مشاكل اتفاق التحكيم في الدول العربية
يمر التحكيم في الدول العربية بالعديد من المشاكل والأزمات، في مختلف
مراحله، بدءاً من اتفاق التحكيم، وانتهاء بحكم التحكيم وتنفيذه، مروراً
بتشكيل هيئة التحكيم وبإجراءاته. ويتناول هذا البحث، بعض مشاكل التحكيم
عند الاتفاق على التحكيم، من واقع النصوص القانونية التي تحكم المسألة،
والحياة العملية وتوجهات القضاء بشأن هذه المشاكل.
أولاً: بوجه عام
عندما نتحدث عن التحكيم، فإننا نقصد بذلك التحكيم الاتفاقي، أي المبني على
اتفاق الطرفين باللجوء إلى التحكيم بدلاً من القضاء، وليس التحكيم
الإجباري، أو أي تحكيم آخر لا يقوم على الاتفاق. وهذا هو التحكيم، أي
التحكيم الاتفاقي، المبينة أحكامه في القوانين العربية، إما في قانون
المرافعات أو الإجراءات المدنية، كما هو الحال في غالبية دول الخليج، أو في
قانون خاص به، كما هو الحال في العديد من الدول العربية التي تبنت حديثاً،
قوانين خاصة بالتحكيم، مثل مصر وعُمان وفلسطين والأردن والسودان.
وقد اثبتت الخبرة العملية والتطبيق القضائي للأحكام القانونية الخاصة
بالتحكيم، تعرض التحكيم للعديد من المشاكل أثناء فترة انعقاد اتفاق
التحكيم.
ففي كثير من الأحيان، يتم إبرام الاتفاق من رجال أعمال، قد لا يعرفون معنى
التحكيم وأهمية الاتفاق عليه، بالنسبة للصفقة التجارية موضوع الاتفاق.
وغالباً ما يرد شرط التحكيم في نهاية العقد، بعد اتفاق الأطراف على كافة
البنود المالية الخاصة بالعقد من حقوق والتزامات لهم أو عليهم، يطول
التفاوض أو يقصر حولها، حسب قيمة الصفقة التجارية وأهميتها بالنسبة لهم.
ويعتقد الأطراف، أنهم بإنجاز هذه البنود، يكونوا قد توصلوا إلى اتفاق فيما
بينهم ليصلوا إلى شرط التحكيم، فيعتقدون أنه ليس له أهمية تذكر في العقد،
الذي أنجزوا كافة أحكامه، فيمرون عليه مرور الكرام ويوافقون عليه دون
مناقشة تذكر. لذلك، يطلق البعض على شرط التحكيم، بأنه شرط منتصف الليل، أي
أنه آخر بند يتم الاتفاق عليه بين الأطراف، أحياناً بصورة متأخرة من الليل
أو في ساعات الصبح الأولى من اليوم التالي().
ثانياً: أهمية اتفاق التحكيم
ولا شك أن كثيراً من الشركات، تدرك أهمية اتفاق التحكيم من تجاربها أو
تجارب غيرها، فأصبحت تعطيه الأولوية الأولى في المفاوضات العقدية، وهو
بالنسبة لها ليس شرط منتصف الليل، وإنما هو الشرط الذي لا تقل أهميته عن
أهمية موضوع الصفقة ذاتها. وعلى سبيل المثال، أذكر في الواقع العملي، أنه
كانت هناك صفقة بين شركات عربية من طرف، وشركة غربية ذات بُعد دولي من طرف
آخر. وبعد اتفاق الطرفين على كافة بنود العقد، بما في ذلك قيمة الصفقة التي
كانت تبلغ آنذاك حوالي خمسين مليون دولار أمريكي، ابتدأ الطرفان بمناقشات
حول كيفية تسوية المنازعات في حال حدوث خلاف بينهما بشأن العقد. وكانت
الشركة الغربية قد أدرجت في العقد شرط التحكيم أمام أحد مؤسسات التحكيم
الغربية المعتبرة، إلا أن الشركات العربية، اقترحت القضاء الوطني لتسوية
النزاعات والذي رُفض تماماً من الشركة الغربية. ثم وافقت الشركات العربية
على مبدأ التحكيم، إلا انها اقترحت إحدى مؤسسات التحكيم الأخرى، التي تفوق
في أهميتها وتجربتها الدولية في التحكيم، المؤسسة المقترحة من الشركة
الغربية. إلا أن الشركة الغربية رفضت ذلك، وكان جوابها حاسماً وقاطعاً
للشركات العربية، إما أن توافقوا على شرط التحكيم كما هو مقترح من جانبها،
أو انتهاء المفاوضات دون إبرام العقد. وبمعنى آخر، فإن الشركة الغربية
وضعت شرط التحكيم في كفة، وكل المعطيات الأخرى للصفقة في كفة أخرى. فإما
التحكيم وفق الاقتراح الوارد في العقد، أو لا صفقة نهائياً. ونظراً لحاجة
الشركات العربية لاتمام الصفقة، فقد وافقت من حيث النتيجة على طلب الشركة
الغربية.
هذا الموقف وغيره كثير في الحياة العلمية، يدل بشكل قاطع على مدى أهمية شرط
التحكيم وخطورته في تسوية المنازعات. ويرجع ذلك إلى عدة عوامل. فاتفاق
التحكيم، يتضمن عملياًً نزع الاختصاص من القضاء بصورة مبدئية()،
وإحالة النزاع المالي إلى التحكيم بواسطة قاض خاص، يعطي الأطراف حرية
اختياره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وقد أثبت التطبيق العملي أن المحكمين
في كثير من الأحيان لا يحسنون أداء مهمتهم سواء بحسن نية أو بسوء نية، مثل
عدم فهمهم للوقائع أو تكيفيها تكييفاً صحيحاً، وعدم تطبيق القانون الواجب
التطبيق على النزاع بصورة سليمة، وعدم فهمهم لهذا القانون أو تفسيره، بل
أحياناً ارتكابهم أخطاء جسيمة في العملية التحكيمية بالنسبة للوقائع أو
القانون أو كليهما معاً، دون وجود رقابة عليهم أحياناً، من جهة أعلى، وبشكل
خاص بالنسبة للوقائع().
وهنا نود أن نشير إلى أن التوجه الحديث يميل بشكل واضح إلى أن أحكام
التحكيم تحوز حجية الشيء المقضي به منذ صدوره، وهو غير خاضع للطعن
بالاستئناف، وإنما للطعن بالبطلان لأسباب محددة حصراً، مما يقلل الرقابة
على أعمال المحكمين وأحكامهم().
والاتفاق على التحكيم، وإن كان يتضمن نزعاً للاختصاص القضائي بصورة مبدئية،
إلا أنه أبعد من ذلك وأكثر تعقيداً، إذ يتضمن الجهة التي ستفصل بالنزاع، أي
المحكمين، وكيفية اختيارهم والإجراءات أمامهم، بما في ذلك تحديد صلاحياتهم،
وبينات الدعوى، والقانون الواجب التطبيق على النزاع الذي قد يكون قانوناً
أجنبياً، ومكان التحكيم الذي قد يكون أيضاً في دولة أجنبية. وهذه المسائل
وغيرها، ينتابها الكثير من التعقيد إلى حد كبير. ومع ذلك، قد تكون موضعاً
لاتفاق الأطراف على التحكيم، بل الأصل الاتفاق عليها، بخلاف القضاء الرسمي،
الذي لا يحتاج إلى وجود اتفاق على الإحالة له، بل لا يوجد مثل هذا الاتفاق
في الواقع العملي، والذي تتم الإجراءات أمامه بنصوص قانونية أغلبها آمر.
ويلاحظ كذلك بالنسبة
للتحكيم
بالصلح
بشكل خاص، أن هيئة التحكيم لا تتقيد بالقانون الموضوعي المطبق على النزاع،
وإنما تقضي وفق قواعد العدل والإنصاف. ويتضمن هذا النوع من التحكيم،
إمكانية
التنازل عن بعض الحقوق بمقابل أو بدون مقابل، وتفويض هيئة التحكيم بذلك().
هذه الأمور وغيرها كثير، تجعل من اللجوء للتحكيم أمراً في غاية الأهمية
والخطورة بالنسبة لرجال الأعمال، وخاصة في الصفقات المالية كبيرة الحجم.
ومن هنا تبرز أهمية شرط التحكيم. فالمسألة ليست اللجوء للتحكيم فحسب،
وإنما كيفية هذا اللجوء، ولأي جهة، وما هي حدود المهمة الملقاة على عاتق
المحكمين، ومن هم المحكمون الذين سينظرون النزاع، وما هي مؤهلاتهم. لذلك،
في مثالنا السابق، فإن الشركة الغربية لم تركز على اللجوء للتحكيم فحسب،
وإنما على جهة معينة تكون مسؤولة عن إدارة التحكيم والإشراف عليه دون
غيرها، ولو أدى ذلك إلى إلغاء الصفقة في حال عدم تحقق رغبتها.
وبالرغم من ذلك، نجد أن رجال الأعمال العرب لا يولون، في كثير من الأحيان،
اتفاق التحكيم الأهمية التي كان يجب أن تعطى له، فيقعون بالمحاذير والمشاكل
التي كان يمكن تلافيها، بإعطاء هذا الاتفاق الأهمية اللازمة له، قبل توقيع
العقد المتضمن لشرط التحكيم.
ثالثاً: صياغة اتفاق التحكيم
وفي الحياة العملية، فإن شرط التحكيم يمكن أن يكون بأبسط صيغة ممكنة،
كالقول مثلاً أن أي خلاف حول هذا العقد، تتم تسويته باللجوء للتحكيم. ومثل
هذا الاتفاق الصحيح، أثار ويثير مشاكل حول مسائل أخرى لم يتضمنها الشرط،
مثل مكان التحكيم، والقانون المطبق على النزاع، ولغة التحكيم، وكيفية تعيين
المحكمين، ومؤهلاتهم. بل أبعد من ذلك، فإن شرطاً كهذا، يثير الخلاف حول
تفسيره، أي ما يشمله التحكيم وما لا يشمله. فإذا حصل خلاف حول صحة العقد أو
فسخه أو انفساخه، أو حتى صحة شرط التحكيم ذاته، فهل يكون من اختصاص هيئة
التحكيم الفصل في هذا النزاع؟! أم يكون فصله من اختصاص القضاء باعتبار أن
المنازعة تدور أصلاً حول صحة الشرط، وبالتالي اختصاص هيئة التحكيم ذاتها؟
ورب قائل أنه من غير المعقول إعطاء الاختصاص
لجهة خاصة لتفصل هي ذاتها باختصاصها، حيث تكون هي
الحكم والخصم في آن واحد.
رابعاً: الشروط الاتفاقية
لذلك، يفضل عند الاتفاق على التحكيم، عدم الاكتفاء بشرط عام في هذا الشأن
وإنما، إذا اقتضى الأمر، تفصيله إلى الحد اللازم، بحيث يعرف كل طرف من
أطراف العقد حدود اللجوء للتحكيم، وشروطه، وأحكامه الهامة الأخرى، مما يزيل
الإشكال مسبقاً حول مسألة أو أكثر من مسائل النزاع الشكلية أو الموضوعية،
وإلا أدى ذلك إلى مشاكل مستقبلية، تعيق العملية التحكيمية وتؤدي حتماً إلى
تأخير الفصل في النزاع، مع أن من أهم أسباب اللجوء للتحكيم، هو فرضية سرعة
البت في النزاع بعيداً عن الشكليات ما أمكن، والتي يُعفى بها القضاء، بسبب
قوانين الإجراءات أو المرافعات المدنية. ويدلنا الواقع العملي، على أن
كثيراً من قضايا التحكيم، يتأخر الفصل بها لأسباب شكلية، لم يتم الاتفاق
مسبقاً عليها بين الأطراف في اتفاق التحكيم، مثل مكان التحكيم ولغته
والقانون المطبق على النزاع، ونطاق الاتفاق وحدوده، وكيفية تعيين المحكمين.
خامساً: نموذج لاتفاق التحكيم
ولو فرضنا أن الأطراف يقصدون فعلاً تسوية كافة منازعاتهم الناجمة عن عقد ما
أو المتعلقة به للتحكيم، مهما كانت طبيعة هذه المنازعة، يمكنهم الاتفاق على
التحكيم، وفق ما يلي مثلاً:
-
أي خلاف مهما كانت طبيعته ناجم عن هذا العقد، أو متعلق به، مثل تنفيذه أو
تفسيره أو انقضائه، بسب البطلان أو الفسخ أو غير ذلك، تتم تسويته باللجوء
إلى التحكيم.
-
يكون مكان التحكيم ...................
-
تكون لغة التحكيم ...............
-
يكون القانون .................. هو القانون الموضوعي
المطبق على النزاع.
-
يتم الفصل بالنزاع بواسطة ثلاثة محكمين يتم تعيينهم وفق
ما يلي:
*
يعين كل طرف محكماً عنه خلال فترة .................
*
يعين المحكمان المذكوران المحكم الثالث خلال فترة
................. والذي يتولى رئاسة هيئة التحكيم.
-
يشترط في المحكم المعين من أحد الطرفين أن يكون مهندساً
(................... مدنياً .........)،
وفي المحكم الثالث أن يكون محامياً، ولا يجوز أن يكون أي محكم من جنسية أحد
الطرفين.
-
إذا لم يعين أحد الطرفين محكماً عنه، أو إذا لم يعين المحكمان المعينان عن
الطرفين المحكمَ الثالث، يتم تعيين المحكم من قبل
..........................، وتتولى سلطة التعيين هذه، تعيين أي محكم تنقضي
مهمته أثناء إجراءات التحكيم لأي سبب، مثل الوفاة والرد والاستقالة والعزل
بالاتفاق.
-
يجوز للاطراف تمثيل انفسهم أو تعيين ممثلين عنهم في التحكيم، سواء كانوا من
المحامين أو غيرهم.
سادساً: شروط أخرى في الاتفاق
ويمكن بطبيعة الحال إضافة شروط أخرى في اتفاق التحكيم، مثل اشتراط أن يكون
المحكم من جنسية أو جنس معين، وأنه في حال إبطال حكم التحكيم لأي سبب يسقط
اتفاق التحكيم، ويحق لأي من الطرفين اللجوء للقضاء لتسوية النزاع، وأنه لا
يجوز اللجوء للتحكيم إلا إذا توفرت شروط معينة، مثل شرط المفاوضات السابقة
على اللجوء للتحكيم لمدة ثلاثة أشهر (مثلاً)، أو يرسل أحد الطرفين للطرف
الآخر خطاباً خلال فترة معينة (خمسة عشر يوماً) من فشل المفاوضات، أو
انقضاء فترة الثلاثة أشهر، يشعره فيه أنه سيلجأ للتحكيم، أو إحالة النزاع
لشخص ثالث وسيط، وتفشل مساعي الوساطة قبل اللجوء للتحكيم، وما إلى ذلك من
شروط.
ومن الجدير بالذكر أن كافة شروط اللجوء للتحكيم وأحكامه، تعتبر صحيحة وفقاً
للقواعد العامة، وهي من حق أطراف العقد الذين لهم أن يدرجوا في اتفاقهم ما
يشاؤون من أحكام. والقيد الوحيد على ذلك، هو النظام العام حسب القواعد
العامة، بمعنى أنه يجب أن لا يكون في اتفاق التحكيم أي شرط مخالفاً للنظام
العام، مثل الاتفاق على تعيين محكم لا تتوفر فيه الشروط القانونية العامة
الواجب توفرها في الشخص حتى يعمل محكماً، مثل الأهلية التي تتفق القوانين
على اشتراطها، وأن لا يكون المحكم هو نفسه الخصم في الدعوى التحكيمية، أو
جزءاً من الخصومة التحكيمية.
ولا شك أن الاتفاق على المسائل الأساسية في التحكيم، تساعد الأطراف وهيئة
التحكيم ومؤسسة التحكيم، مستقبلاً في حال نشوب النزاع، على حسن سير العملية
التحكيمية، مما يخفف من المنازعات الشكلية، ويقصّر من أمد تسوية النزاع.
ففي مثالنا السابق، يفترض أن لا تكون في المستقبل منازعة جدية بين
الأطراف، مثلاً، حول مكان التحكيم ولا لغته ولا القانون المطبق على النزاع،
ولا أسلوب أو كيفية تعيين المحكم، وهذا بدون شك مفيد للعملية التحكيمية.
سابعاً: مسألة (كلمة التحكيم أو غيرها في الاتفاق)
وبالمقابل، فإن الغموض في اتفاق التحكيم، أثار ويثير مشاكل هامة في الحياة
العملية، قد يستغلها أحد الأطراف لإعاقة التحكيم، سواء نجح في ذلك من حيث
النتيجة أم لم ينجح. وعلى سبيل المثال، جاء في أحد القضايا، أن العقد
المتضمن لاتفاق تسوية المنازعات، نص على أنه في حال الخلاف حول العقد، يتم
تعيين شخص لاقتراح الحلول الودية أو التوفيقية بين وجهتي نظر طرفي النزاع().
وهنا ثار الخلاف حول ما إذا كان مثل هذا الشرط يعتبر اتفاق تحكيم أم لا.
وفي قضية أخرى، كانت عبارات الاتفاق تشير لتعيين خبير لإثبات حقوق الطرفين،
ويكون تقريره ملزماً لهما، وليس لأي منهما الطعن بهذا التقرير او الاعتراض
عليه().
وثار الخلاف هنا أيضاً حول مدى اعتبار هذا البند التعاقدي اتفاق تحكيم،
وقد اعتبر القضاء ان العبارات في الحالة الأولى لا تعني التحكيم، بخلاف
الثاني بالرغم من أن الاتفاق الثاني استخدم مصطلح أو كلمة "خبير" وليس
مصطلح "محكم".
وهذا يقودنا إلى القول بأنه عند صياغة اتفاق التحكيم، يتوجب على الأطراف
استخدام الكلمات والعبارات المناسبة التي تدل على التحكيم فعلاً، ويفضل في
هذه الحالة استخدام ذات العبارة، خوفاً من أي اجتهاد مخالف في المستقبل.
ثامناً: مسألة (غموض اللجوء لمركزي تحكيم)
وفي قضية، ورد شرط التحكيم بصيغة أنه في حال وقوع النزاع بين الطرفين، تتم
تسويته باللجوء لمركز (أ) أو لمركز (ب) التحكيمي. وعندما نشب الخلاف فعلاً،
لجأ أحد الطرفين للتحكيم أمام المركز (أ)، في حين لجأ الثاني للمركز (ب) في
دعوى مستقلة. والمشكلة التي ثارت هنا، هي أثر ذلك على اتفاق التحكيم من
جهة، وعلى الاختصاص بالفصل بالنزاع من جهة أخرى. ومن حيث النتيجة، ذهبت بعض
أحكام القضاء إلى استحالة تنفيذ اتفاق التحكيم في هذه الحالة، مما يؤدي إلى
سقوطه().
وحتى لا يكون هناك مجال للاجتهاد حول هذه المسألة، كان يجب أن يرد اتفاق
التحكيم بصيغة واضحة ومحددة من حيث اللجوء لأحد هذين المركزين فقط، دون
الإشارة للمركز الثاني لأنه لا لزوم لذلك أصلاً.
تاسعاً: مسألة (الشروط المسبقة للتحكيم : شرط المفاوضات)
ومن حيث المشاكل التي يثيرها شرط التحكيم، ما يمكن تسميته بالشروط المسبقة
للتحكيم، وأهمها شرط المفاوضات الودية. ففي كثير من اتفاقيات التحكيم، نجد
أن الشرط المتضمن للتحكيم، يقضي بأن أي خلاف بين الطرفين، يجب تسويته
ودياً. فإذا تعذرت التسوية الودية خلال فترة معينة (ثلاثة أشهر مثلاً)، يحق
لأي من الطرفين اللجوء للتحكيم بعد ذلك. وذهبت بعض أحكام القضاء، الى أنه
يجب إعمال الشرط المسبق للتحكيم قبل الذهاب للتحكيم، وإلا يتعين على هيئة
التحكيم رد الدعوى لعدم الاختصاص().
وعلى ذلك، فإن شرطاً كهذا، وخاصة شرط المفاوضات المسبقة، يُحدث إرباكاً في
العملية التحكيمية، أو يثير اللبس عند تنفيذ حكم التحكيم، في حال اللجوء
للتحكيم دون إعمال شرط المفاوضات المسبقة، أو أثناءها بالرغم من عدم انقضاء
مدة المفاوضات المتفق عليها، حتى لو كان من الواضح، أن مسيرة المفاوضات
ستؤدي إلى فشل هذه المفاوضات. وهنا نود الإشارة إلى أنه في الحياة العملية،
يندر أن يلجأ أحد الطرفين للقضاء أو التحكيم لتسوية النزاع المالي، قبل
محاولة تسوية النزاع ودياً، بل وتكرار ذلك. وبمعنى آخر، فإن آخر ما يلجأ
إليه صاحب المصلحة، هو القضاء أو التحكيم، بعد أن يكون قد استنفذ المحاولة
الودية لتسوية النزاع، حتى لو لم ينص العقد على ذلك. وبناء عليه، نرى بأن
وجود مثل هذا الشرط في اتفاق التحكيم، لا معنى له في غالبية الأحوال سوى
خلق مشكلة مستقبلية لا لزوم لها، وبالتالي نفضل عند إبرام اتفاق التحكيم
عدم النص على شرط المفاوضات السابقة على التحكيم.
حتى في حال وجود مثل هذاالشرط، نرى حل المسألة حلاً عملياً لحسن سير
التحكيم وتحقيق الهدف منه، فإذا لجأ أحد الطرفين للتحكيم قبل تحقق شرط
المفاوضات المسبقة، فإن مقتضيات العدالة وطبيعة العمل التحكيمي، تتطلبان
وقف السير في الدعوى التحكيمية، وليس ردها شكلاً، إذا اعترض الطرف الآخر
عليها بسبب تقديمها قبل أوانها، بحجة عدم اللجوء للمفاوضات قبل رفع الدعوى.
في هذا الفرض، يمكن لمؤسسة التحكيم المقدمة لها الدعوى التحكيمية، أو لهيئة
التحكيم حسب الأحوال، أن تقرر تعليق إجراءات التحكيم، وإعطاء الطرفين فرصة
للمفاوضات لفترة معينة، يتفقان عليها، أو تكون هي الفترة المنصوص عليها في
اتفاقهم الأصلي. فإذا انقضت الفترة دون توصل الطرفين لاتفاق تسوية، أو
اتفقا خلالها على استنفاذ فرصة التسوية وبالتالي فشل المفاوضات، تستمر
إجراءات التحكيم بناءً على طلب أحد الطرفين، الذي غالباً ما يكون المحتكم.
وإذا نجحت المفاوضات، تقرر الهيئة إنهاء الإجراءات وإغلاق ملف الدعوى
التحكيمية().
عاشراً: مسألة (تعيين المهندس الاستشاري محكماً)
ومن المشاكل العملية في التحكيم، اتفاق الأطراف في عقود الإنشاءات الهندسية
على تعيين المهندس الاستشاري (المشرف)، محكماً لتسوية النزاع بين صاحب
العمل والمقاول. وهنا يثور التساؤل فيما إذا كان مثل هذا التعيين صحيحاً أم
لا، وأثر ذلك على حكم التحكيم. وسبب المشكلة هنا، أن المهندس الاستشاري
معين من صاحب العمل للإشراف على أعمال المقاول، ويتقاضى أتعابه منه.
والمهندس بهذا المفهوم، يعتبر ممثلاً لصاحب العمل وينوب عنه في تنفيذ
الأعمال().
وكثير من المنازعات التي تنشب بين صاحب العمل والمقاول، تكون بسبب المهندس
سواء كانت بحق أو بغير ذلك. وعليه، فإن تعيين المهندس محكماً للفصل في
النزاع بين المقاول وصاحب العمل، يؤدي إلى القول أن المهندس هو الخصم
والحكم في آن واحد، وهذا مرفوض تماماً في تسوية النزاعات، سواء كانت عن
طريق القضاء أو التحكيم.
ومن هذا المنطلق، ذهبت بعض أحكام القضاء في الدول العربية، إلى عدم جواز
تعيين المهندس الاستشاري محكماً في النزاع بين صاحب العمل (ويمثله المهندس)
وبين المقاول، لأن القول بغير ذلك، يقضي على مبدأ الحيدة والاستقلالية في
المحكم().
إلا أن أحكاماً أخرى، ذهبت عكس هذا الرأي، من حيث أن اللجوء للتحكيم يتم
بالاتفاق. وما دام المقاول يعلم بدور المهندس الاستشاري في تنفيذ عقد
المقاولة، وصلته بصاحب العمل، ليس له أن يطعن بتعيينه محكماً لتسوية
النزاع. فالتحكيم غير القضاء من هذه الناحية().
هذه الإشكالية، والإضطراب الذي يمكن أن ينشأ حولها، تؤدي إلى القول بأنه
يفضل عدم الاتفاق على تعيين المهندس الاستشاري محكماً في النزاع، إلا إذا
لم المهندس طرفاً في النزاع ولا يعلم به من جهة، وكانت صلته بصاحب العمل قد
انقضت مثل انتهاء المشروع بالتنفيذ أو غير ذلك، من جهة أخرى.
أحد عشر: مسألة (التوكيل بالتحكيم)
واتفاق التحكيم أثار إشكالاً آخر في الحياة العملية، يتعلق بالتوكيل في
إبرام اتفاق التحكيم. والسؤال المطروح هنا، هو فيما إذا كان من الجائز
إبرام اتفاق التحكيم بموجب وكالة عامة، أو يجب أن تكون هناك وكالة خاصة، في
حال عدم وجود نص تشريعي يغطي هذه المسألة.
وفي بعض الدول، اتجهت أحكام القضاء إلى القول، بأن الوكالة العامة تخول
الوكيل إبرام اتفاق التحكيم. وفي دول أخرى، ذهب القضاء إلى أنه لا بد من
وكالة خاصة في هذا الشأن().
ومنعاً للإشكال، نرى النص صراحة في الوكالة على صلاحية الوكيل إبرام اتفاق
تحكيم بشأن المسألة المتنازع عليها. وبمعنى آخر، يفضل إعطاء وكالة خاصة
باتفاق التحكيم في كل نزاع أو مجموعة نزاعات على حدة، وإن كنا نرى أن جواز
قبول الوكالة العامة المنصوص فيها صراحة إعطاء الوكيل حق إبرام اتفاقيات
التحكيم بشأن أي نزاع.
اثنا عشر: مسألة (كتابة الاتفاق)
وغالبية الدول العربية، إن لم يكن كلها، تنص صراحة على أن اتفاق التحكيم
يجب أن يكون مكتوباً().
ومن المشاكل التي ثارت حول الكتابة، وجود أمر شراء من أحد الطرفين
(المشتري) للآخر (البائع) يتضمن شرط تحكيم. لم يُجب البائع على أمر الشراء
بالقبول الصريح، وإنما قام بتنفيذ الصفقة. وفيما بعد، حصل خلاف بين المشتري
والبائع حول العقد. وفي حين تمسك أحدهما باللجوء للقضاء لعدم وجود اتفاق
تحكيم مكتوب، لجأ الآخر للتحكيم، على اعتبار أن تنفيذ العقد يعني قبول أمر
الشراء بكافة أحكامه، بما فيه شرط التحكيم. إلا أن القضاء رفض ذلك، وقال في
هذا الشأن، بأنه لا يجوز استخلاص الاتفاق على التحكيم من تنفيذ أحد الطرفين
لأمر الشراء الصادر من الطرف الأخر، والمتضمن شرط تحكيم().
ثلاثة عشر: مسألة (الإحالة لوثيقة أخرى)
وقد لا يرد شرط التحكيم في العقد الأصلي موضوع النزاع، وإنما يتضمن العقد
بنداً يحيل فيه لأحكام وثيقة أخرى تتضمن شرط تحكيم. ومثال ذلك، وثيقة
الشحن (البحري) التي تنظم العلاقة ما بين الشاحن (مالك البضاعة مثلاً)،
وبين الناقل البحري. فمثل هذه الوثيقة، تتضمن بعض أحكام تلك العلاقة دون
الأحكام الأخرى، حيث نجد فيها بنداً ينص على أنه تسري أيضاً على العلاقة،
أحكام عقد إجارة السفينة (مشارطة الإيجار) المبرم بين الناقل وبين مالك
السفينة، علماً بأن هذه المشارطة، تحتوي على شرط تحكيم. والسؤال المثار هنا
فيما إذا كان هذا الشرط غير الموجود في وثيقة الشحن فعلياً، يسري على
العلاقة بين الشاحن والناقل.
وقد اتجهت أحكام القضاء إلى القول بسريانه استناداً لقاعدة العقد شريعة
المتعاقدين().
إلا أن قوانين التحكيم الحديثة، تقضي بعدم سريانه، إلا إذا كانت الإحالة
واضحة، من حيث اشتمالها على شرط التحكيم. كالقول مثلاً تسري أحكام مشارطة
السفينة بما فيها من شرط التحكيم، على العلاقة بين الشاحن والناقل()check_content()