مقدمة
تتعلق ورقة العمل
هذه بدور المهندس في العقود الهندسية، وبشكل خاص في عقود الفيديك FIDIC. وسنتاول ذلك في أربع نقاط، نشير في الأولى منها للمادة 67
من الشروط العامة لعقود الفيديك، والثانية لماهية وصلاحيات المهندس،
والثالثة لبيان إذا ما كان يعتبر المهندس محكماً أم غير ذلك، والرابعة
لإعتبار الإحالة للمهندس بمثابة شرط مسبق للجوء إلى التحكيم.
أولاً: المادة 67 من الشروط العامة
1- تبين المادة (67) من الشروط العامة
لعقود الفيديك الخاصة بالعقود الإنشائية (طبعة 1987)، طريقة تسوية
المنازعات بين صاحب العمل والمقاول، وذلك في حالة نشوب أي نزاع بينهما، كما يلي:
1/1 يجب إحالة النزاع أولاً بصورة خطية
للمهندس الإستشاري مع نسخة منه للطرف الآخر، ويجب أن يتضمن كتاب الإحالة،
بأن هذه الإحالة تمت وفق المادة (67) من الشروط العامة.
1/2 يجب على المهندس أن يصدر قراره بالنزاع
ويبلغه للطرفين خلال (84) يوماً من استلامـه كتاب إحالة
النزاع له، ويجب أن يذكـر القرار بأنه تم صدروه بالإستناد
للمادة ( 67) من الشروط العامة.
1/3 إذا لم يرتض المقاول أو صاحب العمل
بقرار المهندس، أو أخفق الأخير بتبليغ القرار لهـما خلال مدة الـ
(84) يوماً، فيحق لأي طرف أن يشعر الطرف الآخر، مع نسخة للمهندس
للعلم، بنيـّته مباشرة إجراءات التحكيم بالنسبة للمسألة المتنازع عليها.
ويجب أن يتم هذا الإشعار خلال (70) يوماً من تاريخ استلام ذلك الطرف لقرار
المهندس أو، حسب الأحوال، من تاريخ انتهاء مدة الـ (84) يوماً المشار
إليها، في حال عدم إصدار المهندس قراره خلال تلك المدة. ومثل هذا الإشعار، يخوّل الطرف الذي أرسله بأن يذهب
للتحكيم في المسألة موضوع النزاع. ولا يجوز البدء بإجراءات التحكيم ما لم
يتم إرسال الإشعار.
1/4 إذا كان المهندس قد أصدر قراره وأبلغه
للأطراف خلال المدة المعينة لذلك، إلا أن أياً من الطرفين لم يرسل إشعار
التحكيم وفق ما هو مبين أعلاه، يصبح القرار نهائياً وملزماً للمقاول وصاحب
العمل.
1/5 وإذا توفرت شروط
المباشرة في التحكيم على النحو المشار إليه، فلا يحق للطرف
المعني، مع ذلك، أن يبدأ في إجراءات التحكيم فوراً، وإنما يتوجب على
الطرفين محاولة تسوية نزاعهما ودياً. وما لم يتفق الطرفان على غير ذلك،
يجوز البدء في هذه الإجراءات في اليوم (56) من إرسال إشعار التحكيم أو بعد
ذلك، حتى ولو لم تكن هناك أي محاولة للتسوية الودية.
1/6 وبعد توفر الشروط والمدد المذكورة،
يجوز عرض النزاع على التحكيم وفقاً لقواعد غرفة التجارة الدولية، ومقرها
باريس. ولهيئة التحكيم الصلاحية
الكاملة بأن تعدّل وتراجع قرار المهندس، وأي
رأي أو تعليمات أو شهادة أو تقييم صادر عنه فيما يتعلق
بالنزاع المطروح. ولا يتقيد الأطراف أمام هيئة التحكيم بأي بينات أو حجج
قدموها للمهندس. كما أن قرار المهندس، لا يمنع من مثوله كشاهد لدى هيئة
التحكيم بناءً على طلب أحد طرفي النزاع.
1/7 وإذا أصبح قرار المهندس نهائياً كما هو
مبين أعلاه، إلا أن أحد الطرفين أخفق في
تنفيذه، فيحق للطرف الآخر اللجوء للتحكيم بالاستناد للعقد ولقرار المهندس.
وفي هذه الحالة، لا تطبق البنود 1-5
المبينة أعلاه.
ثانياً: ماهية وصلاحيات المهندس
2- وهذه الأحكام، أثارت في الحياة
العملية مشكلة هامة تتعلق بدور المهندس فيما إذا كان محكماً أم لا،
وبطبيعة قراره الخاص بالنزاع، فيما إذا كان يعتبر حكماً تحكيمياً أم لا، خاصة إذا لم يعترض عليه الطرفان، وأصبح بالتالي ملزماً لهما، كما هو مبين في الفقرات السابقة.
ولمعرفة الإجابة على ذلك، يقتضينا الأمر معرفة الطبيعة القانونية للمهندس
وعلاقته بالطرفين أو بأحدهما. وقد عرفته المادة (1/1) من الشروط العامة
للفيديك، بأنه الشخص المعين من قبل صاحب العمل كمهندس لغايات العقد، أي
لغايات الإشراف على تنفيذ الأعمال وحسن سيرها. فهو إذن يتم تعيينه من قبل
صاحب العمل. ولكن، كما تقول المادة (2/6) من الشروط العامة، يتوجب على
المهندس أن يقوم بعمله ويمارس سلطته بحياد ضمن شروط العقد وأحكامه، وبعد
الأخذ بالاعتبار لكافة الظروف المحيطة.
3- ومن الصلاحيات المعطاة للمهندس في العقد ما يلي:
3/1 إصدار التعليمات للمقاول.
3/2 توضيح الأحكام الغامضـة في العقد.
3/3 احتفاظ المهندس بالتصاميم الخاصة
بالبناء.
3/4 إصدار المهندس تصاميم تكميلية للمقاول.
3/5 موافقة المهندس على برنامج عمل
المقاول وصلاحيته طلب تعديل هذا البرنامج.
3/6 مصادقة المهندس على ممثلي المقاول في موقع
الأعمال، وسحب هذه المصادقـة في أي وقت.
3/7 حق المهندس بأن يطرد من الموقع أي شخص معيـن من المقاول.
3/8 صلاحية المهندس بطلب فحص المواد
المستخدمة في تنفيذ الأعمال وتفقدها في الموقع، ورفضها واستبدال غيرها بها.
3/9 فحص وقياس الأعمال المنفذة من قبل
المقاول أو أي جزء منها.
3/10 طلب إخراج أي مواد من الموقع يرى أنهـا غير مطابقة للمواصفات.
3/11 الطلب من المقاول
وقف تنفيذ الأعمال لمدة مؤقتة.
3/12 إصدار شهادة تسلم الأعمال كلياً أو جزئياً.
3/13 إصدار الأوامر التغييرية للمقاول.
3/14 تقدير قيمة الأعمال المنفذة نتيجة ذلك،
والمصادقـة على دفعـها.
3/15 عدم إخراج أي آلة من الموقع إلا
بموافقته.
3/16 المصادقة على شهادات الدفع الشهرية
والنهائية للمقاول.
4- والمهندس بهذا المفهوم والصلاحيات
المعطاة له في عقد المقاولة، يعتبر ممثلاً لصاحب العمل، وينوب عنه في
الإشراف على تنفيذ الأعمال. ولكن بالنسبة لعرض النزاع
عليه وفق المادة (67) المشار إليها، فمن المفروض أنه حيادي ويعمل بشكل
مستقل عن طرفي النزاع0. إلا أن الواقع يشير في كثير
من الأحيان إلى غير ذلك، لسببين على الأقل.
4/1 الأول – أن المهندس معين من
قبل صاحب العمل ويمثله كما ذكرنا، وصاحب العمل هو الذي يدفع له أجوره. الثاني
– أن كثيراً من المنازعات بين المقاول وصاحب العمل، إن لم يكن أغلبها، يكون سببها المهندس نفسه باعتباره ممثلاً لصاحب
العمل، والعلاقة المباشرة طيلة العقد إنما تكون بينه وبين المقاول، وليس
بين المقاول وصاحب العمل.
4/2 فالمقاول يطلب أمراً معيناً، مثل
تمديد مدة العقد، والمهندس يرفض ذلك كلياً أو جزئياً. والعكس أيضاً، المهندس يطلب
أو يصدر أمراً تغييرياً مثلاً، والمقاول يرفض هذا
الأمر،
وهكذا طيلة فترة العقد. وبناءً عليه، يحصل الخلاف بين المقاول وصاحب
العمل. ومع ذلك، يجب إحالة هذا الخلاف على المهندس أولاً قبل اللجوء لأي
إجراء آخر. في مثل هذه الظروف، يصعب القول أن
المهندس حيادي في إصدار قراره. وهذا يفسر قلة الحالات التي يقبل فيها
المقاول قرار المهندس، دون الاعتراض عليه وإحالة النزاع للتحكيم1.
ثالثاً: المهندس ليس
محكماً
5- وبناءً عليه، من الصعب القول بأن
الاتفاق على إحالة الخلاف إلى المهندس للفصل فيه استناداً للمادة (67)، هو
اتفاق تحكيم. فالطرفان، لا يقصدان إعطاء المهندس صلاحية البت في النزاع
بصورة قاطعة. وقرار المهندس، وإن سمّي قراراً، ليس أكثر من وجهة نظر تمثل
رأيه في النزاع، ويكون لأي من الطرفين مطلق الحرية في قبوله أو رفضه دون
مسؤولية. وفي حال رفضه من أحدهما أو كليهما، فلا إلزام في تنفيذه في مواجهة
أي منهما. بل أن المهندس، لا يجبر أصلاً على إصدار قرار في النزاع المعروض
عليه. وكل هذا مخالف تماماً لطبيعة وآثار اتفاق التحكيم. وهذا يقودنا إلى
القول، بأن اللجوء للمهندس وفق المادة (67) من شروط الفيديك، ليس أكثر من شرط تعاقدي يجب توفره مسبقاً قبل اللجوء للتحكيم، في
محاولة لتسوية النزاع ودياً، وقرار المهندس ليس قراراً تحكيمياً2، فلا يخضع هذا الشرط
التعاقدي ولا قرار المهندس، للأحكام الخاصة باتفاق وحكم التحكيم.
رابعاً: الإحالة للمهندس شرط مسبق للتحكيم
6- والالتجاء للتحكيم، إذ أنه مستمد من اتفاق
الأطراف، يجب أن تتوفر فيه الشروط المنصوص عليها في هذا الاتفاق. ففي كثير
من الأحيان، يتفق الطرفان على وجوب إتباع إجراءات أو توفر شروط معينة قبل
الذهاب للتحكيم. وفي هذه الحالة، لا بد، كقاعدة عامة، من توفر الشروط التي
تطلبها الاتفاق، تطبيقاً لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين3. وقد تبين لنا مما سبق أن المادة (67) من
الشروط العامة لعقد الفيديك تتطلب في تسوية النزاع بين المقاول وصاحب
العمل إحالة هذا النزاع أولا للمهندس الاستشاري (المشرف) ليفصل فيه. فإذا
أصدر المهندس قراره خلال المدة المحددة لذلك، ولم يرتض به أحد الطرفين، عندئذ
يجوز لذلك الطرف اللجوء إلى التحكيم4. وتطبيقا لذلك، يمكن القول بأنه لا يجوز
لأي من الطرفين الذهاب للتحكيم قبل الالتجاء للمهندس، كقاعدة عامة، وإلا
كان التحكيم سابقاً لأوانه، مما قد يعرّض دعوى التحكيم للرد شكلا5ً.
7- وكذلك الأمر، فإنه بعد أن يصدر
المهندس قراره في مطالبته سلباً أو إيجابا، فإنه يتوجب على الطرفين
(المقاول وصاحب العمل) الدخول في مفاوضات بينهما لتسوية النزاع ودياً قبل
اللجوء للتحكيم إذا أمكن ذلك. ويجب أن تمر فترة معينة على هذه المفاوضات
دون الوصول للتسوية المنشودة وهي مدة (56) يوم على النحو المبين فيما مضى. فإذا انقضت هذه المدة دون
تسوية ودية جاز لأي من الطرفين اللجوء للتحكيم. وبناء عليه، يمكن القول
كمبدأ عام بأنه إذا لجأ أحد الطرفين للتحكيم مباشرة قبل الدخول في مفاوضات
مع الطرف الآخر، تكون الدعوى التحكيمية سابقة لأوانها ويتعين ردها، بناءً
على دفع الطرف الآخر7.
8- وإذا تعذر تطبيق الشرط المسبق
للتحكيم لأي سبب، فيمكن اللجوء للتحكيم مباشرة. ومثال ذلك بالنسبة لعقود الفيديك، أن
ينشب النزاع بين صاحب العمل والمقاول بعد تنفيذ عقد المقاولة، وتنفيذ كل
منهما لإلتزاماته، بحيث لم يبق للمهندس وجود لانتهاء مهمته مثلاً، أو
وفاته بافتراض أنه شخص طبيعي.
9- على أية حال، يمكن القول بأن
المسألة، هي مسألة تفسير لإرادة الطرفين، كما أن الفصل فيها يخضع للظروف
المحيطة بالقضية8. ففي ظروف معينة، قد تقضي
هيئة التحكيم باختصاصها في تسوية النزاع، في حين تقضي الهيئة ذاتها بعدم
اختصاصها في نزاع مماثل في ظروف
أخرى، وقد يكون كلاهما مبرراً. ففي مثالنا السابق الخاص بعقد مقاولة
الفيديك، قد تجد هيئة التحكيم من ضمن المستندات المقدمة لها، أن المهندس
الاستشاري، سبق له وبيّن رأيه صراحة بعدم أحقية المطالبة التي قدمها
المقاول مثلاً. في هذه الحالة، قد تخلص الهيئة إلى القول بأن لجوء المقاول
للمهندس فيما يتعلق بذات المطالبة، أصبح لا فائدة منه، وبالتالي فإن
اللجوء للتحكيم صحيح، بالرغم من عدم تقديم المطالبة للمهندس بصورة أصولية.
لذلك، لا يجوز القول هنا أن عدم توفر الشرط المسبق للإحالة للتحكيم يؤدي،
دوماً وبصورة مطلقة، إلى أن يصبح حكم التحكيم معيباً، دون الأخذ بالاعتبار
لكافة الظروف الأخرى ذات الشأن.
10- كما أنه بالنسبة لشرط المفاوضات
السابقة على اللجوء للتحكيم، قد يتبين لهيئة التحكيم من الظروف، أن الطرف
الآخر غير معني بأي تسوية ودية، لو عرضت عليه قبل اللجوء للتحكيم، وأن ذلك
الطرف، بالرغم من إثارته للدفع الخاص بالمفاوضات، لم يبد أي مبادرة منه
للمفاوضات والتسوية الودية طيلة إجراءات التحكيم. لذلك، قد تخلص هيئة
التحكيم إلى القول، بأن شرط المفاوضات السابقة على اللجوء إلى التحكيم، لا
جدوى منه في ظل الظروف المحيطة، وتقضي باختصاصها في الفصل بالنزاع9.
11- ولكن حتى في الحالة التي يتقدم بها أحد
الطرفين بدعوى تحكيم مباشرة، قبل تحقق الشرط المسبق للجوء إلى التحكيم،
فإننا نرى حل المسالة حلاً عملياً. فمقتضيات العدالة وطبيعة التحكيم،
تتطلبان وقف السير في الدعوى التحكيمية، وليس ردها شكلاً، إذا اعترض الطرف
الآخر عليها بسبب تقديمها قبل أوانها، بحجة عدم اللجوء للمفاوضات قبل رفع
الدعوى. في هذا الفرض، يمكن لمؤسسة التحكيم المقدمة لها الدعوى التحكيمية،
أو لهيئة التحكيم حسب الأحوال، أن تقرر تعليق إجراءات التحكيم، وإعطاء
الطرفين فرصة للمفاوضات لفترة معينة، يتفقان على مدتها، أو تكون هي الفترة
المنصوص عليها في اتفاقهم الأصلي. فإذا انقضت الفترة دون توصل الطرفين
لاتفاق تسوية، أو اتفقا خلالها على استنفاذ فرصة التسوية وبالتالي فشل
المفاوضات، تستمر إجراءات التحكيم بناءً على طلب أحد الطرفين، الذي غالباً
ما يكون المحتكم. وإذا نجحت المفاوضات، تقرر الهيئة إنهاء الإجراءات
وإغلاق ملف الدعوى التحكيمية.