Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

  

 

 

 

مفهوم اتفاق التحكيم

 

  

 

أولا: نصوص قانونية

 

 

1-     تنص المادة  203/1 من القانون الإماراتي على انه "يجوز للمتعاقدين بصفة عامة أن يشترط في العقد الأساسي أو باتفاق لاحق عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكم أو أكثر كما يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بشروط خاصة".

 

وتنص المادة 233 من القانون البحريني على انه "يجوز للمتعاقدين أن يشترطوا بصفة عامة عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكمين. ويجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بوثيقة تحكيم خاصة".

 

وتقضي المادة 506 من القانون السوري بأنه "1- يجوز للمتعاقدين ان يشترطوا بصفه عامة عرض ما قد ينشأ بنهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكم واحد أو أكثر؛ 2- يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين وبشروط خاصة".

 

وتقضي المادة (1) من نظام التحكيم السعودي بأنه "يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين قائم، كما يجوز الاتفاق مسبقاً على التحكيم في أي نزاع يقدم نتيجة تنفيذ عقد معين".

 

وتنص المادة (190/1) من القانون القطري بأنه يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين بوثيقة تحكيم خاصة. كما يجوز الاتفاق على التحكيم في جميع المنازعات التي تنشأ من تنفيذ عقد معين".

 

وتقضي المادة (262) من القانون اللبناني بأنه "يجوز للمتعاقدين أن يدرجوا في العقد التجاري أو المدني المبرم بينهم بنداً ينص على أن تحل بطريق التحكيم جميع المنازعات القابلة للصلح التي تنشأ عن تنفيذ هذا العقد او  تفسيره".

 

كما تنص المادة (765) من القانون اللبناني بأن العقد التحكيمي عقد بموجبه يتفق الاطراف فيه على حل نزاع قابل للصلح ناشئ بينهم عن طريق تحكيم شخص او عدة اشخاص".

 

2-     ويلاحظ على هذه النصوص انها تجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم بدلاً من القضاء. وأن الاتفاق على التحكيم قد يتعلق بنزاع مستقبلي محتمل الوقوع، أو بنزاع وقع فعلاً. وقد درج الفقه والقضاء على تسمية الأول بشرط التحكيم، والثاني بمشارطة التحكيم، وهو ما سنبينه في وقت لاحق من هذه الدراسة. كما يلاحظ عليها ايضاً ان القواعد المنظمة للتحكيم تطبق على التحكيم في اطار منازعات القانون الخاص التي تشمل المنازعات المدنية والتجارية فقط وفق ما هو مبين سابقاً.

 

ثانيا:  ماهية التحكيم بوجه عام

 

3-     ومهما يكن من أمر، فإن التحكيم التجاري بمفهومه المبسط، يقوم على اتفاق طرفي علاقة قانونية معينة في إطار القانون الخاص، على تسوية نزاعهم المالي عن طريق شخص خاص أو أكثر يتم تعيينهم من الطرفين مباشرة أو بطريقة غير مباشرة أو من جهة أخرى. في حال عدم الاتفاق على مثل هذا التعيين، عادة ما تكون القضاء، وذلك لإصدار حكم نهائي (ملزم) بشأن هذا النزاع بدلا من القضاء الرسمي، وينفذ هذا الحكم كالأحكام القضائية إذا توفرت فيه الشروط القانونية. ومثال ذلك ان يكون هناك عقد بين (أ) و (ب)، ينصان فيه على ان أي خلاف يتعلق بهذا العقد تتم تسويته بالإحالة إلى التحكيم، ويكون (ج) هو المحكم المنفرد في تسوية هذا الخلاف. أو لا يكون هناك اتفاق من هذا القبيل، ولكن يقع خلاف بين (أ) و (ب) فيتفقان على إحالته إلى (ج) كمحكم لتسويته بدلا من اللجوء إلى القضاء. وكما سنرى فيما بعد، فان هذا الاتفاق ملزم لكل من (أ) و (ب) أو أحدهما حسب الأحوال، بحيث إذا وقع الخلاف يجب عليهما اللجوء إلى (ج) لتسويته وليس إلى القضاء، وإلا ترد الدعوى شكلاً مع الاختلاف في الطبيعة القانونية لهذا المرد حسب النظم القانوني للدولة المرفوع أمام قضائها النزاع، وإذا أحيل الخلاف إلى (ج)، فيتوجب عليه أن يتعامل مع القضية وكأنها قضية محكمة بحيث يستمع لأقوال وطلبات ودفوع واعتراضات وبينات الطرفين بكل حياد ونزاهة، ومن ثم يصدر حكمه فيها وكأنه حكم قضائي. فالتحكيم إذن ينزع من حيث المبدأ الاختصاص من القضاء الرسمي، ويعطيه لشخص خاص آخر ليصبح هو صاحب الاختصاص بالفصل في النزاع.

 

 

ثالثا: التحكيم عقد مسمى

 

4-     واتفاق التحكيم بهذا المفهوم هو عقد وليد إرادة الخصوم، وهو من العقود المسماة، ويخضع بالتالي للقواعد العامة في العقد من حيث شروط انعقاده وأثاره وتفسيره وغير ذلك، مع مراعاة القواعد الخاصة به ومنها اشتراط المشرع أهلية التصرف في إبرامه، وكتابة الاتفاق، وعدم جواز الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز الصلح فيها حتى لو كانت من المسائل المدنية أو التجارية. وتتجه التشريعات الحديثة في التحكيم، إلى أن اتفاق التحكيم هو عقد قائم بذاته، حتى لو ورد في صيغة بند من بنود العقد الأصلي المتضمن فيه، وليس تابعاً لذلك العقد. أي اننا نكون هنا أمام عقدين: العقد الأصلي ببنوده المختلفة (بيع مثلاً)، وعقد التحكيم الوارد في ذلك العقد كأحد هذه البنود، ولا يؤثر أو يتأثر أي منهما بمدى صحة أو بطلان أو انقضاء الآخر، نظراً لاستقلالية كل منهما، وعلى التحديد استقلالية شرط التحكيم عن العقد المتضمن فيه.

 

ويجب أن تكون إرادة الأطراف واضحة وجازمة في الإحالة إلى التحكيم، أي تسوية النزاع عن طريق التحكيم بقرار حاسم وملزم من جانب هيئة التحكيم، وإلا لا يعتبر الاتفاق من قبيل اتفاق أو عقد التحكيم.

 

رابعا: وجوب ارتباط التحكيم بعلاقة قانونية

 

5-     إلا ان اتفاق التحكيم يختلف عن العقود الأخرى، من حيث انه لا يوجد له كيان قائم بذاته، وانما يرتبط دائما بوجود علاقة قانونية معينة، غالبا ما تكون عقداً من العقود، بل يدلنا العمل على أنها كذلك دوما في مصالح التجارة الدولية. ولكن يمكن أن تكون هذه العلاقة غير عقدية، من تصرف انفرادي (الإرادة المنفردة) أو فعل ضار (العمل غير المشروع)، وتصرف نافع (الإثراء بلا سبب)، أو حتى القانون كمصدر مباشر من مصادر الالتزام. ولا يتصور وجود اتفاق تحكيم دون وجود تلك العلاقة، وإلا كان العقد في هذه الحالة، أي اتفاق التحكيم، غير ذي موضوع أو محل مما يترتب عليه بطلانه.

 

 

خامسا: طبيعة اتفاق (عقد) التحكيم

 

6-     قسمت قوانين الدول العربية الأعمال القانونية، إلى أعمال إدارة وأعمال تصرف، وذلك لغايات أهلية الشخص وخاصة الشخص الطبيعي. والمقصود بأعمال الإدارة، الأعمال التي تهدف لإدارة المال واستثماره أو حمايته مع بقاء ملكيته على اسم الشخص المالك له، بحيث لا يخرج الملك من ذمته، مثل تأجير المال أو إيداعه لدى البنك مقابل فوائد إذا كان من النقود، أو إيداعه تحت يد شخص أمين للمحافظة عليه، أو الاتفاق مع شخص آخر لاستغلاله وتنميته بأي طريقة من الطرق. أما أعمال التصرف، فيقصد بها الأعمال التي تؤدي إلى خروج المال من ذمة مالكه ودخوله في ملكية شخص آخر سواء بمقابل مثل البيع، أو بدون مقابل مثل الهبة، أو احتمالية خروجه مثل الرهن. وأعمال التصرف هذه تنقسم إلى تصرفات نافعة نفعا محضاً مثل قبول الهبة، وضارة ضرراً محضاً مثل إعطاء الهبة أو إقراض نقود بدون فائدة، أو تقديم كفالة دون مقابل، ودائرة بين النفع والضرر مثل البيع والمقايضة والشركة. ويترتب على هذا التقسيم للأعمال القانونية آثار هامة بالنسبة للصغير في القوانين العربية، وخاصة بالنسبة لأعمال التصرف. فهذه القوانين، تبطل كافة تصرفات الصغير غير المميز، وكذلك تصرفات الصغير المميز الضارة ضرراً محضا له. أما تصرفات الأخير النافعة نفعا محضاً له فتكون صحيحة، في حين تكون تصرفاته الدائرة بين النفع والضرر قابلة للإبطال في بعض القوانين، وموقوفة النفاذ في قوانين أخرى، كل ذلك وفق شروط وأحكام تخرج عن نطاق الدراسة الحالية.

 

7-    ويثور التساؤل هنا عن طبيعة اتفاق التحكيم كعمل قانوني ومدى اعتباره احد الأعمال القانونية مما ذكر. وقد أجاب على ذلك القضاء في بعض الدول العربية، بقوله أن هذا الاتفاق هو من قبيل التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، مما يترتب عليه انه ذا كان أحد أطرافه صغيراً مميزاً، فإن الاتفاق يكون قابلا للإبطال (أو موقوفاً) لمصلحة هذا الصغير، الا اننا لسنا مع هذا الرأي. ذلك أن المتفحص في اتفاق التحكيم، يجد أن موضوعه والهدف منه تسوية نزاع معين يتعلق بعمل من تلك الأعمال، أي اعمال الادارة او التصرف بعيداً عن القضاء الرسمي، واللجوء في تسويته لشخص خاص يتفق عليه كما تقدم. فهو إذن ليس من أعمال الإدارة، ما دام أنه لا يتعلق بإدارة مال من الأموال عن طريق الاستثمار أو غير ذلك. كما انه ليس من أعمال التصرف، لان موضوعه أو محله ليس التصرف بمال معين. فهو إذن ذو طبيعة خاصة ويصعب إدراجه تحت أي نوع من الأعمال القانونية مما ذكر.

 

سادسا: الشروط المسبقة للتحكيم

 

8-     والالتجاء إلى التحكيم، إذ انه مستمد من اتفاق الأطراف، يجب أن تتوفر فيه الشروط التي تطلبها هذا الاتفاق. ففي كثير من الأحيان، يتفق الطرفان على وجوب إتباع إجراءات معينة قبل الذهاب للتحكيم. ومثال ذلك ما نصت عليه المادة (67) من الشروط العامة للفيديك، طبعة 1987 (الطبعة الرابعة)، الخاصة بعقود المقاولات الإنشائية منه انه يجب أولاً إحالة النزاع إلى المهندس الاستشاري (المشرف) ليفصل فيه. فإذا أصدر المهندس قراره خلال المدة المحددة لذلك، ولم يرتض به أحد الطرفين، عندئذ يجوز لذلك الطرف اللجوء إلى التحكيم. وتطبيقا لذلك، يمكن القول بأنه لا يجوز لأي من الطرفين الذهاب للتحكيم قبل الالتجاء للمهندس، كقاعدة عامة، والا كان التحكيم سابقاً لاوانه، مما قد يعرّض دعوى التحكيم للرد شكلاً.

 

9-     ومثال ذلك أيضاً أن يشترط اتفاق التحكيم بين البائع والمشتري لإحالة النزاع على التحكيم، أن يتم ذلك خلال فترة معينة، مثلاً ستة أشهر من تاريخ تسليم البضاعة. فلو فرضنا هنا أن المشتري أقام الدعوى التحكيمية بعد هذه المدة واعترض البائع على ذلك، يتوجب على هيئة التحكيم رد الدعوى لانقضاء مدة اللجوء إلى التحكيم، وإلا كان حكمها عرضة للطعن به بسبب تجاوز الاتفاق والخروج على حدوده. وفي هذه الحالة يعود الاختصاص بنظر النزاع للقضاء.

 

10-   ومثال آخر من هذا القبيل يكثر وجوده في الحياة العملية، وهو أن ينص اتفاق التحكيم على عدم جواز اللجوء للتحكيم قبل دخول الطرفين في مفاوضات لتسوية نزاعهما وديا. فإذا انقضت مدة معينة على المفاوضات (ثلاثة أشهر مثلا ) دون الوصول لتسوية، جاز لأي من الطرفين اللجوء للتحكيم. في هذا المثال، إذا لجأ أحد الطرفين للتحكيم مباشرة قبل الدخول في مفاوضات مع الطرف الآخر، تكون الدعوى التحكيمية سابقة لأوانها ويتعين ردها، بناء على دفع الطرف الآخر.

 

11-   ولكن من المهم ملاحظة أن المسألة في هذه الأمثلة، هي مسألة تفسير لإرادة الطرفين، كما أن الفصل بهما يخضع للظروف المحيطة بالقضية. ففي ظروف معينة، قد تقضي هيئة التحكيم باختصاصها في تسوية النزاع، في حين تقضي الهيئة ذاتها بعدم اختصاصها في نزاع مماثل في  ظروف أخرى، وقد يكون كلاهما صحيح. ففي مثالنا السابق الخاص بعقد المقاولة، قد تجد هيئة التحكيم من ضمن المستندات المقدمة لها أن المهندس الاستشاري سبق له وبين رأيه صراحة بعدم أحقية المقاول بالمطالبة. في هذه الحالة، قد تخلص الهيئة إلى القول بأن اللجوء للمهندس أصبح لا فائدة منه، وبالتالي فان اللجوء للتحكيم صحيح بالرغم من عدم تقديم المطالبة أولا للمهندس بصورة رسمية. لذلك، لا يجوز القول هنا أن عدم توفر الشرط المسبق للاحالة للتحكيم يؤدي، دوما وبصورة مطلقة، إلى أن يصبح حكم التحكيم معيباً، دون الأخذ بالاعتبار لكافة الظروف المحيطة بالقضية.

 

12-   كما أنه بالنسبة لشرط المفاوضات السابقة على اللجوء للتحكيم، قد يتبين لهيئة التحكيم من الظروف أن الطرف الآخر غير معني بأي تسوية ودية لو عرضت عليه قبل اللجوء للتحكيم، وأن ذلك الطرف، بالرغم من إثارته للدفع الخاص بالمفاوضات، لم يبد أي مبادرة منه للمفاوضات والتسوية الودية طيلة إجراءات التحكيم. لذلك، قد تخلص هيئة التحكيم إلى القول بأن شرط المفاوضات السابقة على اللجوء إلى التحكيم، لا جدوى منه في ظل الظروف المحيطة، وتقضي باختصاصها في الفصل بالنزاع. ولكن حتى في الحالة التي يتقدم بها أحد الطرفين بدعوى تحكيم مباشرة قبل المفاوضات، فإننا نرى حل المسالة حلاً عملياً. فمقتضيات العدالة وطبيعة التحكيم، تتطلبان وقف السير في الدعوى، وليس ردها شكلاً. إذا اعترض الطرف الآخر عليها بسبب تقديمها قبل أوانها، بحجة عدم اللجوء للمفاوضات قبل رفع الدعوى. في هذا الفرض، يمكن لمؤسسة التحكيم المقدمة لها الدعوى التحكيمية، أو لهيئة التحكيم حسب الأحوال، أن تقرر تعليق إجراءات التحكيم، وإعطاء الطرفين فرصة للمفاوضات لفترة معينة، يتفقان على مدتها، أو تكون الفترة المنصوص عليها في اتفاقهم الاصلي. فإذا انقضت الفترة دون توصل الطرفين لاتفاق تسوية، أو اتفقا خلالها على استنفاذ فرصة التسوية وبالتالي فشل المفاوضات، تستمر إجراءات التحكيم بناء على طلب أحد الطرفين الذي غالبا ما يكون المحتكم. وإذا نجحت المفاوضات، تقرر الهيئة إنهاء الإجراءات وإغلاق ملف الدعوى التحكيمية.

  

سابعا: استقلالية شرط التحكيم

 

(أ)  تبعية أم استقلالية الشرط

 

ونواجه هنا الحالة التي يتضمن فيها العقد الأصلي، البيع مثلاً، شرط تحكيم، إلا أن هذا العقد باطل لأي سبب أو تم فسخه باتفاق الطرفين أو بإرادة منفردة حيث يجيز القانون ذلك، أو انفساخه نتيجة قوة قاهرة. وحسب النظرية التقليدية، فان شرط التحكيم تابع لهذا العقد، مما يعني أن انتهاء عقد البيع لأي سبب يؤدي إلى سقوط وانتهاء هذا الشرط المتضمن في العقد. وعليه، إذا حصل أي خلاف بين الطرفين حول العقد وآثاره المالية، فلا يحال إلى التحكيم وإنما إلى القضاء، ما دام أن الشرط لم يعد موجوداً لأنه، كما تقول القواعد الفقهية، التابع تابع لا يفرد في الحكم، وإذا سقط الأصل سقط الفرع.

 

ولكن خروجاً على هذا المبدأ التقليدي، أخذت قواعد قانون التجارة الدولية بفكرة مغايرة تماماً، وهي بقاء شرط التحكيم قائما وصحيحا ما دام أن البطلان لم يلحقه بحد ذاته. وفي هذه الحالة، تتم تسوية النزاعات الناشئة عن هذا العقد  الاصلي بالتحكيم بالرغم من سقوط العقد، وهو ما يسمى باستقلالية شرط التحكيم عن العقد الذي ورد فيه هذا الشرط. وأخذت بفكرة الاستقلالية هذه مختلف التشريعات العربية الحديثة في التحكيم تمشياً مع القانون النموذجي الذي تبنى هذه الفكرة. ونرى بأن النص على الاستقلالية لا يعتبر من النظام العام، فيجوز الاتفاق على خلافه، بمعنى يجوز اتفاق الطرفين على عدم الاستقلالية، وإنما تبعية الشرط للعقد الأصلي، بل يجوز استخلاص مثل هذا الاتفاق ضمناً.

 

ومما تعنيه استقلالية شرط التحكيم أيضاً، أن هذا الشرط قد يكون باطلاً في حد ذاته، في حين يكون العقد الأصلي صحيحاً. فالعقد يبين الورثة على توزيع أنصبتهم الشرعية حسب أحكام القانون هو اتفاق صحيح. ولكن لو تضمن هذا العقد شرط تحكيم بالصلح بين الورثة في حال اختلافهم، فان الشرط باطل. ومثال ذلك أيضاً أن يبرم الطرفان عقد بيع بينهما عندما كانا كاملي الأهلية. وفي اليوم التالي يضيفان له شرط تحكيم ولكن وقت هذه الإضافة أصبح أحدهما عديم الأهلية. في هذا الفرض أيضاً، يكون العقد صحيحاً، في حين يكون شرط التحكيم بحد ذاته باطلاً.

 

 (ب)   مبررات الاستقلالية

 

والمبرر لاستقلالية شرط التحكيم بهذا المفهوم واضح. فالنزاع سيحال في جميع الأحوال إلى جهة معينة للفصل فيه وهي، كقاعدة عامة، القضاء. لذلك، فانه لا مشكلة من الإبقاء على شرط التحكيم، وإحالة النزاع لجهة التحكيم التي ستقضي فيه حسب أحكام القانون، تماماً كما هو الحال بالنسبة للقضاء، وحكمها من حيث النتيجة، سيخضع لرقابة القضاء عن طريق دعوى بطلان الحكم، إذا توفرت إحدى حالات البطلان المنصوص عليها في القانون أو الطعن بالحكم استئنافاً اذا توفرت شروط ذلك. كما أن الأخذ بهذا المبدأ، يتماشى مع الواقع العملي من حيث إرادة الأطراف، وخاصة في التحكيم الدولي. وأكثر، إن لم يكن غالبية، العقود الدولية تنص على التحكيم لتسوية النزاعات الناشئة عن العقد. والأطراف عندما يتفقون في العقد على الإحالة إلى التحكيم، لا يتوقعون حينئذ إلا الأخذ بما اتفقوا عليه لتسوية نزاعهم باللجوء إلى التحكيم وليس للقضاء. والمنازعات العقدية لا تنحصر فقط بمدى تنفيذ أي من الأطراف لالتزاماته العقدية، وإنما يشمل ذلك أيضاً بيان حقوقهم المالية الناجمة حتى عن انتهاء العقد لأي سبب من الأسباب. فإذا قلنا أن هذا الانتهاء يؤدي حكماً إلى انتهاء الشرط التحكيمي، فهذا يعني الخروج على إرادة الأطراف، بإجبارهم على اللجوء إلى القضاء خلافا لهذه الإرادة، مما يؤدي إلى زعزعة اتفاق التحكيم وخاصة في العقود الدولية.

 

ومن جهة أخرى، قد يكون من صلاحية هيئة التحكيم إنهاء العقد المتضمن لشرط التحكيم، عن طريق فسخه مثلاً أو تقرير انفساخه إذا توفرت شروط ذلك. ومثال ذلك، أن يتفق طرفا العقد على إحالة نزاعهما للتحكيم بموجب شرط التحكيم، الذي يعطي صلاحيات واسعة لهيئة التحكيم، مثل الفصل بكافة الأمور المتعلقة بالعقد، من حيث انعقاده وتنفيذه وفسخه وانفساخه والمطالبة بالتعويض، وأي أمر آخر ناجم عنه. وقد يتضمن العقد كذلك شرطاً مفاده أن العقد يعتبر مفسوخاً من تلقاء نفسه، دون حاجة لإعذار أو حكم قضائي أو تحكيمي، في حال إخلال أحد الطرفين بتنفيذ التزامه في الموعد المحدد. فلو فرضنا أن هناك عقداً بين (أ) و (ب) تضمن مثل هذه الأحكام، وطلب (أ) من (ب) تنفيذ التزاماته، إلا أن الأخير نازعه في ذلك على أساس انفساخ العقد بحكم القانون، أو لا يتضمن العقد شرطاً فاسخاً، فيخل (أ) بتنفيذه ويكون من حق (ب) المطالبة القضائية (أو التحكيمية) بفسخه. في هذين الفرضين، يكون تقرير انفساخ العقد بحكم القانون، أو إصدار قرار بفسخه، من صلاحية هيئة التحكيم بموجب اتفاق الطرفين الصريح. ولو قضت بأي منهما، فمعنى ذلك سقوط شرط التحكيم المتضمن في العقد إذا قلنا بعدم استقلاليته عن العقد، وبالتالي بطلان حكم التحكيم لصدوره من جهة غير ذات اختصاص، مع أن الهيئة مارست صلاحياتها بمقتضى ذلك الشرط، الذي لولاه لما كان للهيئة وجود أصلاً.  فالمنطق القانوني إذن، يتطلب استقلالية شرط التحكيم عن العقد المتضمن فيه، على الأقل في الحالة التي تعطى فيه هيئة التحكيم صلاحية تقرير بطلان أو فسخ أو انتهاء العقد لأي سبب من الأسباب. ولولا ذلك، لقضت هيئة التحكيم بالشيء ونقيضه في آن واحد، أي لقضت ببطلان العقد بما في شرط التحكيم الباطل تبعاً لذلك، مع أن صلاحياتها بالقضاء ببطلان العقد مستمدة أصلاً من ذلك الشرط الباطل، وهذا غير منطقي.

 

 

(ج)  أهمية الاستقلالية عند إبطال الحكم

 

وتبرز أهمية الأخذ بمبدأ استقلال شرط التحكيم عن العقد الأصلي، عند النظر بدعوى بطلان حكم التحكيم بشكل خاص. فمن حالات بطلان الحكم في القوانين العربية عموماً، سواء تلك التي أخذت بمبدأ الاستقلالية أو التي لم تأخذ به، صدور الحكم بناء على اتفاق تحكيم باطل أو غير موجود بشكل عام بصرف النظر عن سبب ذلك. فلو دفع أحد الطرفين أمام هيئة التحكيم بعدم اختصاصها بالفصل لسقوط شرط التحكيم بسبب فسخ العقد الأصلي مثلاً، فان الهيئة سترد هذا الدفع حتماً إذا كان القانون المطبق على اتفاق التحكيم ينص على استقلالية شرط التحكيم عن ذلك العقد. وعندئذ لن يكون الحكم قابلاً للبطلان لهذا السبب، كما هو الحال في قوانين مصر وعُمان والأردن وفلسطين. وهذا بعكس ما لو قلنا بأن فسخ العقد الأصلي يقتضي حكماً سقوط شرط التحكيم في الدول التي لا تأخذ باستقلالية الشرط. ففي هذه الحالة يكون الحكم قابلاً للبطلان لعدم وجود اتفاق تحكيم بالتبعية للعقد الأصلي، أي بسبب فسخ ذلك العقد.

 

(د)  الاستقلالية وانقضاء الشرط

 

واستقلالية شرط التحكيم لا تعني بأن هذا الشرط لا يمكن أن يبطل أو لا يكون عرضة للفسخ، وإنما فقط لا يبطل أو يفسخ تبعا لبطلان العقد الأصلي أو فسخه. ولكن إذا لحق البطلان أو الفسخ شرط التحكيم بحد ذاته، وليس بسبب تبعيته للعقد، فإنه يكون باطلاً أو مفسوخاً بصرف النظر عن العقد الأصلي، حتى لو كان هذا العقد صحيحاً ونافذاً بحق طرفيه. ومثال ذلك، عدم جواز الاتفاق على التحكيم في المسائل التي لا يجوز الصلح فيها كما تقدم، أو أن يكون أحد طرفي العقد الأصلي، بما يشمله من شرط تحكيم عديم الأهلية عند إبرام العقد، أو يتفق الطرفان على فسخ العقد مع النص صراحة على أن ذلك يشمل شرط التحكيم. في هذه الفروض وغيرها كما سبق فيما بعد، يسقط شرط التحكيم لذاته، وليس بسب تبعيته للعقد الأصلي. ويترتب على ذلك نتيجة هامة، وهي اختصاص القضاء بالفصل في موضوع النزاع، وليس جهة التحكيم.

 

(هـ) استقلالية الشرط والاتفاق المستقل

 

كما تقدم، أخذت باستقلالية شرط التحكيم صراحة قوانين مصر وعُمان والأردن وفلسطين ولكن يلاحظ على هذه القوانين انها نصت على استقلالية "شرط التحكيم" عن العقد المتضمن فيه. والمعنى الحرفي لذلك انه حيث يرد اتفاق التحكيم ليس في صيغة شرط منصوص عليه في العقد الأصلي، وإنما باتفاق تحكيم لاحق لهذا العقد، سواء تم ذلك قبل وقوع النزاع أو بعده، فان مبدأ الاستقلالية لا يشمله. ويعني مثل هذا التفسير انه لو أبطل العقد الأصلي، يكون اتفاق التحكيم باطلا تبعا له. وقد تأكد ذلك بشكل خاص في القانون اليمني الذي أشار بوضوح إلى أن الاستقلالية خاصة "بشرط التحكيم" دون "وثيقة التحكيم" عندما قال بأنه إذا أبرم اتفاق تحكيم في "شكل بند في عقد (شرط التحكيم) .... يعامل شرط التحكيم باعتباره مستقلاً عن شروط العقد الأخرى.....". ولكننا لسنا مع هذا الفهم الحرفي للنصوص، ونرى تفسير شرط التحكيم هنا بالمعنى الواسع، بحيث يشمل كل اتفاق تحكيم، سواء ورد في صيغة شرط تحكيم بالمعنى الضيق، أو أي اتفاق تحكيم آخر منفصل عن العقد الأصلي، لاتحاد العلة، والمبررات التي سبقت للدفاع عن مبدأ الاستقلالية.

 

(و)  الاستقلالية في القوانين العربية

 

أخذت باستقلالية شرط التحكيم عن العقد الأصلي، المتضمن فيه، قوانين التحكيم العربية الحديثة، في كل من مصر وعُمان والأردن وفلسطين واليمن، تمشياً مع القانون النموذجي الذي أخذ بهذه الاستقلالية صراحة. أما القوانين العربية الأخرى وهي القوانين محل البحث (الإمارات والبحرين وسوريا والسعودية وقطر)، فلا تتضمن أحكاما مماثلة، مما يعني تطبيق القواعد العامة التي تقضي بعدم استقلالية الشرط عن العقد. ويترتب على ذلك القول بأنه إذا أبطل العقد الأصلي أو انفسخ أو فسخ، فإن شرط التحكيم يسقط تبعاً له، ويجب إحالة موضوع النزاع للقضاء وليس للتحكيم وقد أكدت ذلك بعض الأحكام القضائية.

 

ففي الإمارات، قالت المحكمة الاتحادية العليا في أبو ظبي بأنه يترتب على بطلان العقد الأصلي، بطلان شرط التحكيم تبعاً لذلك، ويكون الاختصاص ببطلان العقد للقضاء صاحب الولاية العامة في الفصل بالمنازعات. وفي لبنان، حكم في ظل القانون السابق، الذي كان ينص على عدم الاستقلالية صراحة، بأن البند التحكيمي الوارد في الاتفاق يعتبر باطلاً تبعاً للاتفاق الأساسي، وبالتالي تنتفي صلاحية المحكم كلياً للنظر بكل ما يتعلق بالعقد، وتكون الصلاحية بهذا الشأن للمحكمة المختصة أصلاً بنظر النزاع دون غيرها (بداية  1/8/1983، العدل 1985، ص 600). وقضي كذلك بأن مفعول شرط التحكيم الوارد في عقد الشركة لا يسري في حالة قيام خلاف على صحة هذا العقد، إذ أن سلطة المحكم مستمدة من العقد ذاته، وليس له أن يكون قاضياً فيه. وقضي في سوريا بأن تقرير إبطال العقود أو صحتها إنما هو من اختصاص القضاء العادي، ولو تضمن هذا العقد مشارطة تحكيم بين الطرفين، لأن هذه المشارطة لا تقع إلا على العقود الصحيحة وليس على العقود المطعون ببطلانها.

 

ويختلف توجّه القضاء القطري تماماً حيث ذهب إلى استقلالية شرط التحكيم بالرغم من عدم وجود نص تشريعي يقضي بذلك. فقد قضي بأن الالتجاء إلى التحكيم قد يكون تنفيذا لأحد شروط العقد الذي تمخضت عنه المنازعة، هو الأمر الشائع في العقود الدولية التجارية وقد، وقد أصبح هذا الشرط يتمتع بذاتية مستقلة لا يتأثر ببطلان أو فسخ محتمل لهذا العقد. وقضي أيضاً بأن المحكم كالقاضي يملك الحكم في صحة عقد التحكيم أو بطلانه، ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي اثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه، إذا كان هذا الشرط صحيحا في ذاته.

 

أما القضاء في دبي، فقد سار في اتجاه مغاير للمحكمة العليا في أبو ظبي، ولكنه موافق لتوجه القضاء القطري. ففي حكم قالت محكمة تمييز دبي أن بطلان العقد المتضمن شرط التحكيم، أو فسخه أو انهاؤه لا يمنع من أن يظل شرط التحكيم ساريا ومنتجا لأثاره، ما لم يمتد البطلان إلى شرط التحكيم ذاته، باعتبار أن شرط التحكيم له موضوعه الخاص به، والذي يتمثل في استبعاد النزاع المشترط فيه من ولاية المحاكم.

 

وهكذا، يبدو أن القضاء في كل من قطر ودبي، استبقا أي تشريع تحكيم قد يصدر مستقيلاً في كل من دولة الإمارات وعلى التحديد في إمارة دبي) ودولة قطر. فالمبدأ المتعلق بهذه المسألة أصبح ظاهرة عامة على المستويين الدولي والمحلي. فبالإضافة للقانون النموذجي، أخذت قواعد التحكيم لليونسترال ولدى بعض المؤسسات التحكيمية، بمبدأ الاستقلالية كما أخذت به التشريعات الوطنية الحديثة  في التحكيم على النحو المشار إليه سابقاً، حتى انه يمكن القول انه أصبح عرفاً تحكيمياً واجب التطبيق ما دام لا يوجد نص في القانون يحظر ذلك صراحة.

 

 

 

 

 

 

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001