حين يكون صحيحاً في
القانون القديم، حيث يجوز عندئذ تحديد الموضوع، مثلاً، ببيان الدعوى
التحكيمية التي يقدمها (أ) ضد (ب).
4/5
ووجوب تحديد موضوع النزاع مقتصر على مشارطة (صك) التحكيم، ولا يشمل ذلك شرط
التحكيم ما دام أن هذا الشرط، كما ذكرنا، يتعلق بنزاعات مستقبلية محتملة
وغير معروفة مسبقاً، وبالتالي يستحيل تحديد هذه المنازعات في شرط التحكيم
قبل وقوعها.
4/6
والنص في القانون السابق منتقد. إذ من البدهي تحديد موضوع النزاع أثناء
المرافعة أمام هيئة التحكيم. فمن غير المعقول أن يتقدم أحد الطرفين بدعوى
تحكيمية دون تحديد موضوع النزاع، كما أنه من غير الممكن أن تنظر الهيئة في
نزاع وتفصل فيه، دون أن يكون هذا النزاع محدداً وواضحاً أمامها، وإلا كانت
العملية التحكيمية باطلة دون حاجة لنص. أما لو تضمنت مشارطة (صك) التحكيم
تحديد النزاع، فإن ما سيبيـّنه الطرفان أثناء المرافعة، ما هو إلا طرح
وتفصيل لهذا النزاع الذي سبق وتم تحديده.
4/7
ويبدو أن السبب الظاهر
في التفرقة بين شرط ومشارطة التحكيم على النحو المذكور، يرجع إلى أن شرط
التحكيم، كما أسلفنا، يتعلق بنزاع احتمالي بالنسبة للمستقبل، وقد لا يقع
مطلقاً. وما دام الأمر كذلك، فإنه يصعب إن لم يكن من المستحيل تحديد موضوع
النزاع في شرط التحكيم، وهذا
بخلاف
مشارطة (صك) التحكيم. فهي تفترض دوماً وقوع النزاع، وقد وقع النزاع فعلاً،
والطرفان يرغبان بإحالته للتحكيم. وترتيباً على ذلك، نص كل من القانون
القديم والقانون الجديد على تحديد موضوع النزاع في المشارطة
(الصك) بعد أن أصبح هذا النزاع معروفاً للطرفين، وتحددت معالمه لهما.
ثانياً:
نقد
التفرقة
4/8 إلا أننا لا نرى
مبرراً مقبولاً لهذه التفرقة، وخاصة في مجال التجارة الدولية. فهذه التفرقة
تقليدية، وترجع لعشرات السنين إلى الوراء، حيث كان ينظر للتحكيم نظرة
الريبة وعدم الاطمئنان بالمقارنة مع القضاء، فكان لا بد من التضييق عليه ما
أمكن([6]). ومن أوجه ذلك،
النص على ضرورة
تحديد موضوع
النزاع، إذا كان الاتفاق لاحقاً على نشوب النزاع، وإلا كان الاتفاق باطلاً.
أما في الوقت الحاضر، فقد أصبح اللجوء إلى التحكيم طريقة مألوفة ومرغوبة في
تسوية المنازعات التجارية، بل هو الأصل وليس الاستثناء في عقود التجارة
الدولية().
4/9
وبناءً عليه، نرى بأنه كان من الأفضل عدم التفرقة بين شرط ومشارطة التحكيم،
وإعطائهما حكماً واحداً من هذه الناحية، أي جواز مشارطة التحكيم حتى لو لم
يحدد موضوع النزاع فيها. ومثال ذلك، أن يكون العقد عقد بيع لا يتضمن شرط
تحكيم، فيطالب البائع المشتري بالثمن وينازعه المشتري في ذلك، ويتفق
الطرفان على إحالة النزاع الخاص بالثمن من جانب، وأي نزاع آخر يتعلق بعقد
البيع مهما كانت ماهيته من جانب آخر، إلى التحكيم حتى ولو لم تتحدد معالم
النزاع أو النزاعات الأخرى في المشارطة. في هذا الفرض، لا نرى مبرراً
عملياً للقول ببطلان الاتفاق على التحكيم لأنه لم يتحدد موضوعه، في حين
يجوز ذلك بصورة مطلقة في شرط التحكيم().
4/10
أما وقد وجد النص
القانوني الذي يفرض تحديد موضوع النزاع في مشارطة التحكيم، فإننا نرى تفسير
هذه العبارة وأي عبارة أخرى شبيهة، تفسيراً واسعاً لصالح التحكيم، بحيث
تشمل الإحالة للتحكيم أي إشارة للنزاع في الاتفاق ولو كانت عامة. فالمشتري
في عقد البيع مثلاً، قد ينازع البائع في
مواصفات
البضاعة. ويتفقان على إحالة هذا النزاع إلى التحكيم. وينص الاتفاق كذلك على
حق كل من الطرفين، أن يعرض أيضاً على التحكيم، أي نزاع أو مطالبة أخرى
ناجمة عن البيع. أو لا ينص الاتفاق على إحالة النزاع حول البضاعة تحديداً
إلى التحكيم، وإنما على إحالة كافة المنازعات الخاصة بعقد البيع للتحكيم.
في هذه الأحوال، نرى صحة الاتفاق على التحكيم، لأن موضوعه إحالة منازعات
عقد معين للتحكيم معروف للطرفين، بما يفي بالغرض من النص.
4/11 وأبعد من ذلك يمكن، كما
نرى، التخفيف من النقد الذي يوجه للقانون الجديد، بحصر بطلان اتفاق التحكيم
فقط، على الحالة التي يكون فيها النزاع معروضاً على القضاء دون الحالات
الأخرى. ففي
هذه
الحالة دون غيرها، يجب تحديد موضوع النزاع تحت طائلة البطلان. والنص في
القانون الجديد يسعف في ذلك.
5-
كتابة الاتفاق
5/1 يتفق القانون الجديد
مع القانون القديم من حيث أن اتفاق التحكيم يجب أن يكون مكتوباً، ولكنهما
يختلفان حول طبيعة هذه الكتابة. فالمادة (509) من القانون القديم، تقضي
بأنه "لا يثبت التحكيم إلا
بالكتابة". ويقصد بالتحكيم هنا اتفاق التحكيم. وعلى ذلك، فإن الكتابة هي
للإثبات وليس لانعقاد اتفاق التحكيم ذاته. ولكن من المهم ملاحظة أنه لا
يجوز إثبات الاتفاق عن غير طريق الكتابة، حتى لو كان ذلك بالإقرار أو
اليمين الحاسمة، خلافاً للقواعد العامة في الإثبات، وهو ما أكده الاجتهاد
القضائي([9]).
أما القانون الجديد، فإن اشتراط الكتابة في اتفاق التحكيم، هي لانعقاد
الاتفاق تحت طائلة بطلان الاتفاق ذاته في حال عدم كتابته، ولا يجوز الادعاء
بغير ذلك.
5/2 ويلاحظ على القانون
الجديد أنه توسع بمفهوم الكتابة صراحة، بحيث يشمل كافة وسائل
الاتصال الحديثة التي يتم التعبير من خلالها كتابة. ويشمل ذلك، على سبيل
المثال، البريد الالكتروني والفاكس والتلكس، وهو ما نص عليه القانون
الجديد صراحة في المادة (8) منه. ويشمل ذلك، كما نرى، الاتصال
بالرسائل عن طريق الهاتف الجوال. المهم في ذلك، إمكانية استخلاص الاتفاق
خطياً، سواءً طبع المرسل رسالته على الجهاز طباعة أو كتبها بخط اليد، أو
لقـّنها للجهاز بصوته الذي يقوم بتحويل الأصوات إلى كتابة. ويستوي في
الشخص المستقبل للرسالة الخطية، أن يكون قد استخلصها فعلاً من جهازه أو
قرأها وأبقاها فيه. ويجب التأكيد هنا أن ما ذكره المشرع من ثلاث وسائل
للاتصال (البريد الالكتروني والفاكس والتلكس) ليس على سبيل الحصر، وإنما
على سبيل المثال.
6-
الأهلية
6/1 يتفق القانونان بأنه
لا يجوز الاتفاق على التحكيم إلا للشخص الذي يملك أهلية التصرف في حقوقه.
ويشمل ذلك الشخص الطبيعي والاعتباري وفق صراحة المادة (9/1) من القانون
الجديد. ونرى بأن
يفسر
النص بحيث يقتصر على عدم إمكانية التصرف بالحق موضوع النزاع، وليس كل
الحقوق الأخرى. وبمعنى آخر، قد يكون الشخص أهلاً للتصرف بحقوق معينة، ولكن
ليس له أهلية التصرف بحقوق أخرى. في هذه الحالة، يكون الاتفاق على
التحكيم موضوع القسم الأول من الحقوق صحيحاً، بالرغم من أن الشخص ليس له
التصرف بالقسم الثاني من الحقوق، في حين يكون الاتفاق باطلاً بالنسبة للقسم
الثاني، بالرغم من أن الشخص يملك التصرف بحقوق القسم الأول. ومثال
ذلك، أن الدولة، كشخص اعتباري عام، ليس لها أهلية التصرف بالأموال العامة
المخصصة للمنفعة العامة().
مثل الطرقات والحدائق، وليس لها بالتالي الاتفاق على إحالة المنازعات
المتعلقة بهذه الأموال للتحكيم. ولكن القانون أجاز للدولة إبرام عقود
(إدارية) في إطار القانون الخاص، مثل البيع والمقاولة والإجارة، والتصرف في
حقوقها الناجمة عن مثل هذه العقود، في حدود ما ينص عليه القانون.
في هذه الحالة، يجوز لها إحالة المنازعات الناجمة عن هذه العقود للتحكيم،
أيضاً وفق الشروط المنصوص عليها قانوناً().
6/2
ومن جانب آخر، نرى بأن المقصود بالأهلية هنا أهلية التصرف الكاملة، ويشمل
ذلك، بالنسبة لسن الشخص الطبيعي، بلوغه سن الرشد، بحيث يستطيع
التصرف بماله بالطريقة التي يراها مناسبة، سواءً كان ذلك بعوض أو بغير
عوض. ويترتب على ذلك القول، بأنه لا يجوز اللجوء للتحكيم في المنازعات
التي يكون ناقص الأهلية طرفاً فيها، سواءً أبرم اتفاق التحكيم معه مباشرة
أو مع وليه أو وصيه أو القيم عليه، ما لم يوجد نص خاص يقضي بغير ذلك صراحة،
بالشروط التي يحددها مثل هذا النص().
6/3
ومن جانب
ثالث، فإن الحكم بعدم صحة اتفاق التحكيم الذي يكون أحد طرفيه ناقص الأهلية،
إنما شرع لمصلحته وليس للمصلحة العامة، ولا لمصلحة المتعاقد الآخر، مما
يعني عدم بطلان اتفاق التحكيم المبرم مع ناقص الأهلية بصورة مطلقة، وإنما
يكون الاتفاق قابلاً للإبطال لصالحه. ويعني ذلك، أنه
يجوز له
بعد بلوغه سن الرشد إما إبطال الاتفاق أو إجازته. وما دام أن البطلان شرع
لمصلحته فقط، فليس للمتعاقد الآخر التمسك به، وهو ما تؤكده أحكام القضاء
العربي المقارن().
ويمكن تطبيق المبدأ ذاته بالنسبة للمفوض عن الشخص الاعتباري، والقول بأن
عدم جواز إبرام اتفاق التحكيم من شخص طبيعي غير مفوض عن الشخص الاعتباري،
إنما شرع لمصلحة الشخص الاعتباري، فيكون البطلان نسبياً وليس مطلقاً، يجوز
له بمقتضى ذلك التمسك به، وليس للمتعاقد الآخر مثل هذا الأمر.
6/4 وأخيراً، فإن أهلية الشخص
الطبيعي حسب ما نص عليه القانون الجديد صراحة، تكون وفقاً للقانون الذي
يحكم هذه الأهلية، وهو قانون الدولة التي ينتمي إليها ذلك الشخص بجنسيته([14])،
كما أن العبرة بالأهلية هي وقت إبرام اتفاق التحكيم وليس قبله أو بعده([15])
ما دام أن الأهلية قد تتأثر من وقت
لآخر.
فالشخص قد يكون ناقص الأهلية قبل الاتفاق، وعند إبرام هذا الاتفاق يكون
كامل الأهلية، ليعود ويصبح ناقص الأهلية بعد ذلك. في هذه الحالة، يكون
الاتفاق صحيحاً ونافذاً بحقه، ولا يجوز له بالتالي، التمسك بنقص أو حتى
انعدام أهليته السابق أو اللاحق على إبرام اتفاق التحكيم.
7- مسائل
غير قابلة للتحكيم
أولاً:
المبدأ العام
7/1
يتفق القانونان على أنه لا يجوز التحكيم في المسائل التالية():
أ:
المسائل التي لا يجوز فيها الصلح.
ب:
مسائل
الجنسية.
ج:
مسائل الأحوال الشخصية.
ويضيف
القانون الجديد إلى ذلك المسائل المخالفة للنظام العام.
7/2
ومن أمثلة المسائل المتعلقة بالجنسية، شروط اكتساب الجنسية وآثارها وسحبها
أو سقوطها. ومن أمثلة الأحوال الشخصية، أحكام الزواج والطلاق والنسب
والوصية. وكلا النوعين من المسائل، لا يجوز فيها الصلح أصلاً لتعلقها
بالنظام العام، وبالتالي فإنها تندرج تحت الحالة الأولى، أو تحت حالة
النظام العام المنصوص عليها صراحة في القانون الجديد. وأبعد من ذلك،
فإن مسائل الجنسية والأحوال الشخصية ليست حقوقاً مالية، في حين أن نطاق
تطبيق القانون محصور في الحقوق المالية عموماً()،
مما يعني عدم جواز التحكيم فيها لهذا السبب أيضاً، دون حاجة لنص صريح
عليها. ولكن إذا كان الحق المالي غير قابل للصلح، والمرجع في ذلك أحكام
القانون، فلا يجوز التحكيم بشأنه، مثل الأموال العامة المخصصة
لمنفعة عامة، والحصص الإرثية، والرسوم التي تستوفيها النقابات من المنتسبين
إليها، وحق الامتياز العام للدائن على جميع أموال مدينه، وحقوق الامتياز
للضرائب والرسوم المستحقة للدولة، والحق بطلب بطلان العقد، والحجز التحفظي
أو التنفيذي على مال لا يجوز الحجز عليه.
7/3
وبالرغم من عدم النص
في القانون القديم على عدم جواز التحكيم في المسائل المخالفة للنظام العام،
إلا أن ذلك مطبق فيه ما دام أن النظام العام هو الضابط الأساس لكل التصرفات
القانونية، بحيث تؤدي مخالفته إلى بطلان التصرف، دون حاجة لنص خاص به.
ويترتب على ذلك القول، أنه إذا وجدت حالة لا يجوز فيها اللجوء للتحكيم،
ولكنها لا تندرج تحت مسائل الأحوال الشخصية أو الجنسية أو
المسائل
التي لا يجوز فيها الصلح، يمكن للقضاء اللجوء لفكرة النظام العام لإبطال
اتفاق التحكيم. وهي فكرة عامة ومطاطة، تمكـّن القضاء من الحكم ببطلان أو
عدم بطلان اتفاق التحكيم، وذلك تحت باب الاجتهاد والتفسير، بالتوسعة أو
التضييق من مفهومها حسب الحاجة، وحسب الحالة المعروضة وظروفها.
ثانياً:
الاستثناء
7/4
والقانون الجديد يستثني من المسائل المشار إليها الآثار المالية
المترتبة عليها، حيث أجازت اللجوء للتحكيم بشأنها. ومثال ذلك، أنه لا يجوز
التحكيم بشأن حق الزوج بتطليق زوجته. ولكن متى قام بتطليقها، وحصل خلاف
بينهما حول حقوقها المالية المترتبة على هذا الطلاق، فإنه يجوز لهما إحالته
للتحكيم. وكذلك الأمر لو ارتكب شخص جريمة ضد آخر، فإنه لا يجوز التحكيم
بشأن هذه الجريمة، ولكن يجوز ذلك بشأن مطالبة المتضرر لمرتكب الجريمة،
بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به بسبب الجريمة. وهو ما كان يطبقه القضاء
في ظل القوانين السابقة، حيث قضي بأن التحكيم بشأن الحقوق الشخصية
التي تنشأ عن ارتكاب الجرائم، لا يخالف النظام العام بشيء، وذلك لأن هذه
الحقوق إنما هي من جملة الحقوق التي يملك أصحابها إسقاطها().
8- التحكيم
بالقانون والتحكيم بالصلح
أولاً:
بوجه عام
8/1
يتفق القانونان على جواز التحكيم بالصلح. وفي هذا الشأن، تقضي المادة (522)
من القانون القديم، بأن المحكم المفوض بالصلح معفى من التقيد بأصول
المرافعات وقواعد القانون. وتقضي المادة (38/4) من القانون الجديد،
بأنه إذا اتفق طرفا التحكيم صراحة على تفويض هيئة التحكيم بالصلح، جاز لها
أن تفصل النزاع على مقتضى قواعد العدالة والإنصاف، دون التقيد بأحكام
القانون. وبالنسبة للتقيد بقواعد أصول المرافعات، فإن القانون الجديد،
أعفى المحكم منها بوجه عام، سواء كان التحكيم بالقانون أو بالصلح().
8/2
والأصل في
التحكيم أنه تحكيم بالقانون، ما لم يتفق الطرفان صراحة على تفويض هيئة
التحكيم بالصلح. ولكن ليس بالضرورة أن تستخدم عبارة "الصلح" أو مشتقاتها في
الاتفاق، إذ يمكن استخدام
أي عبارة
أخرى تفيد التفويض بالصلح، بصورة واضحة لا غموض فيها، مثل إعفاء المحكم من
تطبيق القانون الموضوعي على النزاع، أو إعطائه الصلاحية بتسوية النزاع، وفق
قواعد العدالة، وحسب ما يميله عليه ضميره().
ثانياً:
المحكم بالقانون
8/3 والفرق الأساس بين كلا
النوعين من التحكيم، أن المحكم بالقانون، كالقاضي تماماً، يلتزم بتطبيق
القانون الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع. وعلى سبيل المثال، لو كان
الخلاف حول عقد بيع أحيل للتحكيم، وكان القانون السوري هو المطبق على
النزاع، يتوجب على هيئة التحكيم أن تفصل
النزاع
استناداً للأحكام القانونية الخاصة بالبيع في القانون السوري. مثلاً، تلزم
المشتري بدفع الثمن مع الفوائد، أو البائع بتسليم المبيع مع التعويض. وإذا
توفرت الشروط القانونية اللازمة لذلك، تقضي بفسخ العقد دون تعويض أو
بتعويض. وفي حالة الفسخ، تلزم كلا الطرفين بإعادة الحال إلى ما كان عليه
قبل العقد: البائع يعيد للمشتري الثمن أو جزء الثمن الذي قبضه، والمشتري
يعيد للبائع البضاعة التي تسلمها. فإذا استحال ذلك، يحكم بتعويض عادل. كل
ذلك حسب القواعد الموضوعية في القانون السوري، وليس للهيئة الخروج على هذه
القواعد وتطبيق قواعد العدالة، وإلا كان حكمها عرضة للطعن أمام القضاء. كما
أن المحكم بالقانون مقيـّد، بطبيعة الحال، باتفاق التحكيم وعدم تجاوزه.
ثالثاً:
المحكم بالصلح
(أ)
الإعفاء من تطبيق القانون الموضوعي
8/4
أما المحكم بالصلح، فإنه لا يتقيد بأحكام القانون الموضوعية، وإنما يصدر
حكمه وفقاً لقواعد العدالة وما يمليه عليه ضميره()،
على أن يكون الحكم منطقياً ومعقولاً، بعد الأخذ بالاعتبار لكافة الظروف
المحيطة بالقضية().
ومثال ذلك، أن يقضي المحكم ضد المحتكم ضده بأن يدفع كامل دين القرض المطالب
به، ولكن على أقساط، مع أن القانون يقضي بدفع المبلغ دفعة واحدة؛ أو يقضي
القانـون بوجوب التنفـيذ العيني إذا توفرت شروطه، ولكن يجد المحكم أن من
الإنصاف الحكم بالتعويض بدلاً من التنفيذ العيني؛ أو يرفض المحكم الدفع
بالتقادم خلافاً للقانون، أو يقبل المقاصة في الحالات التي لا تتوفر فيها
الشروط القانونية. ولكن المحكم بالصلح، مقيد في جميع الأحوال بقواعد
القانون الأساسية المتعلقة بالنظام العام، والتي لا يجوز الاتفاق على
خلافها أو التنازل عنها، مثل منع التعامل بتركة إنسان على قيد الحياة،
وقواعد الميراث والأحوال الشخصية().
8/5
وهذا لا يمنع من أن يحكم المحكم بالصلح وفقاً لقواعد القانون، إذا رأى أنها
تتماشى مع العدالة. فالتفويض بالصلح، يعني ببساطة أن من صلاحيات المحكم أن
لا يتقيد بحكم القانون، ولكن هذا لا يحرمه من صلاحية الحكم وفق أحكام
القانون، إذا وجد ذلك عادلاً ومنصفاً. ومثال ذلك، أن تكون نسبة الفائدة
القانونية
7%
كحد أقصى، ومع ذلك يقرر المحكم الحكم بـ
5%،
أو أن لا يحكم بفائدة إطلاقاً. وبالمقابل، يحق له أن يقضي بـ
7%
حسب القانون.
(ب)
خروج
المحكم بالصلح على أحكام العقد
8/6
وكذلك الأمر، فإن المحكم بالصلح له الخروج ليس على أحكام القانون فحسب، بل
على أحكام العقد الأصلي موضوع التحكيم أيضاً، وأن لا يتقيد بتنفيذه حرفياً.
وله في هذه الحالة، مثلاً، أن يخفف من بعض الالتزامات المفروضة على أحد
الطرفين، أو يزيد الحقوق المعطاة للآخر. فنسبة الفائدة الاتفاقية قد تكون
5%،
ولكن يرى المحكم زيادة هذه النسبة أو إنقاصها عدالة؛ أو ينص العقد على وجوب
التنفيذ العيني، فيقرر المحكم الحكم بالتعويض الذي يغطي كامل خسارة
الدائن، بدلاً من التنفيذ؛ أو يقضي العقد بوجوب توجيه إنذار عدلي للمدين
قبل مطالبة الدائن بالدين، فيقبل المحكم المطالبة بالرغم من عدم وجود إنذار
عدلي، ويلزم المدين بوجوب دفع الدين.
8/7
إلا أن المحكم بالصلح مقيد بقاعدة أساسية، وهي عدم تعديل البنيان
الأساسي الذي يقوم عليه العقد().
فليس له تغيير العقد وتحويله إلى عقد آخر، بما يناقض ويقلب إرادة الأطراف
رأساً على عقب. ومثال ذلك، أن يكون العقد واضحاً من حيث كونه عقد بيع
بالتقسيط، فيقرر المحكم تحويله إلى عقد إيجار سلع، ويقرر أن ما دفع وسيدفع
من ثمن هو أجرة وليس ثمناً؛ أو يلزم المشتري تسليم سلع للبائع على سبيل
المقايضة، بدلاً من دفع ثمن البضاعة؛ أو بدلاً من أن يلزم مقاول البناء
بتسليم ما تبقى من أعمال يسيرة، يقرر المحكم فسخ عقد المقاولة بأثر رجعي،
بالرغم من تمسك الطرفين بالعقد وعدم مطالبة أي منهما بفسخه.
(ج)
التقيد
باتفاق التحكيم
8/8 وفي جميع الأحوال، فإن المحكم
بالصلح، مقيد بقيد أساسي هو عدم خروجه على اتفاق التحكيم الذي يستمد منه
سلطته، مثله مثل المحكم بالقانون([25]).
فلو كان الخلاف بين الطرفين حول مقدار التعويض الذي يستحقه أحدهما من
الآخر، ولا خلاف بينهما على مبدأ التعويض، واتفقا على إحالته للتحكيم،
فالمحكم بالصلح مقيد بالحكم بالتعويض، مع حقه بالخروج على مبادئ التعويض
المنصوص عليها في
القانون. فيجوز له، مثلاً، أن يحدد التعويض على أساس الخسارة المتحققة
فعلاً دون الربح
الفائت
أو العكس. وإذا كان القانون الواجب التطبيق يوجب الحكم بفائدة على التعويض
بنسبة معينة، فللمحكم المصالح أن يقضي بالتعويض دون فوائد، أو مع الفائدة
ولكن بنسبة مختلفة عن النسبة المحددة قانوناً. ولكن ليس له أن يحكم
بالتنفيذ العيني بدلاً من التعويض، أو يبحث فسخ العقد الذي ترتب عليه
الادعاء بالتعويض ليقرر عدم صحة الفسخ، وأن يرفض بالتالي الحكم بالتعويض.
فهذا كله خارج عن حدود المهمة المعطاة له باتفاق التحكيم، وهذا غير جائز.
8/9 كما أن المحكم بالصلح ملزم
باتباع قواعد الإجراءات المتفق عليها بين الفريقين، مثل مكان التحكيم ولغته
والمدة التي يتوجب عليه إصدار الحكم خلالها. ومخالفته لهذه الإجراءات تجعل
حكمه معيباً، مما قد يعرضه للطعن به، إذا توفرت الشروط القانونية اللازمة
لذلك.
9-
التحكيم
المؤسسي
9/1
لم يكن القانون القديم ينص على التحكيم المؤسسي، بخلاف القانون
الجديد الذي نص عليه صراحة في المادة (22/1) بقولها
"........ لطرفي التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي يتعين على هيئة
التحكيم اتباعها بما في ذلك حقهما في إخضاع هذه الإجراءات للقواعد النافذة
في أي منظمة أو مركز دائم في سورية أو خارجها". كما نصت عليه المادة
(1) بتعريف التحكيم بأنه "أسلوب اتفاقي قانوني لحل النزاع بدلاً من
القضاء سواء أكانت الجهة التي ستتولى إجراءات التحكيم بمقتضى اتفاق الطرفين
منظمة أو مركزاً دائماً للتحكيم أم لم تكن كذلك".
9/2
ويتبين من
هذين النصين أن التحكيم المؤسسي جائز، سواء كان التحكيم داخلياً (محلياً)
أو دولياً. وفي حال كونه محلياً، يجوز الإحالة لمؤسسة تحكيم خارجية لتسوية
النزاع. وهذا لا يعني بالطبع أن التحكيم سيجري خارج سوريا، إذ أن الإحالة
لمؤسسة تحكيم أجنبية، لا علاقة لها بمكان التحكيم. وهنا تجدر الإشارة إلى
أن قانون التحكيم الجديد، لا يسري إلا على التحكيم الذي يجري في سوريا،
أي
يكون
مكان التحكيم فيه سوريا، أو يكون التحكيم الذي يجري في الخارج تحكيما
تجارياً دولياً، واتفق طرفاه على إخضاعه لأحكام قانون التحكيم السوري().
وفي غير هاتين الحالتين، يكون التحكيم أجنبياً بالنسبة للقانون السوري،
يخضع حكم التحكيم الصادر بمقتضاه لقواعد تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية().
9/3
وعدم النص في القانون القديم على التحكيم المؤسسي، لا يعني أن هذا
القانون لا يجيزه، بل على العكس من ذلك، فإن القواعد العامة لا تمنع من
الاتفاق على التحكيم المؤسسي، ما دام أنه لا يخالف النظام العام في سوريا،
وهو ما أكدته محكمة النقض في ظل القانون السابق بقولها في أحد اجتهاداتها،
أن اشتراط إحالة النزاع إلى هيئة تحكيم أجنبية، لا يتنافى مع التشريع
السوري، وليس في اللجوء لهذه الهيئات ما يتنافى مع سيادة القانون السوري،
أو يخالف الأعراف التجارية والاتفاقيات الدولية().
9/4
ولكن قواعد
التحكيم لدى مؤسسة التحكيم، حتى لو كانت مؤسسة محلية، لا تسري على التحكيم
في حدود مخالفتها للنظام العام في الدولة. ومثال ذلك أن المواد (49-52) من
القانون الجديد، تجيز إبطال حكم التحكيم وفق شروط وأحكام معينة، من ضمنها
إعطاء الاختصاص بنظر دعوى البطلان، للقضاء السوري([29])،
كما نصت على عدم جواز النزول عن دعوى البطلان قبل صدور حكم
التحكيم.
وهذان الحكمان من النظام العام، لا يجوز لقواعد التحكيم لدى مؤسسة التحكيم
المعنيّة مخالفتهما، كالنص مثلاً على أن حكم التحكيم قطعي لا يخضع لأي طريق
من طرق الطعن، أو إعطاء الاختصاص بنظر طلب البطلان لمؤسسة التحكيم نفسها.
في مثل هذه الأحوال، تستبعد قواعد مؤسسة التحكيم في حدود المخالفة، لتحل
محلها قواعد القانون الوطني حكماً.
10-
الاتفاق
على التحكيم أمام المحكمة
10/1
تجيز المادة (7/1) من القانون الجديد، الاتفاق على التحكيم بشأن
نزاع معين، حتى لو كان النزاع معروضاً على المحكمة. ولا يوجد للنص بهذا
الشكل مقابل في القانون القديم، إلا أن المادة (529/2) منه تقضي
بأنه "إذا كان التحكيم وارداً على قضية ترى في محكمة الاستئناف
أودع حكم المحكمين ديوان هذه المحكمة". وهذا يعني جواز الاتفاق على
التحكيم أمام المحكمة، وهو ما أكده اجتهاد محكمة النقض في ظل قواعد التحكيم
السابقة().
10/2
وتفترض هذه المسألة، وجود نزاع بين طرفين لا يوجد بشأنه اتفاق تحكيم فيلجأ
الطرفان للقضاء لتسويته. وأثناء المحاكمة، يتفقان على اللجوء للتحكيم.
ويجوز أن يكون هذا الاتفاق أمام محكمة الدرجة الأولى أو أمام محكمة
الاستئناف. وكما نرى، إذا كانت الدعوى أمام محكمة النقض منظورة مرافعة، حيث
يجيز القانون ذلك، فيحق للأطراف الاتفاق على التحكيم أثناء المرافعة().
10/3
وبدون شك، فإن الاتفاق على التحكيم أمام المحكمة، جائز حتى لو لم يوقـّع
الخصوم على محضر المحاكمة، المتضمن قرار المحكمة إحالة النزاع للتحكيم بناء
على اتفاقهم. ويستوي أن يصدر قرار المحكمة بحضور أطراف النزاع أو غيابهم،
أو غياب أحدهم عن الجلسة التي صدر فيها، ما دام أن هذا القرار استند لاتفاق
الخصوم، وفق ما هو مثبت في محضر المحاكمة، الذي هو محضر رسمي لا يجوز الطعن
به إلا بالتزوير.
10/4
وحسب الفرق بين شرط ومشارطة التحكيم المشار إليه سابقاً()،
فإن الاتفاق على التحكيم حول نزاع مطروح على القضاء، هو نوع من المشارطة ما
دام أن الاتفاق تم بعد نشوب النزاع. وكما بينا سابقاً، يجب تحديد موضوع هذا
النزاع في الاتفاق. ولكن ليس بالضرورة تحديد ذات النزاع وتفصيلاته ثانية،
ما دام أنه معروض على المحكمة ومعروف للطرفين وللمحكمة أيضاً، بل تكفي
الإشارة في الاتفاق، إلى النزاع بما يفهم أن المقصود من ذلك، هو ذات النزاع
المنظور من قبل المحكمة، كالإشارة مثلاً إلى رقم القضية، أو القول بإحالة
النزاع المعروض على المحكمة إلى التحكيم، أو بإحالة جميع القضايا المدنية
(أو التجارية) بين الطرفين العالقة أمام محكمة أو محاكم معينة للتحكيم، أو
غير ذلك من عبارات بما ينفي الجهالة عن موضوع التحكيم.
10/5
ويترتب على الاتفاق على التحكيم أمام المحكمة نتيجة هامة، وهو واجب المحكمة
في هذه الحالة، كما يفترض، وقف السير بالدعوى إلى حين صدور حكم التحكيم()،
وليس ردها، بحيث يمكن إعادة فتح ملف القضية ثانية، إذا تعثر التحكيم لأي
سبب، لتبدأ المحاكمة مرة أخرى من النقطة التي وصلت إليها القضية عند وقف
السير فيها.
11-
استقلالية شرط التحكيم
11/1
تقضي المادة (11) من القانون الجديد بأنه "يعتبر
شرط التحكيم اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى ولا يترتب على انتهاء
العقد أو
بطلانه أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم متى كان هذا الشرط صحيحاً
في
ذاته ما لم يتفق الطرفان على غير ذلك".
ولا يوجد لهذا النص مقابل في القانون القديم، مما يعني تطبيق
القواعد العامة.
11/2
وهذا المبدأ، أي مبدأ استقلالية شرط التحكيم، يواجه الحالة التي يتضمن فيها
العقد الأصلي
شرط تحكيم، إلا أن هذا العقد باطل لأي سبب، أو تم فسخه باتفاق الطرفين أو
بإرادة منفردة حيث يجيز القانون ذلك، أو انفساخه نتيجة قوة قاهرة. وحسب
النظرية التقليدية، فإن شرط التحكيم تابع لهذا العقد، مما يعني أن انقضاء
العقد لأي سبب، يؤدي إلى سقوط وانتهاء هذا الشرط المتضمن في العقد. وعليه،
إذا حصل أي خلاف بين الطرفين حول العقد وآثاره المالية، فلا يحال إلى
التحكيم وإنما إلى القضاء، ما دام أن الشرط لم يعد موجوداً لأنه، كما تقول
القواعد الفقهية، التابع تابع لا يفرد في الحكم، وإذا سقط الأصل سقط الفرع().
11/3
ولكن خروجاً على هذا المبدأ التقليدي، أخذت قواعد قانون التجارة الدولية
بفكرة مغايرة تماماً، وهي بقاء شرط التحكيم قائماً وصحيحاً، ما دام أن
البطلان أو الفسخ أو أي سبب آخر من أسباب انقضاء العقد لم يلحقه بحد ذاته.
وفي هذه الحالة، تتم تسوية النزاعات الناشئة عن هذا العقد الأصلي بالتحكيم،
بالرغم من انقضاء العقد، وهو ما يسمى باستقلالية شرط التحكيم عن العقد الذي
ورد فيه هذا الشرط. وجاء القانون الجديد منسجماً مع هذا المبدأ
وأخذ به صراحة. ويتضح من هذا القانون، بأن استقلالية شرط التحكيم، لا تعتبر
من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافها، بمعنى أنه يجوز اتفاق الطرفين
على عدم استقلالية شرط التحكيم، وإنما تبعية الشرط للعقد الأصلي، بل يجوز
استخلاص مثل هذا الاتفاق ضمناً. وكما نرى، بأن مصطلح "شرط التحكيم" في
القانون الجديد لغايات الاستقلالية، لا يقتصر فقط على شرط التحكيم
بمفهومه الضيق، أي ذلك البند التعاقدي الوارد في العقد الأصلي، وإنما يشمل
أيضاً اتفاق التحكيم الذي يبرم كاتفاق منفصل عن العقد الأصلي لتسوية
النزاعات المستقبلية()،
وذلك لاتحاد العلة، وللمبررات التي سيقت للدفاع عن مبدأ استقلالية شرط
التحكيم().
11/4
واستقلالية شرط التحكيم، لا تعني أن هذا الشرط لا يمكن أن يبطل أو يكون
عرضة للفسخ أو الانقضاء عموماً، وإنما فقط لا يبطل أو يفسخ تبعاً لبطلان
العقد الأصلي أو فسخه. ولكن إذا لحق البطلان أو الفسخ شرط التحكيم بحد
ذاته، وليس بسبب تبعيته للعقد، فإنه يكون باطلاً أو مفسوخاً بصرف النظر عن
العقد الأصلي، حتى لو كان هذا العقد صحيحاً ونافذاً بحق طرفيه. ومثال ذلك،
عدم جواز الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز الصلح فيها، أو حيث
يكون أحد طرفي العقد الأصلي، بما يشمله من شرط تحكيم، عديم الأهلية عند
إبرام العقد، أو يتفق الطرفان على فسخ العقد مع النص صراحة على أن الفسخ
يشمل شرط التحكيم. في مثل هذه الفروض ومثيلاتها، يسقط شرط التحكيم لذاته،
وليس بسب تبعيته للعقد الأصلي. ويترتب على ذلك نتيجة هامة، وهي اختصاص
القضاء عندئذٍ بالفصل في موضوع النزاع، وليس هيئة التحكيم.
11/5
وتبرز أهمية الأخذ بمبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي، عند النظر
بدعوى بطلان حكم التحكيم بشكل خاص. فمن حالات بطلان الحكم في القانون
الجديد، صدور الحكم بناءً على اتفاق تحكيم باطل أو غير موجود بشكل عام
بصرف النظر عن سبب ذلك، وهو ما سنشير إليه بعد قليل. فلو دفع أحد
الطرفين أمام هيئة التحكيم، بعدم اختصاصها بفصل النزاع، لسقوط شرط التحكيم
تبعاً لبطلان العقد الأصلي مثلاً، فإن الهيئة سترفض هذا الدفع حتماً، إذا
كان القانون المطبق على اتفاق التحكيم، هو القانون السوري. وعندئذ، لن يكون
الحكم قابلاً للبطلان لهذا السبب. وهذا بعكس ما لو قلنا بأن إبطال العقد
الأصلي، يقتضي حكماً سقوط شرط التحكيم، في الدول التي لا تأخذ باستقلالية
الشرط. ففي هذه الحالة، يكون الحكم قابلاً للبطلان لعدم وجود اتفاق تحكيم
بالتبعية للعقد الأصلي، أي بسبب بطلان ذلك العقد.
12-
بطلان الحكم بسبب الاتفاق
12/1
حسب القانون الجديد، فإنه يجوز إبطال حكم التحكيم لعدة حالات منها
حالتان ترجعان لاتفاق التحكيم، وهما:
أ-
إذا لم يوجد اتفاق تحكيم أو كان هذا الاتفاق باطلاً أو سقط بانتهاء مدته.
ب-
إذا كان أحد طرفي اتفاق التحكيم وقت إبرامه فاقد الأهلية أو ناقصها وفقاً
للقانون الذي يحكم أهليته.
12/2
ولا يوجد لهذا النص مقابل في القانون القديم، الذي لم يعرف دعوى
بطلان حكم التحكيم أصلاً، وإنما كان يجيز استئنافه طبقاً للقواعد المقررة
من استئناف الأحكام القضائية عموماً، في حال توفر شروط وأحكام معينة تخرج
عن نطاق البحث().
12/3
وكما تقدم، فإن التحكيم في كلا القانونين القديم والجديد، يستند
أساساًً لوجود اتفاق تحكيم().
فإذا كان هذا الاتفاق باطلاً لأي سبب، فإن ذلك يؤدي إلى بطلان العملية
التحكيمية برمتها، بما فيها حكم التحكيم. ونرجع في بطلان الاتفاق للقواعد
العامة في بطلان العقود، وللقواعد الخاصة في التحكيم. ومن القواعد الخاصة،
بطلان الاتفاق إذا كان أحد طرفيه لا يملك حق التصرف بحقوقه، سواء كان شخصاً
طبيعياً أو شخصاً اعتبارياً. وقلنا فيما سبق، أن بطلان حكم التحكيم بسب نقص
أهلية الشخص الطبيعي، أو بسبب إبرام الاتفاق من شخص غير مفوّض بالنسبة
للشخص المعنوي، هو بطلان نسبي مقرر لمصلحتهما، فيجوز لأي منهما التنازل عنه
صراحة أو ضمناً، وفق الشروط والأحكام المنصوص عليها قانوناً. ويترتب على
ذلك أيضاً، أنه لا يجوز للطرف الآخر التمسك بالبطلان، ما دام من تقرر
البطلان لصالحه تنازل عنه().
12/4
وهناك حالة نص عليها قانون التحكيم الجديد، وهي حالة صدور حكم
التحكيم بالرغم من عدم وجود اتفاق تحكيم. وتفترض هذه الحالة، مثلاً، تقدم
أحد طرفي النزاع (أ) للتحكيم المؤسسي، عن طريق إحدى مؤسسات التحكيم، بالرغم
من عدم وجود اتفاق على التحكيم. فتقوم المؤسسة بتبليغ الطرف الآخر (ب)
بوجود تحكيم ضده، فلا يجيب (ب) على ذلك، أو يجيب بعدم الاختصاص لعدم وجود
اتفاق على التحكيم أصلاً. وبالرغم من ذلك، يجري التحكيم بغيبة (ب) ويصدر
الحكم ضده، أو بحضوره مع تأكيده على عدم اختصاص هيئة التحكيم بنظر النزاع.
في هذا الفرض، يكون الحكم قابلاً للإبطال.
12/5
ومن حالات قابلية الحكم للبطلان، حسب القانون الجديد، صدوره بناءً
على اتفاق تحكيم سقط لأي سبب بعد أن نشأ صحيحاً، مثل فسخه والتنازل عنه من
قبل الطرف الذي شرع الاتفاق لمصلحته. ومن تطبيقات هذه الحالة، سقوط
الاتفاق بسبب تجاوز الميعاد أو بانقضاء المهلة. ويشمل ذلك، كما نرى، فرضين:
الأول- أن يحدد الاتفاق مدة لبدء التحكيم إذا رغب أحد الطرفين
باللجوء له، بحيث إذا انقضت هذه المدة دون ذهاب للتحكيم، سقط حق الطرفين
بالتحكيم. الثاني- أن يحدد الاتفاق مهلة لصدور حكم التحكيم، وتنقضي
هذه المهلة، دون صدور الحكم. ويلحق بهذا الفرض، الحالة التي يتم فيها تحديد
المهلة بنص في القانون، إذا لم يتم تحديدها بالاتفاق، وكذلك أي مدة أصلية
يتم تمديدها وفق المادة (37) من القانون الجديد.
13-
الإحالة
لوثيقة تتضمن شرط تحكيم
13/1
تقضي المادة (7/2) من القانون الجديد بأنه "يعتبر اتفاقاً على
التحكيم كل إحالة ترد في العقد إلى وثيقة تتضمن شرط تحكيم إذا كانت الإحالة
واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد". ولا يوجد لها نص مقابل في
القانون القديم.
13/2
فشرط التحكيم قد لا يرد في العقد الأصلي، وإنما بوثيقة أخرى قد تكون عقداً
آخر أو غير ذلك، ولكن تكون هناك إحالة في العقد الأصلي لتلك الوثيقة بما
تتضمنه من شرط تحكيم، بقصد تطبيق أحكام تلك الوثيقة على العلاقة بين طرفي
العقد الأصلي، في كل ما لم ينص عليه هذا العقد. ولتوضيح هذه المسألة، نفترض
أن هنالك عقد نقل بين الناقل (أ) والشاحن (ب) لنقل بضاعة عن طريق البحر،
وتنص وثيقة الشحن على تطبيق عقد إجارة السفينة بين (أ) و(ج)، على العلاقة
بين (أ) و(ب) في كل ما هو غير منصوص عليه بوثيقة الشحن. وعادة لا تتضمن
وثيقة الشحن شرط تحكيم، في حين يتضمن عقد إجارة السفينة مثل هذا الشرط.
ومثال آخر يكثر تطبيقه في الحياة العملية، وهو إبرام عقد مقاولة فرعية (من
الباطن) بين المقاول الرئيسي (د)، والمقاول الفرعي (هـ) لا يتضمن شرط
تحكيم، وينص على تطبيق عقد المقاولة الرئيسي بين المقاول الرئيسي (د) وصاحب
العمل (ز) المتضمن لشرط تحكيم. والسؤال الذي يثور في هذين الفرضين، فيما
إذا كان شرط التحكيم بين (أ) و(ج) يسري على (ب) في المثال الأول، أو بين
(د) و (ز) يسري على (هـ) في المثال الثاني أم لا.
13/3
أجاب القانون الجديد على ذلك صراحة بالإيجاب، وفق ما هو مبين في
النص المشار إليه، ولكنه اشترط أن
تكون
الإشارة أو الإحالة لشرط التحكيم واضحة، بحيث يتبيـّنها الطرف الآخر في
العقد (الشاحن في عقد النقل، والمقاول من الباطن)، كالقول مثلاً في سند
الشحن، بتطبيق عقد إجارة السفينة بما يتضمنه من شرط تحكيم، أو أي عبارة
أخرى من هذا القبيل. وهذا هو التوجه في قوانين التحكيم الحديثة().
14-
العلاقات المعيّـنة
14/1
تعرف المادة (1) من القانون الجديد اتفاق التحكيم بأنه: "اتفاق
طرفي النزاع على اللجوء للتحكيم للفصل في كل أو بعض المنازعات التي نشأت أو
يمكن أن تنشأ بينهما بشأن علاقة قانونية معينة عقدية كانت أو غير عقدية".
ولا يوجد لهذا النص مقابل في القانون القديم.
14/2
وحسب النص المذكور، يجب أن ينشأ النزاع المالي المحال للتحكيم، عن علاقة أو
مجموعة علاقات محددة، سواءً ورد اتفاق التحكيم في صيغة شرط التحكيم، أو
مشارطة تحكيم، وإلا كان الاتفاق باطلاً. ومثال ذلك، أن تكون علاقة (أ) و(ب)
ناجمة عن عقد بيع واحد، أو يبرم (أ) مجموعة عقود بيع تتضمن توريد سلع
مختلفة لـ (ب)، فيتفقان بعد إبرام العقود، على أن أي نزاع ينشأ عن أي منها
تتم إحالته للتحكيم. وقد تكون العلاقة أو العلاقات غير محددة على هذا
النحو. ومثال ذلك أن يتفق (أ) مع (ب) مسبقاً على أن النزاعات الناشئة عن
أي عقد يبرمانه في المستقبل تحال للتحكيم، أو يحصران ذلك بطائفة من العقود
المستقبلية (مثل عقود البيع أو عقود المقاولة)، أو يتفقان على أن الأفعال
الضارة (الأعمال غير المشروعة) التي يلحقها أحدهما بالآخر في المستقبل تحال
للتحكيم. في هذه الأحوال، لا تكون لديهما علاقة أو مجموعة علاقات محددة،
وإنما مجموعة علاقات مستقبلية لم تنشأ بعد، مما يبعد عنها صفة التحديد.
وعلى ذلك، يمكن القول أن العلاقة المحددة، هي المعروفة للطرفين عند إبرام
اتفاق التحكيم. أما إذا كانت مجهولة، فيكون الاتفاق مرتبطاً بعلاقة أو
علاقات غير محددة، مما يؤدي إلى بطلان هذا الاتفاق وفق القواعد العامة،
وحسب النص في القانون الجديد.
14/3
ويعتبر من قبيل النزاع المحدد، النزاع المنظور أمام المحكمة في حال الاتفاق
على إحالته للتحكيم، وتدوين ذلك في محاضر المحاكمة كما سبق القول().
14/4
ولا يعني هذا القول، أن النزاع ذاته المتفق على تسويته تحكيماً، يجب أن
يكون معروفاً أو محدداً عند إبرام اتفاق التحكيم. إذ كما ذكرنا، لا خلاف
على أنه يجوز الاتفاق على التحكيم بالنسبة لنزاع مستقبلي محتمل، ربما لا
يقع بتاتاً(). بل أن أغلب النزاعات التي تحال إلى التحكيم عملاً، نجد أنها أحيلت
بموجب شرط تحكيم وارد في العقد ذاته موضوع العلاقة الأصلية. في هذه الحالة،
يكون النزاع غير معروف مسبقاً، ولكنه ناشئ عن علاقة محددة، هي العلاقة
التعاقدية بينهما الناجمة عن عقد معين.
14/5
وكما هو واضح من النص في القانون الجديد، فإن اتفاق التحكيم
جائز سواء كانت العلاقة القانونية الناجم عنها النزاع عقدية أو غير عقدية.
وبمعنى آخر، فإن موضوع النزاع ذاته يجب أن يكون المطالبة بـأي حق مالي في
إطار القانون الخاص، أي القانون المدني بالمعنى الواسع، بحيث يشمل
المنازعات التجارية بالمعنى الضيق، أو في إطار القانون التجاري بالمعنى
الواسع، بحيث يشمل ذلك المنازعات المدنية بالمفهوم الضيق().
وفي كلا الحالين، يشمل ذلك المنازعات المالية التي تكون الإدارة طرفاً
فيها، وبشكل خاص العقود الإدارية، وذلك ضمن النطاق وفي حدود الشروط التي
يتطلبها القانون لذلك. بل ويشمل أيضاً المنازعات السابقة على العقد،
مثل الخلاف على شروط العطاء، والمفاوضات العقدية وخطاب النوايا. بل نرى أنه
يجوز الاتفاق على التحكيم بين الإدارة والمتضرر من القرار الإداري الذي تم
سحبه، أو تم إلغاؤه قضائياً، حول التعويض عن الضرر الناجم عن ذلك القرار،
ما دام لم يصدر حكم قضائي قطعي بالتعويض.
14/6
وعلى ذلك، فإنه يجوز، كقاعدة عامة، الاتفاق على التحكيم في منازعات الحقوق
الشخصية (الالتزامات)، المترتبة عن مصدر من مصادر الالتزام في القانون
المدني. ويستوي في ذلك أن يكون مصدر الالتزام العقد، أو الإرادة المنفردة،
أو العمل غير المشروع()،
أو الإثراء بلا سبب، أو القانون. وفي الحياة العملية، فإن أغلب المنازعات
التي تحال إلى التحكيم، يكون مصدر الالتزام فيها العقد مباشرة بصرف النظر
عن طبيعة هذا العقد. ويشمل ذلك العقود المسماة وغير المسماة، ويشمل في
الأولى عقود التمليك، أي العقود الناقلة للملكية، وهي البيع والهبة والشركة
والقرض والصلح، وعقود المنفعة ومثالها الإجارة والإعارة، وبعض العقود
الواردة على العمل، ومن ضمنها عقود المقاولة والوكالة والإيداع (الوديعة)
والحراسة. ويشمل كذلك عقود الغرر، ومن ضمنها الرهان والمرتب مدى الحياة
والتأمين().
ويشمل أيضاً عقود التوثيقات الشخصية، وهي الكفالة والحوالة.
14/7
ومثال الإرادة المنفردة، أن تعلن إحدى الشركات عن جائزة لمن يجد لوحة فنية
مفقودة. ومثال العمل غير المشروع، ارتطام سفينتين داخل المياه الإقليمية
لسوريا، أو ارتطام سفينة بميناء طرطوس. ومثال الإثراء بلا سبب، أن يدفع
أحد الأشخاص مبلغاً من المال لشخص آخر، معتقداً أنه واجب بذمته، ويتبين له
غير ذلك. ومثال القانون، أن يفرض نص قانوني وجوب قيام الزوج بدفع مهر
لزوجته وفق أسس معينة دون بيان مقدار المهر. في هذه الأمثلة، إذا حصل نزاع
مالي بين أحد طرفي العلاقة القانونية حول حقوقه، أو مقدار هذه الحقوق في
مواجهة الآخر، فإنه يجوز لهما الاتفاق على إحالة هذا النزاع للتحكيم.
14/8
والحق المالي يشمل أي مطالبة مالية أجازها القانون المدني أو التجاري لأحد
طرفي العلاقة في مواجهة الآخر. وعلى سبيل المثال، يشمل ذلك في العقود،
المطالبة بالتنفيذ العيني، سواء بالقيام بعمل أو الامتناع عن عمل،
والمطالبة بالفسخ أو التعويض، أو باعتبار العقد مفسوخاً من تلقاء نفسه أو
منفسخاً بحكم القانون، وترتيب الآثار القانونية على أي من هذه الأوضاع،
وتفسير العقد. وفي الإرادة المنفردة، يشمل ذلك المطالبة بالجائزة التي تم
الوعد بها، أو التعويض عن عدم القيام بذلك. وفي العمل غير المشروع، يشمل
الحق المالي المطالبة بالتعويض النقدي عن الضرر، أو بإعادة الحال إلى ما
كان عليه، مثل إعادة المال المسروق لصاحبه، أو بأداء أمر معين متصل بالعمل
غير المشروع. ومن أوجه المطالبة في إطار الإثراء بلا سبب، استرداد ما تم
قبضه بغير حق، وكذلك استرداد مكاسبه ومنافعه المقبوضة، والتعويض إذا كان له
مقتضى.
15-
الخلاصة