مصادر الحق في قوانين
الدول العربية
(الاردن والإمارات وقطر)
يقصد بالحق لغاية هذه
الدراسة الحق المالي من جانب الدائن، أو ما يسمى بالالتزام أو الموجب من
جانب المدين، أو ما يسمى بالإلزام ، في إطار القانون المدني. وقد نظم
الاردن مصادر الحق في القانون المدني لسنة 1976 على أن يبدأ نفاذه اعتباراً
من 1/1/1977 حسب المادة الأولى منه. وفي الإمارات تم تنظيم هذه المصادر في
قانون المعاملات المدنية الاتحادي، رقم 5 لسنة 1985، وفي قطر بموجب القانون
المدني رقم 22 لسنة 2004.
وحسب كل من القانون
الإماراتي والأردني، فإن مصادر الحق هي العقد والتصرف الانفرادي والفعل
الضار والفعل النافع. وهي ذات المصادر في القانون القطري، مع الأخذ
بالاعتبار على لاختلاف التسمية بالنسبة لبعض المصادر. فالمصدر الثاني للحق
في القانونين الإماراتي والأردني هو التصرف الانفرادي، في حين هو الإرادة
المنفردة في القانون القطري. والمصدر الثالث في القانونين الأوليين، هو
الفعل الضار، ويقابله العمل غير المشروع في القانون القطري. والمصدر الرابع
فيهما (أي القانونين الأردني والإماراتي) هو الفعل النافع، وهو الإثراء بلا
سبب في القانون القطري.
ومن حيث المصطلحات أيضاً،
نظر القانونان الأردني والإماراتي إلى العلاقة القانونية من زاوية الدائن،
فاستخدما مصطلح "الحق"، في حين نظر القانون القطري لهذه العلاقة من زاوية
المدين، فاستخدم مصطلح "الالتزام".
وتتفق هذه القوانين مع بعضها
في كثير من الأحكام الأساسية الخاصة بمصادر الحق أو الالتزام لدرجة التطابق
بينها، ولكن يختلف القانونان الأردني والإماراتي من جانب، مع القانون
القطري من جانب آخر في بعض هذه الأحكام الأساسية وفي العديد من التفصيلات.
وعلى سبيل المثال، يأخذ القانونان الأردني والإماراتي بنظرية العقد الفاسد،
في حين أن القانون القطري لا يعرف هذه النظرية، وإنما اكتفى بنظرية العقد
الباطل التي يعرفها أيضاً، القانونان المذكوران إلى جانب العقد الفاسد.
وكذلك الأمر، تضمن هذان القانونان أحكاماً خاصة بالعقد القابل للإبطال، في
حين تبنى القانونان الإماراتي والأردني نظرية العقد الموقوف مقابل العقد
الباطل. ومثال ذلك أيضاً بالنسبة للمسؤولية التقصيرية، نص القانونان على أن
الدية على العاقلة أي على أقارب مرتكب الفعل الضار من الذكور حتى درجة
معينة (حسب العرف والتقاليد السائدة)، في حين أن القانون القطري لا يأخذ
بهذه الفكرة.
وفيما يتعلق بمصادر هذه
القوانين، نجد أن القانون القطري اعتمد بالدرجة الأساسية بالنسبة لمصادر
الالتزام وتفصيلاته على القانون المصري، في حين استمد القانونان الأردني
والإماراتي أحكام مصادر الحق وتفصيلاته من القانون المصري من جانب، ومن
الشريعة الإسلامية من جانب آخر. لذلك، فإن كثيراً من المفاهيم أو المصطلحات
في القانونين الأردني والإماراتي، أو احدهما، غير معروفة في القانون
القطري، مثل التصرف الانفرادي والفعل الضار والفعل النافع، والمعصية،
والعقد الموقوف، والتعزيز، والدية، والعاقلة، والغضب، والعقد الفاسد، وفساد
الاختيار، والعقد غير اللازم، وخيار الشرط، وخيار الرؤية.
وبالمقابل، فإن الأمثلة
كثيرة على تشابه الأحكام في هذه القوانين مع بعضها البعض في كثير من
المفاهيم الأساسية في مصادر الحق أو الالتزام، مثل مفهوم العقد والوعد
بالعقد وعقود الإذعان، وأركان أو شروط العقد، من أهلية ومحل وسبب، وعيوب
الرضا في العقد من تغرير (تدليس) وغلط وإكراه، واثر العقد بالنسبة للغير،
وتفسير العقد، والوعد بجائزة، والضرر الأدبي، والمسؤولية عن فعل الغير.
وجميع هذه القوانين عالجت
أحكام الحق (الالتزام) في موضعين أساسيين، الأول– ويتضمن الأحكام
العامة للحق من حيث مصادره وآثاره وانقضائه. الثاني – الأحكام
الخاصة بالعقود المسماة، حيث تم تقسيم هذه العقود إلى عقود تمليك، وعقود
منفعة، وعقود واردة على العمل، وعقود غرر، بالإضافة لعقد الكفالة في
القانون القطري، وعقدي الحوالة والكفالة في كل من القانونين الإماراتي
والأردني، اللذين وردا تحت باب عقود التوثيقات الشخصية.
وكنت قد ألقيت محاضرة في
المنتدى العلمي الذي عقده المعهد القضائي الأردني في عمان / الاردن سنة
2004 بمناسبة مرور مائتي عام على صدور القانون المدني الفرنسي. وتتعلق هذه
المحاضرة باثر الشريعة الاسلامية في القانون المدني الأردني. ونظرا لأهمية
هذا الموضوع، اكرر هنا ما ذكرته هناك بالقول أن الاردن يعتبر، في رأي
البعض، النموذج الذي يمكن أن يحتذي به في وضع قانون مدني مستمد من الشريعة
الإسلامية. فقد صدر القانون المدني الأردني سنة (1976وابتدأ نفاذه في
1/1/1977)، وقال واضعوه عنه انه يعتمد على تراثنا ومصدر أمجادنا من الفقه
الإسلامي، وانه لأول مرة في تاريخ العرب الحديث يعد الأردن قانوناً مستمداً
من الفقه الإسلامي بأحكامه الواسعة
.
ولكن الواقع، حسبما أراه،
غير ذلك. صحيح ان كثيراً من أحكام القانون المدني مستمد من الشريعة
الإسلامية كما وردت في مختلف كتب الفقه الإسلامي القديمة. وهذا نجده واضحاً
في المعاملات المالية التي عالجها الفقهاء المسلمون منذ مئات السنين. ولكن
صحيح أيضاً ان غير ذلك من مواضيع مستجدة لا نجد للفقه الإسلامي أثر يذكر في
القانون، لا من حيث المضمون ولا الصياغة. كما انه من الصحيح أيضاً ان
القانون المدني استمد كثيراً من أحكامه من القوانين الغربية[2]،
فقد استمد القانون المدني الكثير من أحكامه من القوانين الغربية وليس
الشريعة الإسلامية، مثل الأحكام الخاصة بتنازع القوانين المكاني ومن ضمنها
نظريتا التكييف والإحالة، والأحكام الخاصة بالمسؤولية على أساس الحراسة،
والاشتراط لمصلحة الغير، وأحكام التامين، والدعوى غير المباشرة، والمسؤولية
عن فعل الغير، ونظرية الظروف الطارئة، وعقود الإذعان، وحقوق الامتياز.
وهذه الأحكام، وغيرها كثير،
لا علاقة لها بالشريعة الإسلامية، أياً ما كان فهمنا للمقصود من مصطلح
"الشريعة الإسلامية"، اللهمّ إلا أن ندعي بأن مصلحة الأمة اقتضت إيراد مثل
هذه الأحكام، وما دامت المصلحة من مصادر الشريعة، فان تلك الأحكام مستندة
للشريعة. أو أن نجد في كتاب فقهي من ألوف كتابات الفقه الإسلامي على مر
العصور، والذي ربما يرجع تأليفه إلى مئات السنين إلى الوراء، رأياً شاذاً
آو تمثيلاً لحالة معينة (اجازة مذهب مالك الهبة للجنين مثلاً)، فندعي
القياس عليه لتبرير الأخذ بنظرية معينة (الاشتراط لمصلحة الغير)، أو القول
ان الشريعة الإسلامية كرهت أو حرّمت الاحتكار في بيع الحاضر للبادئ، مثلاً،
لتبرير الأخذ بنظرية عقود الإذعان.
ويلاحظ من المذكرة الإيضاحية
للقانون، أن المشرع الأردني كان يرجع لمختلف الكتابات الفقهية قديمها
وحديثها، علّه يجد مثالاً أو رأياَ، ولو شاذاً، هنا أو هناك في محاولة
لتبرير أخذه بهذه النظرية أو تلك وإسنادها أخيراً للشريعة الإسلامية، أو
القول أن روح الشريعة لا تخالفها. ولكن الصحيح، والحق يقال، ان تلك الأحكام
بوضعها الحالي في القانون المدني هي غربيّة المنشأ والتطور، أوجدتها الحاجة
وطوّرتها العقول المنفتحة في ظل الواقع والظروف.
وبالمقابل، هناك أحكامٌ
كثيرةٌ مستمدة من الشريعة الإسلامية، كما وردت في مختلف كتب الفقه الإسلامي
القديمة التي ترجع إلى مئات السنين، والتي بحثت في هذه الأحكام في ظل ما
كان موجوداً فعلاً من وقائع أو منازعات. أما غير ذلك من مواضيع مستجدة، فلم
يتطرّق لها الفقه الإسلامي أصلاً، وبالتالي ليس له بهذا الخصوص أثر يذكر في
القانون المدني، لا من حيث المضمون ولا من حيث الصياغة. والسبب في ذلك واضح
ومعروف. فبعد أن تألق الفقه الإسلامي وبلغ أوجه حتى أوائل القرن الرابع
الهجري، ابتدأ، كما قيل بحق، بالركود فالانحطاط، وانتهى بالجمود
المطبق. فالتقليد الأعمى لما قاله السلف، حيث انحصر العمل الفقهي في ترديد
ما سبق، ودراسة ألفاظ بعينها وحفظها.
وقد استمرت فترة ركود الفقه
الإسلامي وجموده أكثر من ألف سنة، بل يمكن القول انها لا زالت قائمة حتى
بالنسبة لعقول الكثيرين ممن يدعون أنفسهم، أو يدعوهم الناس بعلماء
المسلمين، وخاصة من حملة أعلى الشهادات العلمية في الشريعة الإسلامية.
وفي الواقع، فان نصوص
القانون المدني الأردني التي قيل بشأنها انها مستمدة من الشريعة، لم تتجاوز
حدود فترة الانحطاط والتقليد الأعمى في الفقه الإسلامي. فغالبية تلك النصوص
هي مجرد ترديد لما سبق وذكره الفقهاء المسلمون في كتاباتهم الفقهية منذ
مئات السنين. وقد بعثر كثير من هذه النصوص في القانون المدني بطريقة غير
منظمة، وبدون تنسيق بينها من جهة، وبينها وبين غيرها من النصوص والقوانين
الأخرى من جهة ثانية. هذا بالإضافة إلى استخدام الأسلوب الفقهي القديم في
العديد من النصوص، بما يحتويه هذا الأسلوب من استخدام مصطلحات وكلمات لغوية
غير مألوفة في الوقت الحاضر، وكأننا خلقنا لخدمة اللغة وليس العكس. وقد أدى
ذلك إلى الزيادة في تعقيد القانون، مع انه كان بالإمكان اخذ الفكرة من
الشريعة الإسلامية، وإفراغها ذاتها بأسلوب صياغة حديث وبمصطلحات وكلمات
يسهل فهمها دون تعقيد ما أمكن.
أمثلة من القانون المدني
الأردني
وعلى سبيل المثال، تضمن
القانون قواعد خاصة بالإثبات لا مبرر لها مع وجود قانون خاص ينظم قواعد
الإثبات مطبق منذ سنة 1952 هو القانون رقم 30/52، الذي استقرت قواعده لدى
القضاء والقانونيين عموماً، وأصبح مألوفاً لهم وصدرت بشأنه مئات أحكام
القضاء. وحسب أحكام القانون المدني (المادة 86)، فان الأولوية بالتطبيق هي
لأحكامه وليس لأحكام قانون البيـّنات، وهو ما ذهب إليه القضاء في هذا
الشأن، مع العلم ان قواعد القانون المدني لا تتضمن تصوراً أو تطويراً لما
هو منصوص عليه في قانون البيـّنات. فمن أحكامه (مثل المادة 72) ما هو تكرار
لما ورد في قانون البيـّنات. ومنها (المادة 74) ما هو من قبيل القواعد
الفقهية العامة تطبق على الإثبات وغيره. ومنها (المادة 80) ما غيّر قاعدة
مستقرة في الإثبات دون مبرر، مما أحدث بلبلة في القضاء لا زالت قائمة حتى
الآن. ومنها ما هو مخالف لأصول الإثبات وإجراءاته المستقرة في قانون
البينات، مثل المادة (77) الخاصة باليمين، والمادة (82) التي لم يطبق
القضاء حكمها (عن غير قصد)، ولا زال يطبّق الحكم المقابل لها في قانون
البيـّنات دون معارضة من الخصوم.
وفي باب الالتزامات، وهي
عماد القانون المدني، نجد أمثلة كثيرة على ازدواجية الأحكام، والتناقض،
وعدم الانسجام، والتكرار، والحشو، والنقل الجزافي، والأخذ بالشكل دون
الجوهر أو المضمون، واستخدام المصطلحات غير المألوفة، واستخدام أكثر من
معنى للمصطلح الواحد، أو العكس استخدام عدة مصطلحات لمعنى واحد، والتعقيد،
والتخلّف، وعدم مراعاة الواقع.
ومثال ذلك المادة (2)
بالمقارنة مع المادة 1448/1، ومقارنة الأخيرة بالمادة (5)، وكذلك الأمر
بالنسبة للمادة (91) (مصدرها المجلة) بالمقارنة مع المادة (93) (مصدرها
القانون المصري). والمادة 44 (مصدرها القانون المصري) بالمقارنة مع المادة
128 (مصدرها المجلة)، والمادة 13/2 (مصدرها المشرع التمهيدي للقانون
المصري) بالمقارنة مع المادة 15 (ومصدرها القانون المصري ذاته)، والمادة 86
بالمقارنة مع المادة 1448/2، والمادة 92 (مصدرها ابن شبرمه) بالمقارنة مع
المادة 105 (مصدرها القانون المصري)، والمادة 171 (مصدرها المجلة)
بالمقارنة مع المادة 301 (مصدرها القانون المصري)، والمواد 193-198 وما
بعدها (مصدرها الفقه الإسلامي عموماً) بالمقارنة مع المادة 512 وما بعدها
(مصدرها الفقه الإسلامي والقانون المصري)، والمواد 189-192 بالمقارنة مع
المواد 407 – 410، والمادة 88 بالمقارنة مع المادة 158، والمادة 87
بالمقارنة مع المادة 90، والمادة 125 بالمقارنة مع المادة 673، والمادة 126
بالمقارنة مع المادة 1327، والمادة 147 بالمقارنة مع المادتين 381 و 546.
ومثال ذلك أيضاً استخدام
مصطلح (الشرط) بثلاثة معان مع الخلط الواضح بينها (الباب 1، الفصل 1، الفرع
1/3 من جهة، والمادتان 164 و401 من جهة ثانية، والمادة 393 من جهة ثالثة)،
واستخدام مصطلح (الفضولي) بمعنيين مختلفين، احدهما من الشريعة الإسلامية
أساساً (المادة 171)، والثاني من الفقه الغربيّة مع وجود تطبيقات له في
الفقه الإسلامي (المادة 301). ومثاله استخدام مصطلح الجاني والجناية
(المادتان 273 و289) وهما مصطلحان معروفان في الوقت الحاضر في إطار القانون
الجزائي وليس المدني. ومثاله أيضاً استخدام ثلاثة مصطلحات لمعنى واحد، وهي
الصغير (المادة 117 وما بعدها)، والصبي (المادة 649) واليتيم أي فاقد الأب
(المادة 673). ومثاله استخدام مصطلح "العجماء" (المادة 289) بمعنى الحيوان،
ومصطلح "جٌبار" بمعنى الهدر أو عدم التعويض، ومصطلح "الحاكم" (المادة 124)
بمعنى المحكمة، ومصطلح "الناس" (المادة 127) بمعنى الأشخاص، ومصطلح "الجعل"
(المادة 1000) بمعنى الأجر أو المقابل، واستخدام مصطلح التدليس (المادة
467) على نهج القانون المصري، في حين ان المصطلح المقابل له في القانون
الأردني، آخذا عن الشريعة الإسلامية، هو التغرير (المادة 143).
ومثاله كذلك أن القانون
المدني أخذ بالدية من الشريعة الإسلامية (المادة 273)، وفي الوقت ذاته أخذ
بالتعويض من القوانين الغربيّة (المادة 274)، مع اختلاف المسؤول عن دفع كل
منهما، وصاحب الحق بالدية أو التعويض. وأخذه بفكرة "عدم مسؤولية أحد عن فعل
غيره" (المادة 288) من الشريعة الإسلامية، وفي الوقت ذاته إقرار مسؤولية
العاقلة من الشريعة الإسلامية أيضاً (المادة 274) والمسؤولية على أساس
الحراسة من القوانين الغربيّة (المادة 291).
ومثاله أيضاً التفرقة بين
الأضرار بالمباشرة والأضرار بالتسبب، وعدم مسؤولية المتسبب مع وجود المباشر
جرياً وراء المجلة (المادتان 257-258)، ولكنه اخذ أيضاً عن القوانين
الغربيّة بالمسؤولية عن فعل الغير على أساس التبعية أو الرقابة (المادة
288)، والمسؤولية على أساس الحراسة (المادة 291)، مع ان المتسبب بالضرر
ساهم فعلياً بإحداث هذا الضرر، في حين أن أياً من متولي الرقابة أو المتبوع
أو الحارس ليس متسبباً في الضرر بل أقل من ذلك بكثير.
ومثال ذلك أيضاً انه أخذ في
باب تفسير العقود بما يزيد على ثلاثين قاعدة (المواد 213-241) كلها من
الفقه الإسلامي ما عدا المادة (240 و241)، ولكن منها ما هو تكرار للمعنى مع
اختلاف اللفظ (المادة 214/1 والمادة 239/2)، ومنها ما لا علاقة له بالتفسير
(المواد 219 و222 و233)، ومنهما ما يمكن وضعه بقاعدة واحدة مجملة (مثل
المواد 220، 224-226).
ومثال على عدم منطقية
القانون انه كمبدأ عام لا يعتد بالتغرير (التدليس) كعيب من عيوب الرضا ما
لم يصاحبه غبن فاحش (المادة 145)، في حين لم يشترط ذلك في الغلط، مع ان
العكس تماماً هو الصحيح إذا كان لا بد من اشتراط الغبن، فكلاهما نوع من
الغلط، إلا ان الفرق بينهما ان التغرير، كما يقول بعض فقهاء المسلمين، هو
تغليط من احد المتعاقدين للآخر، في حين ان الغلط هو ذاتي وقع به كلا
المتعاقدين. فإذا كان شرط الغبن لا بد عنه كان يجب اشتراطه في الغلط الذاتي
وليس التغليط. ومثال آخر ان القانون اخذ بالربح الفائت في إطار الفعل الضار
(المادة 266)، ولم ينص عليه في إطار العقد، مع ان العقود هي التي تربط
الأشخاص ببعضهم، كما تربط الدولة بغيرها من الدول أكثر بكثير من الفعل
الضار، فما هو المبرر والمنطق لمثل هذه التفرقة؟.
وما ذكرته سابقاً، هو مجرد
أمثلة يسيرة على واقع القانون المدني الأردني، وليفهم القارئ بعد ذلك ما
يفهمه من القول بأن هذا القانون مستمد أساساً من الشريعة الإسلامية.
المذكرة الإيضاحية
للقانون المدني الأردني
أعد واضعو القانون مذكرة
إيضاحيه له تقع في جزئيين (813 صفحة)، وقالوا بشأنها ان كل مادة من مواد
القانون "تستند إلى مآخذها ونظائرها في القوانين المعاصرة، ومرجعها الفقهي
في مذكرات إيضاحية ...... وهي شروح وافية لكل مادة وثروة قانونية لقضائنا
ورجال القانون".
ولكن الواقع غير ذلك، فهناك
عشرات النصوص لم يرد بشأنها أي تعليق أو شرح، وانما اكتفت المذكرة الإشارة
إلى مصادر النصوص المقابلة لها في القوانين الأخرى والشريعة الإسلامية.
وفيما عدا ذلك، فان المذكرة الإيضاحية، على غرار القانون، كثيراً ما كانت
تنقل جزافياً عن كتابات فقهية وقانونية مختلفة، مع ما ترتب على ذلك من حشو
ومغالطات كثيرة فيها.
وعلى سبيل المثال، نجد
المذكرة تنقل في بعض الأحيان، نقلاً شبه حرفي عن مجموعة الأعمال التحضيرية
للقانون المدني المصري، مع الوقوع في أخطاء واضحة بسبب اختلاف الحكم بين
القانونية المصري والأردني، أو بسبب ان النص في القانون الأردني مستمد
أصلاً من مصدر آخر غير القانون المصري. ففي التعليق على المادة (90) مثلاً،
تقول المذكرة بأن القانون تجنب إيراد تعريف للعقد، مع أن تعريف العقد وارد
في المادة (89)، وقالت المذكرة بشأنه ان هذا التعريف مستمد من المادة (103)
من المجلة. كما تقول المذكرة في التعليق على المادة (45) من القانون بان
هناك أحوالاً تكون فيها تصرفات السفيه أو ذي الغفلة قابلة للإبطال أو
باطلة، مع ان القانون الأردني لا يعرف نظرية قابلية العقد للبطلان المستمدة
من القوانين الغربيّة، وانما نظرية العقد الموقوف المستمدة من الشريعة
الإسلامية. وتقول المذكرة في التعليق على المادة (66) بأن القانون استند في
الضوابط الثلاثة بشان إساءة استعمال الحق إلى الفقه الإسلامي، وان
أول هذه الضوابط هو استعمال الحق بقصد الأضرار بالغير فقط، مع ان هذه
الضوابط هي أربعة في القانون الأردني وليس ثلاثة كما هو الحال في
القانون المصري، والضابط المذكور غير موجود أصلاً في القانون الأردني بخلاف
القانون المصري. ومثال ذلك أيضاً تعليق المذكرة على المادتين 139 و140، مع
انه لا صلة للتعليق بهاتين المادتين وانما المادة 135.
ويعيب المذكرة الإيضاحية
أيضاً، شأنها شأن القانون في ذلك، انها لم تراع ما جرى عليه التطبيق العملي
في الأردن أو أي دولة عربية أخرى في واقع مماثل لأي مسالة من المسائل، مع
انه قد مضى على إنشاء محكمة التمييز عند وضع القانون المدني حوالي ربع قرن،
أغنى فيها القضاء المكتبة القانونية بمئات الأحكام في المعاملات المدنية
سواء بتطبيق مجلة الأحكام العدلية أو القوانين الخاصة، أو بأخذه أو رفضه
الأخذ بنظريات قانونية حديثة. لذلك، جاء القانون المدني ومذكرته الإيضاحية
غريبين تماما عن الواقع، بحيث لا توجد بينهما من جهة وبين التطبيق العملي
من جهة أخرى أي صلة على الإطلاق.
ويعيب المذكرة الإيضاحية
كذلك اقتباسها لأمثلة عفا عليها الزمن، واردة في كتب الفقه الإسلامي
القديمة، وكان من الممكن الاستغناء عنها بأمثلة تعبّر عن واقع الحياة
الحديثة. وباستثناء بعض التصرفات الشاذة من أشخاص ينتمون إلى دول تدّعي
كذباً أو نفاقاً انها تطبق الشريعة الإسلامية، فان تلك الأمثلة لا وجود لها
في حياة اليوم إلا في عقول الذين ارتضوا بالتخلف والانحطاط سبيلاً، كالحديث
عن الجواري، والإماء، والأحرار، والعبيد، والمولى، والقن، وشراء الغلمان،
وشراء كبش نطـّاح، أو ديك مقاتل، واستئجار نائحة. هذا وغيره يوجد الكثير
منه في المذكرة الإيضاحية. وباستثناء أمثلة محدودة نقلت عن مجموعة الأعمال
التحضيرية للقانون المصري، لا نجد في المذكرة شيئاً حول السيارة والطائرة
والباخرة والقطار والمصعد والتلفون والتلفزيون والتلكس والفاكس والكمبيوتر
والراديو والكاميرا والفيديو والآلات والمصانع، مع ان الحياة العصرية، حتى
في الدول المتخلفة، تعج بالمعاملات المدنية على هذا النحو، وليس ببيع أو
شراء الجواري والعبيد والغلمان أو استئجار النائحات.
وبدون شك، فان إيراد أمثلة
عصرية لقانون ندّعي كذباً أو نفاقاً انه مستمد من الشريعة الإسلامية لا يعد
كفرا، ولا يسئ إلى الشريعة، بل على العكس من ذلك يعزز وجهة نظر المدافعين
عنها في مواجهة أعدائها من الشرق والغرب، والذين تربطنا بهم علاقات مالية
يومية. فكيف نطلب إليهم تطبيق قانون وطني (في معاملة مالية دولية مثلاً)،
يعود هو ومذكرته الإيضاحية إلى ما يزيد على ألف سنة إلى الوراء؟ وأيهما يسئ
إلى الشريعة الإسلامية في الوقت الحاضر التمثيل بشراء عبد وجارية وكبش
نطـّاح وديك مقاتل؟ أم التمثيل بشراء طائرة وتلكس وفاكس وكمبيوتر؟
وجهة نظر خاصة
ووجهة نظري الخاصة، انه يجب
التفرقة بين نوعين من العلاقات المنبثقة عن الشريعة الإسلامية:
الأولى - العبادات، الثانية – العلاقات القانونية.
فبالنسبة للأولى، يمكن القول
بشأنها انها مطلقة وغير قابلة للتغيير من أي نوع كان سواء من حيث الزمان أو
المكان. وعلينا بالتالي ان نتبع العبادات كما وردت لنا من القران الكريم
والسنة النبوية الشريفة. ويجمع المسلمون على هذه العبادات منذ عهد النبي
(ص) حتى يومنا هذا، مع عدم إنكار وجود خلافات بينهم على بعض تفصيلات
العبادات وليس كيانها.
ويترتب على ذلك القول ان من ينكر احد هذه العبادات عن قصد لا يكون على دين
الإسلام.
أما بالنسبة للعلاقات
القانونية بين الأشخاص، فانه تجدر الإشارة بشأنها إلى ما يلي:
1-
أن هذه العلاقات مرتبطة (في
غالبية الأحيان) بظروف الواقع وأحواله التي لا شك انها متغيرة زمانا
ومكانا. ويترتب على ذلك القول انه قد توجد ظروف جديدة لم تكن موجودة في
السابق. فتؤدي إلى ولادة قاعدة قانونية تلائمها. وفي الوقت ذاته، فان هذه
القاعدة قد تتغير باختلاف الظروف. ومن هنا كانت القاعدة الفقهية الإسلامية
القائلة بأنه "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"، التي يمكن أن نضيف
عليها أيضاً عبارة "أو بتغير المكان أو الظروف".
2-
وما دام أن الأحكام قد تتغير
على النحو المشار إليه، يمكن القول انه لا توجد حقائق مطلقة في العلاقات
القانونية عموماً، وتاريخ القانون وحاضره، اثبتا ويثبتان ذلك حتى في إطار
الشريعة الإسلامية بمصادرها المختلفة، وسنذكر أمثلة على ذلك بعد قليل.
ويثبتان ذلك حتى في إطار الشريعة
الإسلامية بمصادرها المختلفة، وسنذكر أمثلة على ذلك بعد قليل.
3- أن القران الكريم، هو
المصدر الأول والأساسي للتشريع الإسلامي، تضمن أحكاماً محدودة جدا
للمعاملات المدنية (المالية)، تكاد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، أو
اليدين الاثنتين على ابعد تقدير. وجاءت هذه الأحكام بصيغة عامة إجمالية
تاركة مجالاً خصباً للاجتهاد حتى في هذه الأحكام ذاتها. بل ان منها، إن لم
تكن غالبيتها أو حتى كلها، قد ورد على سبيل الاسترشاد أو الاستئناس، وليس
على سبيل الأمر الملزم وجوباً. والمثل الواضح على ذلك كتابة الدين الواردة
في الآية (282) من سورة البقرة. ومما جاء فيها ".... يا أيها الذين امنوا،
إذا تداينتم بدين لأجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل"، ".....
وليملل الذي عليه
الحق.....". وكذلك حكم الرهن الوارد في المادة (283) من سورة البقرة "وان
كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة....".
4- أن السلف من المسلمين،
وخاصة الأوائل منهم، لم يتوانوا عن الاجتهاد في المعاملات المدنية
(بالمعنى الواسع) حتى في
إطار القران الكريم نفسه. ولم يغلقوا سمعهم أو أبصارهم أو عقولهم أو قلوبهم
في مسالة بحاجة لاجتهاد، بحجة أن القران الكريم نص على هذه المسألة. وكان
سندهم في الاجتهاد، أحيانا الحكمة من التشريع. فإذا تغيرت الحكمة أو العلة،
أو انتفت بحيث أصبحت غير موجودة، لا مانع لديهم من تغيير الحكم. وأحيانا
أخرى كان سندهم القياس، وأحيانا ثالثة العدل والمساواة أو منطق الأشياء،
بصرف النظر عن حرفية النص في هذه الحالات وغيرها.
وتزخر كتب الفقه الإسلامي
بالأمثلة المؤيدة لما سبق من نقاط، نذكر منها ما يلي:
- أن مسالة من مسائل
الميراث، خاصة بميراث الجدة (في حال عدم وجود الأم) عرضت على الخليفة أبو
بكر، فأعطاها السدس، بالرغم من أن القران الكريم لم ينص على ميراثها.
- انه لما آلت الدولة
الإسلامية لخلافة عمر بن الخطاب، واتسعت رقعتها وأصبح المسلمون كثرة كثيرة،
رفض الخليفة إعطاء المؤلفة قلوبهم لنصيبهم من الصدقات (أو الزكاة)، مع أن
النبي (ص) كان يعطيهم منها تنفيذا للآية الكريمة "إنما الصدقات للفقراء
والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم...." وكانت حجة ابن الخطاب
انه لمّا نزلت تلك الآية الكريمة، كان المسلمون يومئذ قلة، وهم بحاجة إلى
المؤلفة قلوبهم لسبب أو لآخر. أما وقد كثر المسلمون، ولم يعودوا بحاجة لهم،
بل هم بحاجة للإسلام، فانه لا مبرر لإعطائهم من الصدقات، وحرمهم منها فعلا.
-
ومن الاجتهادات الشهيرة لعمر بن الخطاب أيضاً، ما اصطلح على تسميته
بالمسألة العمرية في الميراث. وهي الحالة التي يموت فيها الشخص عن زوج وأم
وإخوة أشقاء وإخوة لأم. في هذا الغرض لا يكون للأخ الشقيق نصيب من الميراث،
بخلاف الأخ لام وهو أمر يجافي العدل والمنطق، مما حدا بالأخ الشقيق أن يقول
لعمر بن الخطاب عندما عرضت المسألة عليه "هب أن أبانا حماراً أليست أمنا
واحدة"؟. وكانت نتيجة ذلك ان اجتهد ابن الخطاب ووزع نصيب الأخ لام عليه
وعلى الأخ الشقيق بالتساوي.
-
ومن الأمثلة كذلك ميراث الحفيد في حال وفاة والدهم ثم جدهم مع وجود أعمام
لهم أي وجود أبناء آخرين للجد غير الابن المتوفي. في هذا المثال يحجب
الأعمام الحفيد من الميراث. إلا أن قواعد العدل تقتضي غير ذلك، أي توريثهم
على الأقل نصيب أبيهم المتوفي، وكأنه توفى بعد وفاة الجد وليس قبله. وبناء
عليه، قال بعض فقهاء المسلمين (الاباضية) بالوصية الواجبة للحفيد، وتكون
بمقدار نصيب أبيه المتوفي بشرط أن لا تتجاوز الثلث. وهي في حقيقتها ميراث
وان سميت وصية. إذ يمنع المشرع أن ينص على ميراث بنصيب معين بشرط أن لا
يتجاوز نسبة معينة من التركة، وهو ما أخذت به قوانين بعض الدول العربية ومن
ضمنها مصر والأردن.
-
ومثال أخير على ذلك ان الشافعي كان له مذهب في العراق عندما كان مقيماً
فيها. وعندما انتقل إلى مصر، اختلفت اجتهاداته تبعاً لاختلاف البيئة في مصر
عنها في العراق آنذاك، بما في ذلك اختلاف الأعراف والعادات. لذلك، قيل أن
للشافعي مذهبان: احدهما للعراق والآخر لمصر.
الخلاصة
أن الإسلام يكره التقليد
الأعمى للسلف حتى في العبادات، وهو ما أكده القران الكريم في أكثر من موطن.
ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى "وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل
نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون"
(البقرة: 170). وقوله سبحانه وتعالى "وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل
الله والى الوصول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباؤنا أو لو كان آباؤهم لا
يعلمون شيئا ولا يهتدون" (المائدة: 104). والحديث النبوي الشريف يقول،
ان صح، "انتم أدرى بشؤون دنياكم"، ويقول أيضاً "اطلب العلم ولو
في الصين".
ولكن هذا لا يعني عدم
التقليد بصورة مطلقة حتى لو كان التقليد نافعاً. ولا الاقتباس عن قوانين
حديثة (غريبّة مثلاً) لمجرد التجديد حتى لو كان ذلك ضاراً. والأفضل
باعتقادي وضع قانون مدني يراعي مصالح الأفراد المالية في ضوء الواقع
والتجارب، مع الاستفادة ما أمكن من تجارب غيرنا في واقع مماثل، سواء كانوا
من السلف الصالح أو غيرهم، ولكن بما لا يخالف نصاً آمراً في القران الكريم
أو الثابت من السنة الشريفة في شأن من شؤون المعاملات المالية الدنيوية.
الدكتور حمزة احمد حداد