Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

 

 

الطعن ببطلان حكم التحكيم في القوانين العربية*

 

 

1-          يتناول هذا البحث الطعن ببطلان حكم التحكيم في بعض قوانين الدول العربية، دون وسائل الطعن الأخرى من استئناف أو إعادة محاكمة أو غير ذلك.  ونشير هنا لمسألتين: الأولى – أحكام الطعن بوجه عام، والثانية – لأسباب الطعن.  ونود أن نشير في البداية الى أن المقصود بقانون هذه الدولة أو تلك، حسب ما يرد في هذا البحث هو قانون المرافعات أو الإجراءات المدنية في الدولة المعنيّة.

 

المسألة الأولى: بوجه عام

 

أولاً: حالات البطلان محددة حصراً

 

2-          يمكن القول أن حالات إبطال حكم التحكيم في القانون محددة حصراً، فلا يجوز إضافة حالة إليها لا بالقياس ولا بغيره، وهو ما ذهبت إليه العديد من الأحكام القضائية(1). وصياغة القانون اللبناني كانت أكثر وضوحاً من غيره من القوانين حول ذلك، حيث استهلت المادة (800) النص بقولها، أنه لا يكون الطعن بطريق الإبطال جائزاً، إلا في الحالات التالية ......، ثم قامت بتعداد هذه الحالات، مما يعني أنها محددة حصراً(2). ومع ذلك، يمكن للمحكمة، تحت باب تفسير النصوص القانونية، التوسع في تفسير النص، بحيث تستوعب حالات بطلان أخرى لا يستوعبها التفسير الحرفي. وعلى العكس من ذلك، يمكن التضييق في التفسير وقصره حرفياً على الحالات كما  وردت(3) دون أي محاولة لاستيعاب أي وضع، مهما كان منطقياً ومعقولاً حسب الظروف. 

 

3-          وفي جميع الأحوال التي يجوز فيها استئناف الحكم، مثل القانون القطري يمكن الطعن بالاستئناف استناداً لأي سبب لا يكون مقبولاً كسبب للبطلان، باعتبار أن محكمة الاستئناف تبسط يدها على القضية كاملة بما فيها من وقائع وبينات(4). ومثال ذلك عدم صواب تعليل حكم التحكيم أو خطئه في التعليل(5).

 

ثانياً: البطلان والإستئناف

 

4-          يمكن أن تشكل حالات بطلان حكم التحكيم، أسباباً للطعن بالحكم استئنافاً في القانون السوري الذي لا يعرف الطعن بالبطلان(5أ)، وكذلك في القوانين الأخرى التي أجازت كلا الطعنين: الاستئناف والبطلان(5ب). كما أنها قد تشكل سبباً للاعتراض على الحكم في القانون السعودي(5ج). ويبدو، أنه يجوز الطعن بالبطلان حتى لو كان الحكم قابلاً للاستئناف ولم يستنفذ هذا الطريق بعد، بالنسبة لقوانين الدول التي تعرف هذين الطريقين للطعن في الحكم. بل يمكن أن يكون هناك دعويان معاً: أحدهما الطعن بالاستئناف، والثانية الطعن بالبطلان. وقد يكون المدعي في كل من الدعويين مختلفاً عن الآخر. فالمحكوم له جزئياً (أ) في حكم التحكيم، قد يطعن به عن طريق الاستئناف. أما المحكوم عليه جزئياً (ب)، قد يطعن به عن طريق البطلان.  ويمكن أن يكون المدعي واحداً في كلا الدعويين. وقد يلجأ لأحدهما، حتى إذا خسرها يلجأ للأخرى، ما دامت شروطها لا زالت متوفرة وخاصة من حيث مدة الطعن(6). ويطبق ذلك بوجه خاص على دعوى البطلان في الأحوال التي لم يحدد القانون مدة لرفعها تحت طائلة الرد شكلاً(7)، ولكن يصعب، إن لم يكن يستحيل تطبيقها على دعوى الاستئناف، حيث أن مدة الطعن بالاستئناف في القوانين العربية هي دوماً محددة، وغالباً لا تتجاوز ثلاثين يوماً من تبليغ الحكم. 

 

5-          وأبعد من ذلك، قد يكون هناك، ولو نظرياً، دعويان في الاستئناف، وأخريان في البطلان.  ففي مثالنا السابق، قد يرفع كل من (أ) و(ب) دعوى استئناف بالنسبة للشق الذي خسره، ويرفع كل منهما في الوقت ذاته دعوى بطلان جزئي للحكم، لأسباب غير واردة في الاستئناف.  وفي الأحوال التي يكون فيها هناك أكثر من دعوى من هذا القبيل، يمكن ضمها لبعض أو وقف بعض منها إلى حين البت في البعض الأخر، حسب ما تقضي به القواعد العامة، ووفقاً للأحكام والشروط الواردة بها.  وعلى الأرجح أن المحكوم عليه سيلجأ لدعوى واحدة هي الاستئناف إذا كان الحكم قابلاً للاستئناف.  لأن محكمة الاستئناف، هي محكمة قانون وموضوع في آن واحد.  وبالتالي، يمكن للمستأنف أن يبسط أمامها كل أسباب استئنافه، بما في ذلك أسباب بطلان الحكم.  ولكن إذا كان حكم التحكيم غير قابل للاستئناف لأي سبب، مثل تنازل الطرفين مسبقاً عن الاستئناف، أو مضت مدة الطعن دون استئناف، فلا يبقى للمحكوم عليه سوى اللجوء لدعوى البطلان.

 

ثالثاً: التنازل عن البطلان

 

6-          لا يجوز التنازل عن دعوى البطلان قبل صدور حكم التحكيم حسب بعض القوانين، مثل الإمارات والبحرين وقطر والكويت وليبيا(8). وقد يفهم من ذلك بطريق المخالفة، أنه يجوز التنازل عن دعوى البطلان بعد صدور حكم التحكيم. ولكن هذا الفهم غير دقيق. ونرى في هذا الشأن التمييز بين أمرين: الأول - أن يكون سبب البطلان يتعلق بالنظام العام، وليس بحقوق الأطراف مثل نقص أهلية أحد طرفي التحكيم، أو تخلف أحد الشروط القانونية الواجب توفرها في المحكم، أو لكون المسألة موضوع التحكيم لا يجوز الصلح فيها أصلاً. الثاني – أن يتعلق البطلان بحقوق الأطراف وليس بالنظام العام، مثل انتهاء مدة التحكيم، أو خروج المحكم عن حدود المهمة الموكلة إليه من الأطراف. وفي الفرض الأول، نرى أنه لا يجوز للأطراف التنازل عن دعوى البطلان، حتى بعد صدور حكم التحكيم، وأي اتفاق على غير ذلك يكون باطلاً، بخلاف الفرض الثاني.

 

7-          وبالنسبة للقانون العراقي، يمكن القول بشأنه أنه لا يجوز التنازل عن طلب بطلان حكم التحكيم، لا قبل صدور الحكم ولا بعده، بصرف النظر عن سبب البطلان. ويتبين لنا ذلك من المادة (273)، التي أعطت للمحكمة صلاحية إبطال الحكم إذا توفرت إحدى حالات البطلان، من تلقاء نفسها حتى لو لم يطلب ذلك أحد الخصوم. وهذا يعني أن إبطال الحكم في القانون العراقي، من النظام العام لا يجوز للأطراف الاتفاق على خلافه(9). وفي القانون اللبناني كذلك نصت المادة (800) بأن دعوى البطلان تبقى ممكنة بالرغم من أي اتفاق مخالف. ومع ذلك نرى جواز التنازل عن دعوى البطلان، على الأقل بعد صدور حكم التحكيم، بالنسبة للحالات غير المتعلقة بالنظام العام، وإنما بحقوق الأطراف على النحو المبين أعلاه(10).

 

رابعاًً: طلب البطلان

 

أ-   دعوى البطلان والدفع بالبطلان

 

 8-          يكون إبطال حكم التحكيم بدعوى مستقلة في قوانين البحرين وقطر ولبنان وليبيا والكويت(11). أما في القانون العراقي، فيبدو أن طلب البطلان يكون في صيغة دفع بعد تقديم (إيداع) الحكم للمحكمة المختصة حسب المادتين (271) و(272). ويفترض في القانون العراقي تبليغ الطرفين بالحكم، ويطلب أحدهما تنفيذه سنداً للمادة (272). وعندئذٍ، يجوز للطرف الآخر الذي تم تبليغه بهذا الطلب، أن يرد عليه عن طريق إثارة الدفع بالبطلان حسب المادة (273). ومع ذلك، نرى جواز رفع دعوى مستقلة بإبطال الحكم في حال عدم تقديمه للمحكمة المختصة خلافاً للمادة (271)، أو بعد تقديمه إلا أن المحكوم له لا يطلب المصادقة عليه وتنفيذه لسبب أو لآخر.

 

9-          والمدعي في دعوى البطلان هو أحد طرفي الخصومة التحكيمية، أي المحكوم عليه أو المحكوم له جزئياً، والمدعى عليه هو الطرف الآخر في تلك الخصومة. ولا يجوز أن يكون المحكم خصماً في الدعوى، باعتباره قاضياً من هذه الناحية(12). ومن المبادئ القانونية المستقرة، عدم جواز مخاصمة القضاة في دعاوى الطعن بأحكامهم.

 

10-        وبالنسبة للقانون الإماراتي، فإنه يفرق في الطعن بالبطلان، بين أمرين: الأول – أن يكون التحكيم قد تم عن طريق المحكمة، أي تمت إحالة النزاع للتحكيم بقرار من المحكمة حسب المادة (213/1). وهذا النص يشمل الحالة التي يتم فيها الاتفاق على التحكيم أثناء نظر النزاع من قبل المحكمة، ولكن لا يشمل، كما نرى، الوضع الذي تحيل فيه المحكمة النزاع للتحكيم استناداً لاتفاق تحكيم مسبق، بناءً على دفع المدعى عليه. وفي هذه الحالة، يجب إيداع حكم التحكيم لدى قلم كتاب المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع. وفي وضع كهذا، يجوز للمحكوم عليه إثارة الدفع ببطلان حكم التحكيم للأسباب المنصوص عليها في المادة (216). بل يتعين عليه إذا أراد عدم تنفيذ الحكم في مواجهته، أن يثير مثل هذا الدفع في جلسة أو جلسات المصادقة على الحكم، وإلا سقط حقه بالتمسك ببطلان الحكم.

 

11-        الثاني- أن يتم التحكيم خارج المحكمة. وفي هذه الحالة، يكون للمحكوم له رفع دعوى مصادقة على الحكم، كما يكون للمحكوم عليه طلب رد الدعوى بالدفع ببطلان الحكم أثناء نظر دعوى التصديق. وسواء رفع المحكوم له دعوى تصديق الحكم أو لم يرفعها، يكون للمحكوم عليه رفع دعوى أصلية ببطلان الحكم، ويكون للمحكوم له الرد على الدعوى بطلب المصادقة على الحكم. وفي حال رفع دعويين أحدهما لبطلان الحكم، والثانية للمصادقة عليه على النحو المذكور يمكن، وفقاً للقواعد العامة، إما وقف إحداهما إلى حين البت بالأخرى، أو ضمهما معاً في دعوى واحدة باعتبار موضوعهما واحد من حيث النتيجة.

 

ب-   مدة الإبطال

 

12-        وينشأ الحق بإبطال الحكم في قوانين الدول العربية عموماً، من يوم صدور حكم التحكيم وتبليغه للأطراف(13). وباستثناء القانون الليبي والكويتي، وكذلك الأمر بالنسبة للقانون اللبناني في حالة واحدة، يبقى الحق بالطعن قائماً دون تحديد مدة لهذا الطعن، ما دام لم يصادق على الحكم، ولم يتم الأمر بتنفيذه بناءً على طلب المحكوم له(14).

 

13-        إلا أن القانون اللبناني، نص على مدة للطعن في حالة واحدة، وهي حالة المصادقة على الحكم، أي الأمر بتنفيذه. فالقرار الصادر في هذا الشأن، يتم بأمر على عريضة يصدره رئيس الغرفة الابتدائية التي أودع أصل الحكم لدى قلمها. وبعد تبليغ هذا الأمر للمحكوم عليه، يكون أمامه ثلاثون يوماً للطعن ببطلان الحكم، وإلا تردّ دعوى البطلان شكلاً(15).

 

14-        وفي القانون الليبي، فإن المدة التي يجوز خلالها الطعن بالحكم، حسب المادة (770)، هي ثلاثون يوماً من تاريخ تبليغ الحكم لصاحب الشأن. وفي جميع الأحوال، لا يقبل الطعن إذا انقضى عام على صدور الأمر بتنفيذه(16). أي أن المدة هي ثلاثون يوماً أو عام واحد، أيهما ينقضي قبل الآخر. فلو فرضنا أن مدة العام تنقضي في 30/11، وتم تبليغ الحكم في 25/11، تنقضي مدة الطعن في 30/11. ولو فرضنا أنه تم تبليغ الحكم في 1/9، تنقضي مدة الطعن في 1/10، مع أن مدة العام تنقضي في 30/11.  وبالنسبة للقانون الكويتي، تقضي المادة (187)، بأن مدة الطعن بحكم التحكيم، هي أيضاً ثلاثون يوماً تبدأ من إعلان الحكم.  وإذا استندت دعوى البطلان لأحد أسباب إعادة المحاكمة، فتبدأ المدة حسب ما هو منصوص عليه في القواعد العامة بالنسبة لتلك الأسباب.

 

15-        ويمكن القول بشأن مدة رفع دعوى البطلان على النحو المذكور، أنها مدة سقوط وليست تقادم، وبالتالي لا تخضع للوقف أو الانقطاع، ولا يجوز للأطراف الاتفاق على خلافها، كما لا يجوز للمحكمة أو أي جهة قضائية أو ولائية أخرى تمديدها(17).

 

خامساًً: الاختصاص بالبطلان

 

16-        ينعقد الاختصاص بدعوى البطلان في القوانين العربية عموماً، للمحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع، وهي محكمة الدرجة الأولى (عادة الابتدائية)، حتى لو تم الاتفاق على التحكيم أثناء نظر النزاع من قبل محكمة الاستئناف. والحكم في القانون اللبناني مختلف، إذ حسب المادة (802)، فإن المحكمة المختصة في دعوى البطلان، هي محكمة الاستئناف الصادر في نطاقها الحكم التحكيمي. وكما هو واضح، فإن العبرة في تحديد محكمة الاستئناف المختصة، هي لمكان صدور الحكم وليس لمكان التحكيم، وإن كان الغالب في  الحياة العملية وحدة المكانين.

 

17-        وينعقد الاختصاص لتلك المحكمة بالنسبة لكل حكم تحكيم صدر داخل حدود الدولة الجغرافية، حتى لو كان التحكيم دولياً، ويخضع لقواعد تحكيم أجنبية(18). وكما تقدم، فإن دعوى البطلان من النظام العام لا يجوز التنازل عنها قبل صدور الحكم على النحو المذكور سابقاً(19). وبالمقابل، فإن حكم التحكيم الصادر في دولة ما، لا يكون عرضة لدعوى البطلان في دولة أخرى، وإنما للتنفيذ باعتباره حكماً أجنبياً.

 

سادساً: طبيعة حالات البطلان

 

18-         إن من حالات إبطال الحكم، ما يتعلق بحقوق الأطراف وليس بالنظام العام، مثل صدور الحكم بعد انقضاء مهلة التحكيم، أو صدوره عن محكم لم يعين طبقاً للاتفاق، أو خروج المحكم عن حدود مهمته. ومنها ما يتعلق بالنظام العام، مثل الشروط القانونية في المحكم، والتحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح. ويترتب على ذلك العديد من النتائج منها أن الحالات المتعلقة بالنظام العام، يجوز للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها حتى لو لم يثرها الخصوم، بخلاف الحالات غير المتعلقة بالنظام العام.  ويمكن القول بتطبيق هذا الحكم في مختلف القوانين العربية باستثناء القانون العراقي، الذي أجاز للمحكمة أن تثير أي سبب من أسباب البطلان من تلقاء نفسها، دون طلب من أحد الخصوم.

 

سابعاًً: تجزئة البطلان

 

19-        وفي بعض القوانين العربية مثل القانون القطري، يجوز للمحكمة التي يرفع إليها طلب بطلان حكم التحكيم، أن تقضي ببطلان الحكم كله أو بعضه(20). ونرى تفسير هذا النص، بحيث يقتصر على الحالة التي يمكن فيها فصل الأجزاء الصحيحة في الحكم، عن الأجزاء الباطلة فيه(21). أما إذا كان القرار لا يتجزأ، فيفترض أن تصدر المحكمة قرارها ببطلانه كله. ونرى بالنسبة لقوانين الدول التي لا تتضمن حكماً مماثلاً للقانون القطري، الأخذ به قياساً على تجزئة البطلان في العقود(22)، وفقاً للقواعد العامة(23). فهذه القواعد، تقضي بأنه إذا كان العقد في شق منه صحيحاً وفي شق باطلاً، يكون صحيحاً في الشق الأول دون الثاني، إلا إذا كان العقد يشكل وحدة واحدة بحيث يتعذر تجزئته. وفي هذه الحالة، يكون العقد برمـّته باطلاً(24).

 

ثامناً: إعادة الحكم للمحكم

 

أ-    قوانين العراق وقطر

 

20-        وهناك قاعدة أخرى نصت عليها بعض القوانين، مثل القانون العراقي والقانون القطري(25). ومع الأخذ بالاعتبار للقانون الإماراتي، الذي سنشير إليه بعد قليل، لا يوجد لهذه القاعدة مقابل في بعض القوانين الأخرى، مثل الإمارات والبحرين، ويصعب القول بتطبيقها في هذه القوانين، لعدم وجود نص خاص من جهة، كما أن القواعد العامة لا تسعفنا في هذا الشأن من جهة أخرى. ومفاد هذه القاعدة، أنه يجوز للمحكمة في حالة إصدار القرار ببطلان حكم التحكيم كله أو بعضه، أن تعيد القضية للمحكمين لإصلاح ما شاب حكمهم من عيب، أو تفصل في النزاع بنفسها، إذا وجدت أنه صالح للفصل فيه. ومثال ذلك، أن يقضي حكم التحكيم للمدعي بالمبلغ الذي طالب به، بالإضافة للفوائد، بالرغم من أنه لم يطالب بالفوائد. في هذا الفرض، فإن المحكمة لها الخيار بين إبطال الشق المتعلق بالفوائد فحسب، أو إعادة الحكم للمحكم، ليقرر هو نفسه عدم الحكم بالفوائد، أو أن تقرر هي نفسها عدم استحقاق المدعي للفوائد، لعدم المطالبة بها.  

 

ب- القانون الإماراتي

 

21-        ويتضمن القانون الإماراتي حكماً من هذا القبيل، إلا أنه يختلف عن القانونين العراقي والقطري، حيث أعطت المادة (214) لقاضي تصديق الحكم، صلاحية إعادة الحكم للمحكم لإعادة النظر به في حالتين: إذا أغفل المحكم الفصل في بعض المسائل المعروضة عليه، أو إذا كان الحكم غامضاً لدرجة أنه لا يمكن تنفيذه بالوضع الذي هو عليه. ويعاد الحكم للمحكم في الحالة الأولى للبت في الطلب الذي أغفله، وفي الحالة الثانية لتوضيح الحكم الذي أصدره بحيث يصبح قابلاً للتنفيذ. والفرق الأساسي بين القانون الإماراتي من جانب، والقانونين العراقي والقطري من جانب آخر، أن إعادة الحكم للمحكم في القانون الإماراتي محددة بالحالتين المشار إليهما، في حين أن هذه الإعادة جائزة في القانونين الآخرين، إذا توفرت أي حالة من حالات إبطال الحكم كلياً أو جزئياً.

 

 تاسعاً: أثر إبطال الحكم

 

22-        تنحصر مهمة المحكمة إما في إبطال الحكم، أو العكس رد دعوى الإبطال، وما يعنيه ذلك من مصادقة على الحكم وتنفيذه وكأنه حكم قضائي. ولا تتضمن قوانين الإمارات والبحرين نصاً حول الأثر القانوني الذي يترتب على إبطال الحكم. ومن جانبنا، فإننا نؤيد الاتجاه الذي يذهب إلى القول بأن إبطال الحكم في قوانين هذه الدول، يؤدي إلى سقوط شرط التحكيم كلياً أو جزئياً. ويكون لصاحب الشأن عندئذٍ، الحق برفع دعوى قضائية في موضوع النزاع ذاته.

 

23-        وفي السعودية، فإن قبول الاعتراض على حكم التحكيم، يؤدي حكماً إلى إعطاء الصلاحية للمحكمة لفصل النزاع في دعوى الاعتراض ذاتها المرفوعة أمامها، بناءً على طلب الطرف الآخر في الدعوى كما يفترض.

 

24-        وفي القانونين العراقي والقطري، إذا رأت المحكمة إبطال الحكم كلياً أو جزئياً، ووجدت أن موضوع النزاع صالح للفصل فيه، فإنها تقوم بذلك بنفسها أو تعيد الحكم للمحكم كما هو مبين أعلاه(26). والمحكمة هي صاحبة الصلاحية بتقرير أحد هذين الأمرين. وفي حال قررت فصل النزاع، نرى قصر ذلك على حدود مهمة المحكم المبينة في اتفاق التحكيم، وفي طلبات الخصوم كما هو الحال في القانون اللبناني. فهذا القانون، يوجب على محكمة البطلان إذا قررت إبطال الحكم، أن تنظر في موضوع النزاع في حدود مهمة المحكم(27)، وليس لها الخيار في ذلك.

 

25-         وحسب المادة (771) من القانون الليبي، إذا قبلت المحكمة الطعن بالبطلان، فإنها تحكم بموضوع النزاع إذا وجدت أن القضية صالحة للحكم. وإذا كان النزاع لا زال بحاجة إلى تحقيق، أحالته إلى أحد قضاتها لاكتمال هذا التحقيق. وبعد اكتماله، يفترض أن القضية أصبحت جاهزة للحكم، فتفصل فيها المحكمة.  والقانون الكويتي تضمن حكماً واضحاً وقاطعاً بشأن هذه المسألة، بالنص في المادة (187)، على أنه إذا قضت المحكمة ببطلان حكم المحكمين، تعرضت لموضوع النزاع وقضت فيه(28).

 

26-        وبدون شك، فإن وضع المحكمة يدها على القضية لتفصل فيها بعد إبطال حكم التحكيم، يعني سقوط اتفاق التحكيم، على الأقل في حدود النزاع المطروح على هيئة التحكيم، بافتراض أن هذا الموضوع يدخل في نطاق اتفاق التحكيم.

 

27-        ويكون الحكم القضائي بإبطال الحكم ومن ثم الفصل بالنزاع من قبل المحكمة، خاضعاً للطعن وفق الطرق المعتادة للطعن بالأحكام حسب القواعد العامة، في كل ما لم يرد بشأنه نص خاص. وقد نص القانون العراقي على ذلك في المادة (275)، في حين نص القانون القطري في المادة (209) على جواز استئناف حكم المحكمة، ولم ينص على عدم جواز الطعن به عن طريق النقض، مما يعني جواز ذلك. والقانون اللبناني نص صراحة في المادة (804)، على أن حكم الاستئناف في مثل هذه الأحوال، يقبل التمييز. والقانون الإماراتي نص أيضاً على أن الحكم الصادر بإبطال الحكم، يجوز الطعن فيه، كقاعدة عامة، بطرق الطعن المناسبة(29).             

 

المسألة الثانية: أسباب البطلان

 

أولاً: أسباب ترجع للاتفاق

 

28-        يستند التحكيم أساساًً لوجود اتفاق تحكيم صحيح وقائم. فإذا كان هذا الاتفاق باطلاً لأي سبب، فإن ذلك يؤدي إلى بطلان العملية التحكيمية برمتها، بما فيها حكم التحكيم. ونرجع في بطلان الاتفاق للقواعد العامة في بطلان العقود، وللقواعد الخاصة في التحكيم. ومن القواعد الخاصة، بطلان الاتفاق إذا كان أحد طرفيه لا يملك حق التصرف بحقوقه، سواء كان شخصاً طبيعياً أو شخصاً معنوياً. وقلنا فيما سبق، أن بطلان حكم التحكيم بسب نقص أهلية الشخص الطبيعي، أو بسبب إبرام الاتفاق من شخص غير مفوّض بالنسبة للشخص المعنوي، هو بطلان نسبي مقرر لمصلحتهما، فيجوز لأي منهما التنازل عنه صراحة أو ضمناً، وفق الشروط والأحكام المنصوص عليها قانوناً. ويترتب على ذلك أيضاً، أنه لا يجوز للطرف الآخر التمسك بالبطلان، ما دام من تقرر البطلان لصالحه تنازل عنه.

 

29-        وهناك حالة نصت عليها بعض القوانين مثل الإمارات وقطر ولبنان، وهي حالة صدور حكم التحكيم بالرغم من عدم وجود اتفاق تحكيم. وتفترض هذه الحالة، تقدم أحد طرفي النزاع (أ) للتحكيم المؤسسي مثلاً، عن طريق إحدى مؤسسات التحكيم، بالرغم من عدم وجود اتفاق على التحكيم. فتقوم المؤسسة بتبليغ الطرف الآخر (ب) بوجود تحكيم ضده، فلا يجيب (ب) على ذلك، أو يجيب بعدم الاختصاص لعدم وجود اتفاق على التحكيم أصلاً. وبالرغم من ذلك، يجري التحكيم بغيبة (ب) ويصدر الحكم ضده. في هذا الفرض، يكون الحكم قابلاً للإبطال. ومن نافلة القول أن هذه الحالة، تشكل سبباً لإبطال الحكم دون حاجة للنص. وبالتالي، تطبق في القوانين الأخرى التي لم تنص عليها، ما دام أن مصدر التحكيم الاتفاق، وبغير هذا الاتفاق، لا وجود للتحكيم أصلاً(30).

 

30-        ومن حالات قابلية الحكم للبطلان، صدوره بناءً على اتفاق تحكيم سقط لأي سبب بعد أن نشأ صحيحاً، مثل فسخه والتنازل عنه من قبل الطرف الذي شرع الاتفاق لمصلحته. ومن تطبيقات هذه الحالة، سقوط الاتفاق بسبب تجاوز الميعاد أو بانقضاء المهلة. ويشمل ذلك، كما نرى، فرضين: الأول- أن يحدد الاتفاق مدة لبدء التحكيم إذا رغب أحد الطرفين باللجوء له، بحيث إذا انقضت هذه المدة دون ذهاب للتحكيم، سقط حق الطرفين بالتحكيم. الثاني- أن يحدد الاتفاق مهلة لصدور حكم التحكيم، وتنقضي هذه المهلة، دون صدور الحكم. ويلحق بهذا الفرض، الحالة التي يتم فيها تحديد المهلة بنص في القانون، إذا لم يتم تحديدها بالاتفاق.

 

31-        ومن الحالات الأخرى لإبطال حكم التحكيم في بعض القوانين، كون مشارطة التحكيم لا تتضمن تحديد موضوع النزاع. وقد سبق وانتقدنا هذه القوانين التي عادت وأجازت تحديد النزاع في المرافعة أمام هيئة التحكيم، إذا أبرمت مشارطة التحكيم دون هذا التحديد. ومن غير المتصوّر عملياً وجود دعوى تحكيمية ومرافعة دون تحديد موضوع النزاع، وإلا كانت العملية التحكيمية كلها باطلة. إذ كيف ستصدر هيئة التحكيم حكمها في نزاع مطروح أمامها دون تحديد لهذا النزاع؟ وباختصار، نعود ونقول أن حكم التحكيم يكون باطلاً في قوانين تلك الدول، إذا صدر الحكم في نزاع غير محدد الموضوع، لا في المشارطة، ولا في المرافعة حتى لو استند الحكم لشرط تحكيم وليس لمشارطة. وفي كل الأحوال، نرى أنه يكفي لغايات النص، الإشارة في مشارطة التحكيم إلى المنازعات الناجمة عن عقد أو عقود معينة دون غيرها، كي يعتبر هذا بمثابة تحديد لموضوع النزاع، حتى ولو لم يتم تحديده تحديداً دقيقاً.

 

ثانياً: أسباب ترجع لهيئة التحكيم

 

أ- تعيين المحكمين

 

32-        تتفق بعض القوانين العربية، على أنه من أسباب بطلان حكم التحكيم، صدوره من محكمين لم يعينوا طبقاً للقانون(31).  ويشمل ذلك جميع المحكمين وكل محكم منهم. فلو كانت هيئة التحكيم مشكلة من ثلاثة محكمين، وكان تعيين واحد منهم مخالفاً للقانون، يكون الحكم عرضة للبطلان، حتى لو كان تعيين المحكمين الآخرين طبقاً للقانون. والتعيين المخالف للقانون، قد يكون بسبب مخالفة إجراءات التعيين، أو بسبب عدم توفر الشروط القانونية في المحكم وفق ما هو مبين سابقاً(32).

 

33-        فالخصوم لهم الحق بالاتفاق على تعيين جميع المحكمين وأي واحد منهم، وليس للمحكمة التدخل في هذا التعيين، إلا في حالة عدم الاتفاق. وقد لا يتفق الخصوم على أسماء المحكمين، وإنما على إجراءات تعيينهم، كالقول مثلاً في التحكيم من هيئة ثلاثية، بأن كل طرف من الطرفين يعين محكمه، ويتم تعيين المحكم الثالث من قبل مركز دبي للتحكيم الدولي. ومن جانب آخر، تحدد القوانين محل البحث، الأحوال التي تتدخل فيها المحكمة بتعيين المحكمين أو أحدهم. كما تنص هذه القوانين على الشروط التي يجب توفرها في المحكم، بحيث لا يجوز تعيين شخص محكماً، إذا تخلفت فيه أحد هذه الشروط وفق ما ذكرناه في موطن سابق من هذه الدراسة. فإذا تم تشكيل هيئة التحكيم على وجه مخالف للقانون (أو الاتفاق)، كان الحكم الصادر عن الهيئة عرضة لدعوى البطلان. ويلاحظ أن بعض حالات البطلان لهذا السبب تتعلق بالنظام العام، في حين أن حالات أخرى غير ذلك.

 

34-        فالشروط المنصوص عليها قانوناً، والواجب توفرها في المحكم، تعتبر من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على خلافها، وهي الشروط التي أشرنا إليها سابقاً. ويضاف إلى ذلك الشرط الذي تطلبه القانون في أن يكون عدد المحكمين وتراً.

 

35-        أما الحالات الأخرى غير المخالفة للنظام العام فيجوز لطرفي النزاع، أو لأحدهما حسب الأحوال، التنازل عنها صراحة أو ضمناً، كما يجوز لهما الاتفاق على خلافها، سواء تم ذلك قبل صدور الحكم أو بعد صدوره. وبوجه عام، فإن الشروط الاتفاقية في المحكم، والتي تضاف للشروط القانونية، ليست من النظام العام.

 

36-        ومثال ذلك، اتفاق الطرفين على أن يكون المحكم من جنسية معينة، ولكن يعين مركز التحكيم المحال له النزاع محكماً من جنسية أخرى، ولا يعترض طرفا النزاع أو أحدهما على ذلك.

 

37-        وإذا اتفق الطرفان على تسوية نزاعهما عن طريق التحكيم الطليق (الحر). ومع ذلك، يتقدم أحدهما بطلب لمركز دبي للتحكيم مثلاً، ويقوم المركز بإبلاغ الطرف الآخر بالطلب ولا يعترض على ذلك، ويتم تعيين المحكمين وفق قواعد المركز، أيضاً دون اعتراض من ذلك الطرف.

 

38-        وإذا اتفق الطرفان على تسوية النزاع بواسطة محكم منفرد، ولكن يعين مركز التحكيم المعني ثلاثة محكمين لتسوية هذا  النزاع، ولا يعترض أي من الطرفين على ذلك.

 

39-        ومن ذلك أيضاً ما جرى عليه العرف التحكيمي من أن المحكم الثالث يتولى رئاسة هيئة التحكيم. ولكن قد يتولى هذه الرئاسة محكم آخر غيره، وتسير إجراءات التحكيم على هذا الأساس، دون اعتراض أي من طرفي التحكيم.

 

40-        في هذه الأمثلة وغيرها، تم تعيين هيئة التحكيم بصورة مخالفة لاتفاق الطرفين أو للقانون أو للعرف. ومع ذلك، لا يعتبر الحكم الصادر عن الهيئة قابلاً للبطلان، ما دام أن هذه الحالات ليست من النظام العام، وعدم اعتراض الطرف المعني على المخالفة في حينه، يعد بمثابة تنازل ضمني منه عن ذلك(33).

 

41-        ومن أوجه صدور الحكم من محكمين لم يعينوا طبقاً للقانون، أن يتفق الأطراف على محكم بالذات، ويقوم هذا المحكم بالتحكيم فعلياً، ولكن عند صدور الحكم يتم توقيعه من قبله باعتباره جزءاً من شركة أو مؤسسة، وهو ما يكثر وقوعه بالنسبة لشركات المحاسبة بشكل خاص(34). في هذه الحالة، يكون الحكم عرضة للبطلان، حتى لو كانت الشركة هي شركة شخص واحد مالكها الوحيد هو المحكم، بل حتى لو لم تكن لها شخصية معنوية مستقلة عن المحكم، وإنما هي مؤسسة فردية مملوكة بالكامل للمحكم.

 

42-        ومن أوجه ذلك أيضاً أن القوانين العربية محل البحث، نصت على أن الجهة المختصة بتعيين المحكم في حال عدم تعيينه من قبل الأطراف، هي المحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع(35). وعليه، لو قام رئيس المحكمة ذاتها بأي صفة كانت بتعيين المحكم بدلاً من المحكمة، يكون التعيين مخالفاً للقانون ويؤدي ذلك إلى إبطال حكم التحكيم(36)، بافتراض أن الطرف الآخر المعني قد اعترض على هذا التعيين ولم يوافق عليه.

 

43-        وهناك مسألة يثور الخلاف بشأنها، وهي مدى جواز قيام أحد الطرفين، أو حتى كليهما، بالاتفاق على تعيين محكم ليس حيادياً أو مستقلاً عن أحدهما. وسبب هذا الخلاف، أن من المبادئ الأساسية في التحكيم، أن يكون المحكم حيادياً ومستقلاً عن طرفي النزاع. فلو فرضنا أنه نشب نزاع بين (أ) و(ب) وكان يتوجب إحالته لثلاثة محكمين. قام (أ) بتعيين (ج) محكماً عنه، مع أن (ج) هو مستشاره القانوني. فهل يجوز ذلك؟ وهل يجوز لأي من الطرفين رد هذا المحكم فيما بعد؟ وهل يكون حكم التحكيم الذي شارك فيه (ج) عرضة للبطلان؟

 

44-        وللإجابة على ذلك، نقول بأنه أصبحت من التقاليد، بل الأعراف التحكيمية، أن يصرح (ج)، المرشح ليكون محكماً عند قبوله لمهمته كتابة، بأنه حيادي ومستقل عن أطراف النزاع، وأنه لا توجد أي ظروف من شأنها إثارة شكوك حول ذلك. وهذا يعني بأنه ليس هناك ما يمنع من تعيين محكم توجد شكوك حول حيدته واستقلاله، ما دام أنه صرح بذلك ولم يعترض الأطراف أو أحدهما على تعيينه. ولكننا نرى بأن هذه القاعدة، أي قاعدة صحة تعيين المحكم في ظروف كهذه، مقيدة بقاعدة أساسية، وهي أن لا يصل المحكم في هذه الحالة إلى درجة عالية من عدم الاستقلالية بحيث يصبح هو نفسه، ولو عملياً، الخصم والحكم في آن واحد. فمسألة انفصال شخصية الخصم عن شخصية المحكم، من المبادئ الأساسية في التقاضي، وهي من النظام العام التي لا يجوز مخالفتها لا في القضاء ولا في التحكيم. وإذا جاز في التحكيم استثناء تعيين محكم غير مستقل تماماً عن أحد طرفي النزاع، بسبب طبيعة التحكيم الخاصة، فيجب أن لا يصل الأمر إلى درجة أن يكون المحكم هو نفسه الخصم. ومثال ذلك، أن يكون أحد طرفي النزاع شركة شخص واحد، ويتم تعيين مالكها محكماً منفرداً لتسوية النزاع بينها وبين الغير. في هذه الحالة، يكون الحكم عرضة للبطلان، حتى لو كان التعيين باتفاق الطرفين.

 

45-          ولكن قد لا يصرح المحكم بحيدته واستقلاله قبل تعيينه محكماً، أو يصرح بذلك خلافاً للواقع. وهنا نفرق بين أمرين: الأول- أن لا يعلم طرف التحكيم المعني بذلك إلى حين صدور حكم التحكيم. في هذه الحالة، يجوز لذلك الطرف الطعن ببطلان الحكم، على أساس أن تعيين المحكم كان بصورة مخالفة للقانون. الثاني- أن يعلم الطرف المعني بذلك أثناء إجراءات التحكيم وقبل صدور الحكم. في هذه الحالة، يجوز له رد المحكم حسب الأحكام والشروط المنصوص عليها قانوناً. فإذا انقضت مدة الرد دون تقديم طلب الرد يسقط الحق به، بل ويسقط أيضاً الحق برفع دعوى بطلان حكم التحكيم لهذا السبب. ومرة أخرى، فإن هذه النتيجة مقيدة بما سبق وذكرناه، من أن عدم استقلالية المحكم، يجب أن لا تصل إلى درجة أن يصبح المحكم والخصم شخصاً واحد.

 

ب- تجاوز الهيئة لاختصاصها

 

46-        يقضي القانونان الإماراتي والقطري بقابلية الحكم للبطلان إذا كان المحكم قد "خرج عن حدود الوثيقة". والمقصود بالوثيقة هنا، كما نرى، اتفاق التحكيم سواء ورد في صيغة شرط تحكيم، أو في اتفاق منفصل عن العقد، وسواء أبرم هذا الاتفاق قبل وقوع النزاع أو بعده. وهو ما عبر عنه القانون البحريني بعبارة "خروج هيئة التحكيم عن اتفاق التحكيم الصحيح"، وما عبّر عنه القانون الليبي في المادة (769/4) بقوله أن يصدر "حكم المحكمين خارج نطاق الموضوع المحدد في مشارطة التحكيم، أو خرج عن حدود المشارطة...".  ويأخذ القانون اللبناني بالحكم ذاته مع اختلاف الصياغة بقوله، أن من أسباب بطلان الحكم، خروج المحكم عن حدود المهمة المعينة له.

 

47-        وخروج المحكم على اتفاق التحكيم قد يتعلق بالشكل أو الموضوع. فمن حيث الشكل، يشمل ذلك بشكل خاص إجراءات التحكيم المتفق عليها بين الأطراف، بما فيها اتفاقهم على القانون المطبق على النزاع. ومن حيث الموضوع، يشمل ذلك بشكل خاص حالتين: فصل الحكم في مسائل لا يشملها اتفاق التحكيم، وتجاوز المحكم لطلبات الخصوم(37). والمشرع في أغلب القوانين موضوع الدراسة، نص على مخالفة إجراءات التحكيم كحالة مستقلة من حالات قابلية الحكم للبطلان، سواء كانت هذه الإجراءات منصوص عليها في اتفاق التحكيم، أو القانون، أو تحددت بقرار من هيئة التحكيم. وهو ما سنبحثه في بند خاص بعد قليل. أما تجاوز الهيئة لاتفاق التحكيم كسبب من أسباب البطلان، فقد سبق وبيـّنا ذلك عند البحث في اختصاص هيئة التحكيم، فنحيل له.

 

48-        ونود أن نضيف هنا أنه من حالات تجاوز الهيئة لاختصاصها، حالة ما إذا حكمت الهيئة بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه. وهذه الحالة، تعتبر سبباً من أسباب إعادة المحاكمة، في قوانين الدول التي أجازت الطعن بأحكام التحكيم بهذا الطريق، كوسيلة مستقلة عن وسائل الطعن الأخرى مثل سوريا وقطر ولبنان وليبيا. أما في قوانين الدول التي اعتبرت إعادة المحاكمة من أسباب البطلان(38)، فلا يجوز للطاعن طلب إعادة المحاكمة بدعوى مستقلة، وإنما يرفع دعوى لبطلان الحكم، ويستند في ذلك لأحد الأسباب المنصوص عليها في القانون لإعادة المحاكمة، ومن ذلك إعطاء الهيئة لأحد الخصوم شيئاً لم يطلبه أصلاً، أو بأكثر مما طلبه(39).

 

ج-  بطلان الإجراءات

 

49-        تنص قوانين الإمارات والبحرين وقطر على أن من أسباب إبطال حكم التحكيم، وقوع بطلان في إجراءات التحكيم إذا كانت هذه الإجراءات مؤثرة في الحكم. وعبّر عن ذلك القانون العراقي بالإشارة لمخالفة الإجراءات التي تؤثر في صحة هذا الحكم. وهذا يعني أن إجراءات التحكيم تنقسم إلى قسمين: إجراءات باطلة تؤثر في الحكم، وإجراءات باطلة ليس لها أثر فيه. وعلى ذلك، إذا لم يؤثر الإجراء الباطل في الحكم، فيبقى الحكم صحيحاً ولا يخضع للبطلان، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مخالفة هيئة التحكيم لإرادة الأطراف بالنسبة لمكان التحكيم داخل البلاد، كأن ينص الاتفاق على عقد جلسات التحكيم في مكان معين في دبي، ولكن تعقد هيئة التحكيم الجلسات في مكان آخر داخل دبي، أو ينص الاتفاق على أن يقدم المحتكم لائحة دعواه حتى الساعة (10) من صباح يوم معين، فيقدمها الساعة (11) من اليوم ذاته، أو ينص القانون على وجوب قيام المحكم خلال ثلاثين يوماً من قبوله لمهمته بتاريخ عقد أول جلسة تحكيم، ولكنه يقوم بذلك في اليوم الخامس والثلاثين خلافاً للنص.

 

 

50-        وبالمقابل، هناك أمثلة واضحة على الإجراءات التي يمكن اعتبارها مسبقاً مؤثرة في الحكم، مثل رفض هيئة التحكيم قبول اللائحة الجوابية والمستندات المرفقة بها، والمقدمة من المحتكم ضده خلال الموعد المحدد لذلك، أو إغفال الحكم نهائياً لكافة أوجه دفاع المحتكم ضده، أو استناده لأسباب وهمية لا وجود لها في ملف الدعوى، ولا يمكن استخلاصها من القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع أو، بوجه عام، عدم معاملة طرفي التحكيم على قدم المساواة، وعدم إعطاء أحدهما الفرصة الكاملة والمتكافئة لعرض دعواه وتقديم دفاعه خلافاً للمبادئ الأساسية في التقاضي(40). وقد نص القانون اللبناني على هذه الحالة بشكل خاص، بقوله بأن من حالات الطعن بإبطال الحكم، صدور هذا الحكم دون مراعاة حق الدفاع للخصوم. ومن حالات ذلك في الحياة العملية، أن يتعذر على أحد طرفي الخصومة تقديم دفاعه بسبب عدم تبليغه تبليغاً صحيحاًَ بتعيين المحكم، أو بإجراءات التحكيم، أو لأي سبب آخر خارج عن إرادته.

 

51-        وأبسط صور هذه الحالة وأوضحها، أن يتقدم (أ مثلاً) بطلب تحكيم لدى إحدى مؤسسات التحكيم (ب) ضد (ج). فتقوم (ب) بتعيين هيئة التحكيم دون تبليغ (ج)، وتعقد الهيئة جلساتها بحضور (أ)، وتصدر حكمها النهائي ضد (ج) دون حضوره أي جلسة من جلسات التحكيم بسبب عدم تبليغه أيضاً، مما يعني أنه تعذر عليه تقديم دفاعه في الدعوى التحكيمية. في هذا المثال، يكون الحكم عرضة للبطلان من جانب (ج).

 

52-        والحالة العكسية لهذا المثال، أن يتم تبليغ (ج) بالدعوى ضده تبليغاً صحيحاً، ويعطى الفرصة الكافية لتعيين محكم من جانبه، كما يعطى الفرصة تلو الأخرى لحضور جلسات التحكيم وتقديم دفاعه أمام هيئة التحكيم، ويتم تبليغه من وقت لآخر بالمعلومات اللازمة والمستندات والبينات الأخرى المقدمة من (أ)، مع إعطائه الفرصة للرد على كل ذلك، إلا أن (ج) يقف موقفاً سلبياً، دون رد أو حضور أو تقديم أي دفاع أو بينة ولا عذر له في ذلك(41). ومن ثم يصدر الحكم ضده. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً، حضور المحتكم ضده لجلسات التحكيم وتمثيله فيها تمثيلاً صحيحاً، إلا أنه يهمل في تقديم دفاعه لأسباب ترجع له بالرغم من إتاحة الفرصة له(42)، أو تطلب منه هيئة التحكيم تقديم دفاعه وبيناته بلغة التحكيم، إلا أنه أصرّ على تقديمها بلغة أخرى ورفض نتيجة ذلك تقديمها بلغة التحكيم، أو قررت الهيئة عقد جلسات التحكيم، حسب الاتفاق، في دولة معينة، متاح له الوصول لها بسهولة، إلا أنه أصر على عقد الجلسات في دولة أخرى وامتنع عن تقديم دفاعه، احتجاجاً على قرار هيئة التحكيم. في هذه الأمثلة، ليس لـ (ج) الطعن ببطلان حكم التحكيم الذي يكون صحيحاً ونافذاً في مواجهته.

 

53-        وكذلك الأمر لو تم تبليغ (ج) تبليغاً غير صحيح بالدعوى التحكيمية ضده ولكن بالرغم من ذلك، شارك بالتحكيم وبإجراءاته، وأعطي الفرصة الكافية لتقديم دفاعه وقدمه فعلاً. في هذا الفرض، ليس لـ (ج) الطعن ببطلان حكم التحكيم الذي صدر ضده على أساس أن تبليغه بالدعوى كان غير صحيح. فالعبرة ليست بالتبليغ من عدمه، ولا بكون التبليغ صحيحاً أو غير صحيح، وإنما بعدم تقديم الطرف المعني لدفاعه، بسبب عدم تبليغه بالعملية التحكيمية على النحو المذكور. ويلحق بحالة التبليغ حالة أخرى، وهي عدم تقديم الطرف المعني لدفاعه لأي سبب آخر خارج عن إرادته. ومثال ذلك، قيام السلطات المعنية في دولة ما بسجن (ج) أثناء التحكيم، ومنعه من الاتصال بأحد، مما أدى إلى تعذر مشاركته بالعملية التحكيمية، أو يجري التحكيم في دولة ما، هي في حالة حرب مع دولة (ج)، وتحظر تلك الدولة على رعايا دولة (ج) الدخول لأراضيها. في هذه الأمثلة وغيرها، إذا تعذر على (ج) تقديم دفاعه لهذا السبب أو لأي سبب آخر خارج عن إرادته، فيكون حكم التحكيم عرضة للبطلان.

 

54-        وفي القانون الليبي حسب المادة (769/7)، يكون  الحكم قابلاً للإبطال إذا لم يراع المحكمون قواعد المرافعات التي التزموا مراعاتها، والتي ينص القانون على أن مخالفتها توجب البطلان. ونرى أن ذلك يشمل في القانون الليبي قواعد الإجراءات الأساسية مثل المساواة والمواجهة وتكافؤ الفرص بين الخصوم ويشمل أيضاً، كما هو الحال في قوانين الإمارات والبحرين وقطر، مخالفة أي قاعدة إجرائية كان يتوجب إتباعها، بحيث تؤثر المخالفة في الحكم على النحو المذكور.

 

55-        وبالرغم من أن القانون اللبناني لا ينص على مخالفة الإجراءات كسبب لإبطال الحكم، إلا أننا نرى تطبيق ذلك فيه بشرط أن تؤثر المخالفة في الحكم. بحيث لو لم تقع هذه المخالفة لتغير الحكم. فهذا ما يقتضيه منطق العدالة، وما جرى عليه العمل في التحكيم. فإذا كانت مخالفة إجراءات التقاضي تعيب الحكم القضائي، حتى لو لم تؤثر فيه، فمن باب أولى أن مثل هذه المخالفة لإجراءات التحكيم، تعيب الحكم التحكيمي متى كانت مؤثرة فيه.

 

56-       وكما نرى، فإن من أوجه المخالفات الجوهرية في الإجراءات، استبعاد هيئة التحكيم القانون الموضوعي الواجب التطبيق على النزاع، مما يؤدي إلى قابلية إبطال حكم التحكيم(42أ).

 

ثالثاً: أسباب ترجع للحكم

 

أ-  تجاوز الحكم مدة إصداره

 

 

57-        تقضي بعض القوانين العربية بإمكانية بطلان حكم التحكيم إذا صدر خارج المدة المحددة لذلك في اتفاق التحكيم، وهو ما عبرت عنه بعض القوانين(43)، بالقول أن يصدر حكم التحكيم بناءً على اتفاق أو وثيقة أو مشارطة سقطت بتجاوز الميعاد(44). والمقصود بوثيقة أو مشارطة التحكيم في القانونين الإماراتي والقطري، اتفاق التحكيم عموماً كما هو الحال في النص اللبناني. أما القانون العراقي، فلم ينص صراحة على هذه الحالة، وإنما اكتفى بالقول في المادة (273) بأن من أسباب إبطال الحكم، خروج المحكم عن حدود الاتفاق ويشمل ذلك، بطبيعة الحال، المدة المحددة في الاتفاق لإصدار الحكم خلالها. ونرى بأن النصوص المعنية، تشمل كذلك المدة المحددة قانوناًَ، في حال عدم الاتفاق عليها لاتحاد العلة، بمعنى أن الحكم يكون قابلاً للإبطال إذا تجاوز المحكم مدة التحكيم المنصوص عليها في الاتفاق أو القانون(45)، ويستوي في ذلك أن يكون المحكم بالقانون أو بالصلح لا فرق في ذلك(46)

 

58-         ومن جانب آخر، إذا اشترط الاتفاق مدة للجوء أحد الطرفين للتحكيم، وهذه هي إحدى حالات الشروط المسبقة للتحكيم، وانقضت هذه المدة دون الذهاب للتحكيم، يكون الاتفاق قد سقط بتجاوز الميعاد. فإذا باشر أحد الطرفين التحكيم بعد انقضاء هذه المدة، واعترض الطرف الآخر على ذلك، إلا أن هيئة التحكيم رفضت اعتراضه، واستمرت بالإجراءات إلى حين صدور الحكم، يكون هذا الحكم عرضة للبطلان.

 

59-         أما في سوريا التي لا يعرف قانونها دعوى البطلان، فقد قضت المادة (520) بأنه يجب على المحكمين عند عدم اشتراط أجل للحكم، أن يحكموا في ظرف ثلاثة أشهر من تاريخ قبولهم التحكيم، وإلا جاز لكل واحد من الخصوم أن يطلب من المحكمة تعيين محكمين آخرين للحكم فيه. وكما ذكرنا، نرى تطبيق هذا الحكم على مدة التحكيم المتفق عليها أو المحددة قانوناً لاتحاد العلة. ويترتب على ذلك القول، أن ولاية المحكمين تنقضي بانقضاء هذه المدة، مما يعني عدم الاعتداد بالحكم الذي يصدر بعد ذلك. والواضح من المادة (520)، أن اتفاق التحكيم لا يسقط في هذه الحالة، وإنما يبقى قائماً.  غاية ما في الأمر، أنه يجوز للأطراف اللجوء للقضاء لتعيين محكمين بدلاً من أولئك الذين انتهت ولايتهم. ومع ذلك، اتجهت محكمة النقض السورية في العديد من أحكامها إلى أن انتهاء أجل التحكيم دون حكم، يؤدي إلى زوال اختصاص المحكم بنظر النزاع، بصورة تعود معها السلطة بالفصل فيه للقضاء صاحب الولاية العامة(47).

 

60-        إلا أن القضاء السوري اتجه في أحكام أخرى إلى التفرقة بين فرضين، الأول: أن لا يكون اتفاق التحكيم نص على تعيين محكمين بأشخاصهم، أي لذاتهم وفي هذا الفرض، يبقى الاتفاق قائماً، ويتوجب تعيين محكمين آخرين لنظر النزاع. الثاني: أن ينص الاتفاق على تعيين محكمين بعينهم دون سواهم. وعلى العكس من الفرض الأول، فإن اتفاق التحكيم يسقط هنا، ويعود الاختصاص بنظر النزاع للقضاء صاحب الولاية العامة(48). ومسألة ما إذا كان تعيين المحكمين في الاتفاق كان لعينهم أم لا، هي مسألة تفسير لإرادة المتعاقدين، يؤخذ في تقديرها كافة الظروف المحيطة حسب القواعد العامة في التفسير.

 

61-        وكما تقدم، نرى لغايات عملية، بعيداً عن الطقوس والشكليات، أن العبرة في تاريخ الحكم، هي لتاريخ النطق به إذا كان لذلك مقتضى، أو توقيعه من المحكم، أيهما يحدث أولاً، ولا عبرة من هذه الناحية لإيداعه في القوانين التي توجب مثل هذا الإيداع، ولا لوقت تسليمه للأطراف أو تبليغهم به.

  

ب-  البطلان بسبب الحكم ذاته

 

62-        تقضي بعض القوانين مثل الإمارات والبحرين وقطر، بأن من أسباب دعوى بطلان حكم التحكيم أن يكون الحكم بحد ذاته باطلاً. وينص القانون العراقي على بطلان الحكم في حالة وقوع خطأ جوهري فيه. ونرى أن ذلك يشمل في القوانين المذكورة، الحالة التي لا يشتمل فيها حكم التحكيم على أحد الشروط الشكلية، التي تطلبها القانون فيه(49).  والحكم في القانون اللبناني كان أكثر وضوحاً من هذه الناحية، حيث نص صراحة في المادة (800/5)، على جواز إبطال الحكم إذا لم يشتمل على جميع بياناته الإلزامية، المتعلقة بمطالب الخصوم والأسباب والوسائل المؤيدة لها، وأسماء المحكمين وأسباب الحكم ومنطوقه وتاريخه وتوقيع المحكمين عليه. وحسب المادة (790) من القانون اللبناني، فإن هناك بيانات أخرى يجب أن يتضمنها الحكم، مثل مكان إصدار الحكم، وأسماء الخصوم وصفاتهم وأسماء وكلائهم. وبمقارنة النصين مع بعضهما، يمكن القول أن البيانات الأخرى الواردة في المادة (790) ليست من البيانات الجوهرية، ولا يترتب على إغفالها قابلية الحكم للبطلان. إلا أننا لا نؤيد ذلك بصورة مطلقة، ونرى إبطال الحكم في تلك البيانات، بالنسبة لأسماء الخصوم. أما البيانات الأخرى، وهي مكان إصدار الحكم وصفات الخصوم وأسماء وكلائهم فليس بالضرورة أن يتضمنها الحكم، ولا يكون بالتالي عرضة للبطلان في حال إغفالها أو إغفال أي منها.

 

63-        والقانون الليبي أيضاً واضح بالنسبة لهذه المسألة، حيث نص في المادة (769/5) بأن من أسباب قابلية الحكم للبطلان، عدم اشتماله على البيانات المطلوبة في تحريره حسب المادة (760). وعمومية النص في القانون الليبي، تشير إلى إبطال الحكم حتى لو كان أحد هذه البيانات ليس جوهرياً في الحكم مثل ذكر مكان التحكيم، وهو ما لا نؤيده.

 

64-        وقد يتضمن الحكم كافة بياناته الإلزامية بل وغيرها، ومع ذلك يكون عرضة للبطلان لذاته، كأن يكون متناقضاً مع بعضه البعض لدرجة مربكة(50)، أو يخالف فيه المحكم مخالفة صارخة أحكام القانون الواجب التطبيق، أو يخرج فيه المحكم بالصلح على قواعد العدالة والمنطق بشكل واضح، أو يقرر تطبيق قانون معين على النزاع، في حين يحكم وفقاً لقانون آخر مناقض تماماً للقانون الأول، أو يحكم المحكم على هواه وتعليل ذلك بأسباب واهية لا معنى لها، أو يتضمن طلبات الخصوم بشكل غير صحيح كلياً أو جزئياً مما ينعكس سلباً على منطوق الحكم، أو يكون حكمه مناقضاً تماماً للبيّنة المقدمة في الدعوى(51).

 

65-        ويمكن القول أن هذه الأحوال ومثيلاتها، تدخل ضمن عبارة "إذا وقع بطلان في الحكم" الواردة في بعض القوانين مثل الإمارات والبحرين وقطر، أو ضمن الخطأ الجوهري في حكم التحكيم وفق ما هو منصوص عليه في القانون العراقي. ويمكن أيضاً إدخالها ضمن حالات البطلان في القانون اللبناني، تحت مخالفة إجراءات التقاضي الأساسية، ما دام أن الحكم هو الفصل الأخير من الإجراءات، التي لا تنتهي انتهاءً طبيعياً إلا بصدوره. ومن هذه الإجراءات الأساسية أن لا يتضمن الحكم ما يعيبه بصورة جوهرية، كما هو الحال في الأمثلة المذكورة(52).

 

66-        ومن أسباب بطلان حكم التحكيم في بعض القوانين مثل الإمارات والبحرين وقطر، صدور الحكم من واحد أو أكثر من المحكمين في غيبة المحكمين الآخرين، دون أن يكونوا مأذونين بذلك من قبل أولئك المحكمين. ونرى أن المقصود بذلك ليس المداولة التي تسبق الحكم، ولا صدور الحكم بالمعنى القانوني وتوقيعه. إذ في هذه الأحوال، يجب أن يشارك جميع المحكمين بصرف النظر عن رأي بعضهم المخالف للآخرين. ولا بد من توقيع الحكم من الأغلبية إن لم يكن صدر بالإجماع على النحو المبين سابقاً. وإنما يقصد بذلك صدور الحكم مادياً والنطق به، إذا تقرر عقد جلسة تحكيم لهذا الغرض بعد توقيعه. في هذه الحالة، يجوز للمحكمين الاتفاق على قيام أحدهم أو بعضهم بحضور هذه الجلسة للنطق بالحكم، حتى ولو غاب الآخرون، بصرف النظر عن سبب غيابهم(53).

 

ج:  مخالفة النظام العام

 

67-       تعتبر مخالفة النظام العام سبباً يعيب الحكم مما يؤدي إلى إبطاله.  وقد نصت على هذه الحالة صراحة بعض القوانين مثل العراق وقطر ولبنان وليبيا. ولكن عدم النص عليها في بعض القوانين الأخرى، لا يعني عدم الأخذ بها. فالنظام العام، كما ذكرنا سابقاً، هو أحد الضوابط الأساسية لكافة التصرفات، بما فيها أحكام التحكيم، بحيث أن مخالفة الحكم للنظام العام تعيبه دون حاجة لنص. وهنا تجدر الإشارة هنا إلى بعض المسائل الخاصة بإبطال الحكم بسبب مخالفة النظام العام.

 

68-       فمن جهة، يمكن القول بأن من صلاحيات المحكمة، بل من واجباتها أن تقضي ببطلان حكم التحكيم إذا كان مخالفاً للنظام العام من تلقاء نفسها، دون حاجة لطلب من أحد طرفي الخصومة، وهذا بخلاف الحالات الأخرى التي ترتبط بإرادة الخصوم، مثل تجاوز المحكم لمهمته المبينة في اتفاق التحكيم، أو إصدار الحكم خارج المهلة المحددة لذلك بالاتفاق، أو تعيين محكم لم تتوفر فيه المؤهلات العلمية حسب الاتفاق. وحتى يقضى بالبطلان في هذه الأحوال ومثيلاتها، يجب توفر شرطين.

 

69-       الأول: وجوب إثارة سبب البطلان في لائحة أو صحيفة الدعوى من جانب المدعي، وإلا فإن المحكمة لا تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها. ومثال ذلك، أن يكون الحكم قابلاً للبطلان لأكثر من سبب، كأن يكون قد صدر خارج نطاق اتفاق الأطراف من جهة، وبعد انقضاء مدة التحكيم من جهة أخرى، وبسبب استناده لإجراء باطل أثــّر فيه من جهة رابعة. إلا أن المدعي، أقام دعواه بالبطلان استناداً للسبب الأول دون الأسباب الأخرى. في هذا المثال، ينحصر دور المحكمة في بحث ذلك السبب دون الأسباب الأخرى، وليس لها أن تقضي بالبطلان من تلقاء نفسها استناداً لتلك الأسباب، حتى لو ثبت لها توفرها أثناء إجراءات الدعوى. وكما نرى، ليس للمحكمة هنا تطبيق القواعد العامة في الإجراءات، التي تقضي بصلاحية محكمة الاستئناف بنقض الحكم، حتى لأسباب لم يوردها المستأنف في لائحة استئنافه. وبخلاف ذلك، يكون القرار القاضي ببطلان حكم التحكيم معيباً وعرضة للنقض.

 

70-       الثاني: يتوجب على المدعي إثبات توفر شروط حالة البطلان، وليس للمحكمة التدخل في ذلك، وهو ما تقضي به القواعد العامة، بخلاف ما إذا كان البطلان بسبب مخالفة النظام العام، حيث يكون من واجب المحكمة التدخل حتى في البينات وطلبها، أو الإشارة إلى بينات موجودة في ملف الدعوى التحكيمية، لإثبات البطلان بسبب مخالفة الحكم للنظام العام.

 

71-       ومن جهة أخرى، فإن البطلان هنا يلاحق حكم التحكيم، حتى لو لم ترفع بشأنه دعوى بطلان وانقضت المدة المحددة لذلك قانوناً، في حال حدد القانون مثل هذه المدة. ففي هذه الحالة، إذا أراد المحكوم له تنفيذ الحكم، لا بد له أن يتقدم بطلب بذلك للجهة المختصة بتنفيذ الحكم. ومن واجب هذه الجهة، أن لا تأمر أو تحكم بالتنفيذ إذا كان الحكم مخالفاً للنظام العام.

 

72-       ومن جهة ثالثة، فإن بعض أسباب البطلان الأخرى، يمكن إدراجها أيضاً تحت هذه الحالة أي البطلان بسبب مخالفة النظام العام، ومثال ذلك نقصان أهلية أحد طرفي التحكيم أو المحكم، أو بطلان الحكم بسبب عدم اشتماله على كثير من البيانات الأساسية التي تطلبها القانون فيه، كالحيثيات والأسباب والمنطوق معاً.

 


 

(*)      هذا البحث مقتبس من كتاب الباحث، د. حمزة أحمد حداد، التحكيم في القوانين العربية، الجزء الأول، 2007، منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت، فقرات 631 – 680، وتم اقتباسه في 25/2/2008.

 

(1)       مثلاً من قطر ، مدنية كبرى 1044/97 ، تاريخ 24/12/1998؛ ومن دبي، طعن تمييزي 66، في 10/6/1995، عدد 6، ص 462 ؛ وطعن 277 ، في 13/10/2002، عدد 13، ص718 ؛ ومن أبو ظبي المحكمة الاتحادية العليا، طعن 32، في 8/7/2003، السنة 25، ص 1476؛ ومن لبنان، محكمة استئناف بيروت، الغرفة الثالثة، 3/10/2005، المجلة اللبنانية، عدد 37، ص 40.  ومن الكويت تمييز 9 تجاري، تاريخ 10/1/1993، عدد 21 ص67.

 

(2)       وهو ما استقر عليه الاجتهاد اللبناني، مثلاً تمييز مدني، الغرفة الخامسة، 25/2006، في 7/2/2006 (المجلة اللبنانية للتحكيم العربي والدولي، عدد 37، ص 49)؛ وتمييز مدني، هيئة عامة، قرار رقم 37/94، في 30/6/1994 (المجلة اللبنانية، عدد 1، ص 68).

 

(3)       ولكن، كما قالت محكمة استئناف كولومبيا البريطانية/كندا، في حكمها الصادر بتاريخ 24/10/1990، يبدو أن هناك توجهاً عالمياً نحو تضييق مجال التدخل القضائي في التحكيم التجاري (CLOUT, Case No. 25).

 

(4)       أنظر أيضاً استئناف بيروت المدنية، الغرفة التاسعة، قرار رقم 4/94، في 17/10/1994، المجلة اللبنانية، عدد 1، ص 72.

 

(5)        استئناف بيروت المدنية، 10/11/1987، المجلة اللبنانية، عدد 1، ص 60.

 

(5أ)     حمزة أحمد حداد، المرجع السابق، فقرة 630.

 

(5ب)    مثل القانون البحريني (م 242)، والقطري (م 205).

 

(5ج)    المادتان 18 و 19 من نظام التحكيم السعودي.

 

(6)       وفي لبنان، قضي بأن الطعن بحكم التحكيم عن طريق الاستئناف، لا يعني التنازل عن حق الطعن به عن طريق الإبطال، ما دام أن أسباب الاستئناف، ليست بالتحديد ذات الأسباب المقررة للطعن عن طريق الإبطال.  وعليه، من حق الطاعن التقدم بدعوى استئنافية، طالما أنه لا يزال ضمن المهلة القانونية المحددة للاستئناف (استئناف بيروت، تاريخ 4/3/998، المجلة اللبنانية، عدد 7، ص66).  قارن محكمة استئناف بيروت المدنية، الغرفة الأولى، 10/11/1987 (المجلة اللبنانية، عدد 1، ص59).

 

(7)       حمزة أحمد حداد، المرجع السابق فقرة 636 وما بعدها.

 

(8)       المادة (216) إماراتي، والمادة (243) بحريني، والمادة (208) قطري،  والمادة (770) ليبي.

 

(9)       وكما نرى، فإن هذا الحكم منتقد، وكان يفضل التفرقة بين أسباب بطلان ترجع للنظام  العام. وهذه يجوز للمحكمة إثارتها من تلقاء نفسها، وأسباب تعد من حقوق الأطراف الخاصة التي لا علاقة للنظام العام بها، وهذه لا يجوز التطرق إليها بالبحث وإصدار الحكم بشأنها، ما لم يثر الطرف المعني الدفع بها، بل ويقدم الدليل على ذلك.

 

(10)     وهو ما ذهب إليه القضاء اللبناني، ولكن دون تمييز بين حالات البطلان التي هي من النظام العام، والحالات الأخرى (استئناف بيروت المدنية، الغرفة  التاسعة، القرار رقم 1017، في 29/12/1994، المجلة اللبنانية، عدد 1، ص 73).

 

(11)      وفي حكم من الكويت، أنظر تمييز 188 تجاري، تاريخ 27/3/1985، عدد 5.

 

(12)      أنظر أيضاً استئناف بيروت، 14/10/2004، المجلة اللبنانية، عدد 32، ص15 ؛ ومحكمة استئناف الشمال، 222/96، تاريخ 2/5/996، المجلة اللبنانية، عدد 7، ص37).

 

 

(13)    وحسب محكمة استئناف بيروت، فإن الطعن بحكم التحكيم جائز حتى قبل تبليغه أصولاً (65/92، تاريخ 4/11/996، المجلة اللبنانية، عدد 7، ص34).

 

(14)    وكما ذهب حكم لبناني، فإنه يجوز الطعن بحكم التحكيم طيلة مدة مرور الزمن كقاعدة عامة (استئناف بيروت، 1778/2001، في 10/12/2001، المجلة اللبنانية، عدد 36، ص 22).

 

(15)    المادة (802). ومن تطبيقات ذلك، محكمة استئناف بيروت المدنية، الغرفة الأولى، 10/11/1987، المجلة اللبنانية، 1، ص 59؛ وكذلك تمييز مدني، الغرفة الخامسة، 23/2006، في 2/2/2006، المجلة اللبنانية عدد 37، ص 44.

 

(16)     وإذا صدر الأمر بتنفيذ الحكم من قاضي الأمور الوقتية حسب المادة (763)، وتم الطعن ببطلان الحكم، فإن من صلاحية قاضي البطلان وقف تنفيذ الحكم مؤقتاً (المحكمة العليا، طعن إداري 6/20 ق ، تاريخ 9/5/1974، مجلة المحكمة العليا، 1974، ص43).

 

(17)     أنظر أيضاً محكمة سنغافورة العليا، 8/5/2003 (CLOUT, Case No. 566).

 

(18)     بهذا المعنى استئناف القاهرة، 26/5/2004 (المجلة اللبنانية، عدد 35، ص 50). ولكن يستثنى من ذلك أن تكون الدولة التي صدر الحكم على أراضيها منضمة لاتفاقية نيويورك لسنة 1958، حول الاعتراض وتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية، إذا كان هذا الحكم لا يعتبر وطنياً حسب قانونها (المادة 2 من الاتفاقية المذكورة).

 

(19)     ما سبق، فقرة 6.

 

(20)     المادة (209/1) من القانون القطري.

 

(21)     مثل الحكم بأصل الدين مع الفائدة. إذ يمكن هنا فصل الفائدة وعدم الحكم بها لسبب أو لآخر (حكم من محكمة كولومبيا البريطانية/كندا، تاريخ 2/5/2001، CLOUT, Case No. 502).  

 

(22)    ومن أحكام القضاء اللبناني التي أخذت بتجزئة بطلان حكم التحكيم، محكمة استئناف بيروت، 4/3/1998 (المجلة اللبنانية، عدد 7، ص 66). وفي هذا القرار، أبطلت المحكمة أحد بنود الحكم لعدم التعليل واعتبرت ذلك من النظام العام، في حين ردت دعوى البطلان عن باقي أجزاء الحكم.  كما أخذت محكمة تمييز دبي بإمكانية تجزئة البطلان (طعن 307 ، تاريخ 30/11/2002 ، عدد 13، ص839).

 

(23)     قارن حكم لمحكمة النقض السورية، وجاء فيه أن للمحكمة في حال تجاوز المحكم لمهمته، أن توقف نفاذ حكمه أو تبطله، ولا يسوغ لها تجزئته (تاريخ 3/12/1950، ضاحي وبدر، ج1، رقم 1128).

 

(24)    مثلاً، المادة (311/ معاملات مدنية إماراتي)، والمادة (122/ مدني بحريني)، والمادة ( 144/ مدني سوري)، والمادة (138/ مدني عراقي)، والمادة (166/ مدني قطري)، والمادة (190/مدني كويتي).

 

(25)    المادة (209) قطري، والمادة (274) عراقي.

 

(26)    المادة (274) عراقي، والمادة (209) قطري.

 

(27)    المادة (801) لبناني. ومن تطبيقات هذا النص، محكمة بيروت الابتدائية، الغرفة الثالثة، قرار رقم 65، في 22/3/1994 (المجلة اللبنانية، عدد 1، ص 65)؛ استئناف بيروت المدنية، الغرفة التاسعة، قرار رقم 4/94، في 17/10/1994 (المجلة اللبنانية، عدد 1، ص 72).

 

(28)    أنظر أيضاً، طعن إداري 9/25 ق ، تاريخ 20/1/1985 ، مجلة المحكمة العليا، 1986، ص9.

 

(29)    المادة (276) عراقي، والمادة (209) قطري، والمادة (804) لبناني،  والمادة (217) إماراتي.  ومن تطبيقات ذلك في القانون الإماراتي، أنظر المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، طعن 330، تاريخ 6/2/1996، عدد 17، ص114.

 

(30)   ومن تطبيقات ذلك في مصر، استئناف القاهرة 59/121 ق تحكيم، في 29/11/2004.

 

(31)    مثلاً المادة (216/1/ب) إماراتي، والمادة (243/2) بحريني، والمادة (207/3) قطري، والمادة (800/2) لبناني، والمادة (769/2) ليبي.

 

(32)    في شروط المحكم القانونية، والجهة التي تعينه، أنظر حمزة أحمد حداد، المرجع السابق، فقرة 273 وما بعدها، وفقرة 299 وما بعدها.

 

(33)    بهذا المعنى حكم من محكمة هونغ كونغ العليا، 13/7/1994 (CLOUT Case No. 76).

 

(34)    ومثال ذلك، أن يتم تعيين (أ) محكماً، ولكنه يوقع على حكم التحكيم باسم "أ ومشاركوه" كشركة تضامن (أنظر بهذا المعنى، استئناف بيروت، 1778/2001، في 10/12/2001، المجلة اللبنانية، عدد 36، ص 21)؛ أنظر أيضاً تمييز هذا القرار، رقم 89/2005، في 19/4/2005 (المجلة اللبنانية، عدد 36، ص 34).

 

(35)    حمزة أحمد حداد، المرجع السابق، فقرة 299 وما بعدها.

 

(36)    استئناف القاهرة، 26/2/2003 (المجلة اللبنانية، عدد 32، ص 26).

(37)     وفي حكم قضت محكمة النقض السورية، بأن المحكمة التي تم الاتفاق على التحكيم أمامها، أثناء نظر النزاع، لا يحق لها أن تضع يدها ثانية على القضية بحجة أن المحكم تجاوز اختصاصه، ويجب إيداع الحكم لدى ديوان المحكمة لعرضه على رئيس المحكمة، بوصفه قاضياً للأمور المستعجلة (نقض مدني، في 29/11/1956، استانبولي، رقم 1684).

 

(38)    مثل القانونين البحريني والعراقي (حمزة أحمد حداد، المرجع السابق، فقرة 624 و625).

 

(39)    قارن تمييز البحرين، طعن 127/96، في 9/3/1997، مجموعة الأحكام، 1997، ص87.

 

(40)    وفي حكم من دبي، أن هذا المبدأ يطبق سواء كان التحكيم بالقانون أو بالصلح، وأن الخروج على المبادئ الأساسية في الإجراءات، يعتبر إخلالاً جوهرياً مؤثراً في الحكم، يؤدي إلى إبطاله (طعن 21، في 13/4/2003، عدد 14، ص 448؛ أنظر أيضاً، تمييز دبي، طعن 161، في 14/7/2003، عدد 14، ص 124).

 

(41)    وقضت محكمة استئناف بيروت بأنه إذا كلف المحكم المحامي بتقديم دفاعه ومرافعته، إلا أن المحامي لم يفعل ذلك، وإنما انسحب من القضية، فيكون المحكم أتاح له الفرصة، ولا يؤاخذ المحكم على الاستمرار في إجراءات التحكيم (تاريخ 14/10/2004، المجلة اللبنانية، عدد 32، ص 19).

 

(42)    بهذا المعنى، حكم محكمة هونغ كونغ العليا، 16/12/1994 (CLOUT Case No. 88).

(42أ)     في هذه المسألة تفصيلاً، انظر حمزة أحمد حداد، المرجع السابق، فقرة 492 وما بعدها.

(43)    مثلاً،  المادة (216) إماراتي، والمادة (207) قطري، والمادة (800) لبناني،والمادة (769) ليبي.

 

(44)    وقضي في لبنان بأن رفض رئيس الغرفة الابتدائية طلب تمديد مهلة التحكيم، لا يعني بالضرورة سقوط شرط التحكيم، ويمكن للأطراف القيام بتحكيم جديد استناداً للاتفاق ذاته (استئناف بيروت، الغرفة الثالثة، 13/10/2005، المجلة اللبنانية، عدد 37، ص 40).

 

(45)    المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي، طعن 640، السنة 22ق، في 19/11/2002.

 

(46)    وفي حكم من لبنان، فإن مدة التحكيم القانونية (ستة أشهر)، تسري على المحكم بالصلح (بيروت الابتدائية، الغرفة الأولى، رقم 9/53، في 3/3/2003 المجلة اللبنانية، عدد 25، ص45).

 

(47)     نقض مدني سوري، رقم 224/678، في 10/4/1963؛ ورقم  32/102، في 4/2/1964؛ ورقم 680/546 في 23/12/1959 (ضاحي وبدر، ج1، رقم 1104، و1105 و1107).  ويظهر من بعض هذه الأحكام، أن القضاء فرّق بين مدة التحكيم المتفق عليها، والمدة المحددة قانوناً. ففي الحالة الأولى، يسقط الاتفاق، بعكس الثانية حيث يبقى الاتفاق قائماً، وتطبق بشأنه المادة (520). ونحن لا نؤيد هذه التفرقة، ونرى تطبيق حكم واحد على الأمرين وفق ما ورد في المتن. قارن الحكم الصادر في 31/2/1957 (ضاحي وبدر، ج1، رقم 1130).

 

(48)     نقض مدني سوري، رقم 293/348، في 2/9/1964؛ ورقم 3031/1916، في 30/12/1965 (ضاحي وبدر، ج1، رقم 1106 و1109).

 

 (49)   حمزة أحمد حداد، المرجع السابق، فقرة 521 وما بعدها، ومنها الفقرات 525، 527/1، 546، 547. ونشير هنا أيضاً إلى أن القانون السوري، مع أنه لا يعرف دعوى إبطال الحكم، إلا أنه قضي في سوريا بأن حكم التحكيم الخالي من اتفاق التحكيم، وخلاصة أقوال الطرفين ومستنداتهم، ومكان التحكيم، يجعله باطلاً ولو تم إعفاء المحكم من التقيد بقواعد الأصول والقانون (استئناف دمشق 143، في 11/11/1965، استانبولي، رقم 1733).

 

(50)     وهو ما عبّر عنه القانون الليبي بإبطاله الحكم، إذا "تضمن تناقضاً صارخاً" (المادة 469/4).

 

(51)     ولكن قضي في مصر، بأنه ليس لقاضي البطلان مراقبة حسن تقدير المحكمين، وصواب أو خطأ اجتهادهم في فهم وقائع النزاع وتكييفه أو تفسير القانون وتطبيقه (استئناف القاهرة، 30/3/2005، المجلة اللبنانية، عدد 36، ص 53). وقضي في لبنان بأن قاضي البطلان لا ينظر في صحة التعليل من قبل المحكم، ولا في مدى انطباقه على أحكام القانون، ولا تناقض الأسباب للبطلان (تمييز لبنان، 29/11/2005، المجلة اللبنانية، عدد 36، ص 36).

 

(52)     ولكن قضي في مصر بأن تناقض أسباب الحكم، لا تسمح لقاضي البطلان مراجعته، ولا يجوز له بالتالي إبطال الحكم على هذا الأساس (إستئناف القاهرة، الدائرة 91 تجاري، في 27/11/2002، مجلة التحكيم، عدد 28، ص70).

 

(53)     بهذا المعنى أيضاً، تمييز دبي، رقم  403/2003، في 13/3/2003.