دور المحكمة في التحكيم في القوانين العربية
(مصر وعُمان والأردن)
تلعب
محاكم الدولة دوراً هاماً وحيوياً في العملية التحكيمية في إطار التحكيم
التجاري من بدايته وحتى إلى ما بعد صدور حكم التحكيم النهائي. ونشير فيما
يلي إلى بعض الأمثلة على ذلك، من واقع قواعد التحكيم المطبقة لدى بعض الدول
العربية، وعلى التحديد في الدول التي أفردت للتحكيم تقنيناً خاصاً به مثل
مصر وعُمان والأردن.
أولا:
المساعدة القضائية
كثيراً
ما تحتاج هيئة التحكيم مساعدة القضاء لحسن سير إجراءات التحكيم. فالهيئة
ليست سلطة قضائية رسمية لها صلاحية الإجبار في إلزام شخص على القيام بعمل
بالقوة، أو فرض جزاء عليه إذا لزم الأمر، بخلاف سلطة القضاء التي لها
القيام بذلك في مختلف الدول. ومثال ذلك دعوة خبير للمناقشة أو دعوة شاهد
للشهادة على واقعة معينة، أو الطلب من شخص ثالث تقديم مستندات تحت يده
لهيئة التحكيم لأهميتها للفصل في النزاع. في هذه الأمثلة وغيرها، لا تستطيع
هيئة التحكيم تنفيذ قراراتها بالإجبار، مما يضطرها للطلب من المحكمة
المختصة أن تساعدها في ذلك، بإصدار أمر بتنفيذ هذه القرارات بالقوة عند
الاقتضاء. وعندئذ، يتوجب من الشخص الموجه إليه الأمر، أن يقوم بتنفيذه
باعتباره أمراً قضائياً ملزماً، تحت طائلة الجزاءات المقررة في القانون من
حبس أو غرامه أو غير ذلك. وفي هذا الشأن، تقضي المادة (8) من قانون التحكيم
الأردني بأنه يحق لهيئة التحكيم أن تطلب من المحكمة المختصة مساعدتها على
إجراءات التحكيم، وفق ما تراه الهيئة مناسباً لحسن سير التحكيم، مثل دعوة
شاهد أو خبير أو الأمر بإحضار مستند أو صورة عنه أو الاطلاع عليه أو غير
ذلك. ولا يوجد لهذا النص مقابل في القانون المصري أو العماني، ولكن نرى بأن
المبادئ العامة في التحكيم تسمح بتطبيقه. ويؤكد ذلك بأن المادة (37/أ) من
كل من قانون التحكيم المصري وقانون التحكيم العماني، تقضي بأنه يختص رئيس
المحكمة المختصة بناء على طلب هيئة التحكيم، بالحكم على من يتخلف من الشهود
عن الحضور أو يمتنع عن الإجابة، بالجزاءات المنصوص عليها في قانون الإثبات
في المواد المدنية والتجارية. ومؤدى ذلك أنه ليس هناك ما يمنع أن تطلب هيئة
التحكيم المساعدة القضائية من المحكمة المختصة، وعلى المحكمة أن تستجيب
لهذا الطلب في حدود ما يسمح به القانون، وهذا ما يؤكده الواقع العملي.
وهناك
حالة من حالات المساعدة القضائية لهيئة التحكيم، نص عليها المشرع صراحة في
قوانين الدول محل البحث. وتفترض هذه الحالة أن طرفي النزاع اتفقا على منح
هيئة التحكيم صلاحية اتخاذ تدابير مؤقتة أو تحفظية تقتضيها طبيعة النزاع،
وأن تطلب الهيئة من أحد الطرفين تقديم ضمان لتغطية نفقات مثل هذا التدبير.
ومثال ذلك، أن تكون البضاعة محل النزاع قابلة للتلف مثل الفواكه والخضروات،
أو تكون محل مضاربة على سعرها في وقت من الأوقات مثل النفط والذهب. ويؤدي
ذلك إلى تلف البضاعة في الحالة الأولى وارتفاع أو انخفاض سعرها بشكل كبير
في الحالة الثانية، قبل صدور حكم التحكيم.
في مثل
هذه الأحوال، قد تأمر الهيئة الطرف الذي توجد البضاعة تحت يده ببيعها
فوراً، وإيداع الثمن لدى احد البنوك إلى حين البت في موضوع النزاع.
وبالمقابل، قد تطلب الهيئة من الطرف الآخر تقديم كفالة مصرفية بمبلغ معين
لضمان أي خسارة أو ضرر لحق بالطرف الأول، إذا تبين نتيجة الدعوى أن الطرف
الأول محق في دعواه.
في فروض
كهذه، إذا امتنع الطرف الموجه له الأمر عن تنفيذه، جاز لهيئة التحكيم، بناء
على طلب الطرف الأول، أن تأذن له في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذه، بما
في ذلك حقه في الطلب من المحكمة المختصة إصدار أمرها بالتنفيذ (المادة
23/أردني؛ والمادة 24/مصري وعُماني). في هذه الحالة، يتوجب على المحكمة
تقديم المساعدة بإصدار قرار قضائي بتنفيذ الأمر الصادر عن هيئة التحكيم.
وقد
يتعذر تنفيذ هذا الأمر جبراً لأنه مرتبط تماماً بإرادة من وجه إليه الأمر،
أو مرتبط بإرادته وإرادة شخص آخر. ومثال ذلك الأمر بجلب البضاعة من مكانها
لمعاينتها، في حين لا يعرف مكان البضاعة إلا الشخص الموجه إليه الأمر ويرفض
هذا الشخص الأمر، أو يكون موضوع الأمر تقديم كفالة مصرفية من أحد طرفي
النزاع، ويرفض هذا الطرف الطلب من أي مصرف تقديم الكفالة عنه بالرغم من
إمكانية ذلك. في هذه الحالة، نرى انه من حق المحكمة اللجوء للغرامة
التهديدية لإجبار ذلك الشخص على تنفيذ الأمر المطلوب منه، وهو جزاء مدني
معروف، بوجه عام، في القوانين المدنية العربية.
ثانيا:
القضاء واتفاق التحكيم
من
المتفق عليه في قوانين الدول محل البحث، أنه إذا كان هناك اتفاق تحكيم بشأن
نزاع معين، وعرض ذات النزاع على القضاء، فيجب على المحكمة رد الدعوى إذا
توفرت شروط معينة، أهمها أن يثير المدعى عليه الدفع بوجود اتفاق تحكيم قبل
الدخول في أساس الدعوى حسب تعبير القانون الأردني (المادة 12)، أو
قبل إبداء أي طلب أو دفاع في الدعوى حسب تعبير القانونيين المصري والعُماني
(المادة 13). وعلى ذلك، فان دور المحكمة هنا هو التثبّت من وجود
اتفاق تحكيم حول النزاع المعروض عليها، وأن هناك دفعا بشأنه، أثاره المدعى
عليه في الوقت المناسب على النحو المشار إليه. فإذا تبين لها ذلك، فيتوجب
عليها عدم قبول الدعوى حسب النص في القانونين المصري والعماني، أو إحالة
النزاع إلى التحكيم حسب النص في القانون الأردني. وبمعنى آخر، فان وجود
اتفاق تحكيم يفيد، من حيث المبدأ، نزع الاختصاص بشأن النزاع موضوع الاتفاق
من القضاء، وإعطائه للجهة المختصة بذلك أي جهة التحكيم (الخاص)، كما ذهبت
إلى ذلك العديد من احكام القضاء.
وقد لا
يكون هناك اتفاق مسبق على إحالة النزاع للتحكيم، وإنما يتم مثل هذا الاتفاق
أثناء نظر الدعوى القضائية. وعلى غرار الحكم السابق، يجب على المحكمة في
هذه الحالة أن ترد الدعوى، وهو ما نص عليه قانون التحكيم الأردني، بقوله
أنه إذا تم الاتفاق على التحكيم أثناء النزاع من قبل المحكمة، فعلى المحكمة
أن تقرر إحالة النزاع إلى التحكيم (المادة 10/ج). وفي القانونين
المصري والعُماني، فإن الاتفاق على التحكيم جائز ولو كان الاتفاق بشأن دعوى
مرفوعة أمام القضاء (المادة 10/2). ويفترض في هذه الحالة، انه يجب
على المحكمة إحالة النزاع للتحكيم. وبمعنى آخر، فإن القوانين الأردن ومصر
وعمان، متفقة من هذه الناحية وإن اختلفت الصياغة في ذلك.
وتجدر
الإشارة هنا إلى مسالتين:
الأولى:
إن لجوء احد أطراف النزاع للقضاء بالرغم من وجود اتفاق تحكيم بشأن هذا
النزاع، يعني تنازل ذلك الطرف عن حقه بالتمسك باتفاق التحكيم في وقت لاحق.
ولكن من المهم ملاحظة أن لجوئه للقضاء المستعجل للبت في مسألة مستعجلة، مثل
طلب إلقاء الحجز التحفظي لا يعني تنازله عن اتفاق التحكيم. فلو لجأ الطرف
الآخر للقضاء للبت في موضوع النزاع، فمن حق الطرف الأول إثارة الدفع باتفاق
التحكيم، بالرغم من انه هو نفسه لجأ للقضاء المستعجل، وعلى هذا تتفق قوانين
الدول محل البحث (المادة 14/مصري وعُماني؛ والمادة 13/أردني).
الثانية:
إذا رفعت دعوى بموضوع النزاع المتفق على إحالته للتحكيم، ولم يثر الطرف
الآخر الدفع باتفاق التحكيم قبل الدخول في أساس الدعوى، حسب تعبير القانون
الأردني، أو قبل إبدائه أي طلب أو دفاع آخر في الدعوى، حسب تعبير القانونين
المصري والعماني، فانه يسقط حقه بالتمسك باتفاق التحكيم (المادة
12/أردني؛ والمادة 13/مصري وعُماني)، ويعود الاختصاص بنظر الدعوى
للقضاء.
ثالثا:
تعيين هيئة التحكيم
من
المبادئ العامة المتفق عليها في التحكيم، حرية أطراف النزاع في تعيين هيئة
التحكيم، سواء مباشرة باختيار أسمائهم من الأطراف، أو بطريقة غير مباشرة
بإحالة الأمر إلى جهة ثالثة تتولى مهمة التعيين، مثل الاتفاق على احد مراكز
التحكيم المنتشرة في العالم لتولي هذا الأمر، ومن ذلك مركز القاهرة
الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، أو مركز دبي للتحكيم الدولي، أو مركز
لبنان للتحكيم. وعادة ما تكون هيئة التحكيم مكونة إما من محكم منفرد أو من
ثلاثة محكمين. وفي المحكم المنفرد، يترك الخيار لأطراف النزاع لاختيار هذا
المحكم. وفي هيئة التحكيم الثلاثية، يعطى كل من طرفي النزاع حرية اختيار
محكمه، في حين يعين المحكم الثالث، الذي عادة ما يتولى رئاسة هيئة التحكيم،
إما من قبل الطرفين مباشرة، أو من قبل المحكمين الاثنين المعنيين من قبلهما
وفق ما ينص عليه النظام القانوني المطبق على التحكيم (المادة 17/مصري
وعماني، والمادة 16/أردني).
وإذا لم
يتم تعيين أي محكم وفقا للأحوال السابقة، تتولى المحكمة المختصة تعيينه
بناء على طلب أحد الأطراف. ويطبق هذا الحكم في حال عدم اتفاق الأطراف على
تعيين المحكم المنفرد، أو عدم قيام احد الطرفين بتعيين محكمه، أو عدم اتفاق
الطرفين أو المحكمين الاثنين المعينين من الطرفين أو عنهما، بتعيين المحكم
الثالث (رئيس هيئة التحكيم). وعند قيام المحكمة بتعيين احد المحكمين على
هذا النحو، يجب عليها أن تراعي الشروط التي تطلبها القانون، أو تطلبها
الأطراف في المحكم (المواد السابقة)، مثل اشتراط القانون في المحكم
أن لا يكون قاصراً أو محجوراً عليه. واتفاق طرفي النزاع على مواصفات معينة
في المحكم، كأن يكون مهندساً أو من جنسية معينة.
ومن
المهم ملاحظة أن لطرفي النزاع الاتفاق على إعطاء جهة ثالثة غير قضائية
صلاحية تعيين المحكم، بدلاً من المحكمة المختصة في حال عدم اتفاقهما على
تعيين احد المحكمين. ويكثر هذا في الحياة العملية في التحكيم المؤسسي، حيث
يعهد الطرفان لإحدى مؤسسات التحكيم تعيين المحكم، مثل غرفة التجارة
الدولية، ومركز القاهرة للتحكيم التجاري، ومركز دبي للتحكيم الدولي. فإذا
تعذر تعيين المحكم عن طريق تلك الجهة لأي سبب، مثل رفض تلك الجهة تعيين
المحكم، يعود اختصاص التعيين ثانية للمحكمة المختصة.
كما
تجدر ملاحظة أن الاختصاص القضائي من حيث درجة التقاضي في القوانين محل
البحث هو، من وجهة نظرنا، من النظام العام لا يجوز الاتفاق على خلافه.
ولتوضيح ذلك نقول أن محاكم الاستئناف في الأردن، مثلاً، هي المختصة بتعيين
المحكم في حال عدم الاتفاق على تعيينه (المادة 2). فلا يجوز للطرفين
الاتفاق على إعطاء هذا الاختصاص لإحدى محاكم البداية. والشيء ذاته يقال في
مصر وعُمان. ففي مصر، إذا كان التحكيم دولياً، يكون الاختصاص بتعيين المحكم
لمحكمة استئناف القاهرة، أما إذا لم يكن التحكيم كذلك، فقد أعطي هذا
الاختصاص للمحكمة المختصة أصلا بنظر النزاع (المادة 9)، وهي عموماً
محاكم البداية. وبناء عليه، لا يجوز في الحالة الأولى الاتفاق على إعطاء
الاختصاص لإحدى محاكم البداية، ولا لإحدى محاكم الاستئناف في الحالة
الثانية. ويطبق ذات الحكم في عُمان، حيث أعطي الاختصاص بتعيين المحكم
للمحكمة التجارية، إلا إذا كان التحكيم تجارياً دولياً، حيث أعطي الاختصاص
للدائرة الاستئنافية بتلك المحكمة (المادة 9). فلا يجوز الاتفاق على
إعطاء الاختصاص للدائرة الاستئنافية في الحالة الأولى، ولا للمحكمة
التجارية في الحالة الثانية.
رابعا:
عزل المحكم
أعطت
القوانين العربية محل البحث للقضاء سلطة عزل المحكم، عموماً، إذا توفر أحد
الأسباب المنصوص عليها في القانون. ومن هذه الأسباب رد المحكم بناء على طلب
أحد طرفي النزاع. وفي القانون الأردني، فان طلب الرد يقدم لمحكمة الاستئناف
المختصة وفق شروط معينة، وهي صاحبة الاختصاص بالنظر في هذا الطلب وإصدار
القرار القضائي بشأنه (المادة 18).
والوضع
مختلف في عُمان حيث أعطي الاختصاص في رد المحكم لهيئة التحكيم ذاتها. فإذا
قررت رفض الطلب، فلطالب الرد ان يطعن في الحكم برفض طلبه أمام المحكمة
المختصة (المادة 19). ويفهم من هذا النص في القانون العُماني، أن
قرار هيئة التحكيم بقبول طلب الرد (وليس رفضه)، هو قرار قطعي لا يقبل الطعن
أمام أي جهة قضائية أو غيرها، أي أن القضاء لا يكون مختصاً في رد المحكم
إلا حيث تقضي هيئة التحكيم برفض طلب الرد. وكان القانون المصري يتضمن نصاً
مماثلاً (المادة 19). إلا انه تم تعديل هذه المادة في القانون رقم 8
لسنة 2000، بحيث أصبح طلب الرد يقدم ابتداء لهيئة التحكيم. فإذا لم يتنح
المحكم المطلوب رده خلال (15) يوماً من تاريخ تقديم الطلب، يحال هذا الطلب
للمحكمة المختصة للفصل فيه. أي أن رد المحكم في القانون المصري يمر
بمرحلتين متعاقبتين:
الأولى :
لا بد من تقديم طلب الرد لهيئة التحكيم.
الثانية:
ومن ثم يحال الطلب للمحكمة للبت فيه سلباً أو إيجاباً، في حال عدم تنحي
المحكم المطلوب رده خلال الفترة المشار إليها.
ويترتب
على ذلك القول، بأنه في حال عدم اكتمال تشكيل هيئة التحكيم، فلا يجوز تقديم
طلب لرد المحكم، كما أن دعوى الرد أمام القضاء تكون سابقة لأوانها فلا تقبل
الدعوى.
ومن
الأسباب الأخرى لعزل المحكم، أن يتعذر عليه أداء مهمته أو لا يباشرها أو
ينقطع عن أدائها، بما يؤدي إلى تأخير غير مبرر في إجراءات التحكيم. في مثل
هذه الأحوال، إذا لم يتنح ذلك المحكم من منصبه، وكذلك في حال عدم اتفاق
الأطراف على عزله، فانه يجوز للمحكمة بناء على طلب احد الأطراف إنهاء
مهمته، وعلى هذا تتفق قوانين التحكيم في كل من مصر وعمان والأردن
(المادة 20/مصري وعُماني؛ والمادة 19/أردني). وهذه القوانين لم تفرض
على المحكمة عزل المحكم، وإنما أعطتها صلاحية تقديرية إما بعزل المحكم أو
اتخاذ إجراء آخر تراه أكثر ملائمة لحسن سير التحكيم. وعلى ذلك، فان
المحكمة، بعد الأخذ بالاعتبار لكافة الظروف، قد تقرر إنهاء مهمة المحكم أو،
على العكس من ذلك، قد ترفض الطلب إذا تبين لها، مثلاً، أن التأخير في
إجراءات التحكيم له ما يبرره، أو قد تعطي للمحكم فرصة لمباشرة الإجراءات أو
الاستمرار بها. ولكن هناك حالة نرى أن يتوجب على المحكمة الاستجابة لطلب
عزل المحكم. وهي الحالة التي يتعذر على المحكم أداء مهمته، أي أصبح من
المستحيل عليه القيام بهذه المهمة، مثل نقصان أو انعدام أهليته اللاحق على
تعيينه محكماً، أو إصابته بمرض يعجزه عن القيام بمهمته مثل الشلل الكلي أو
غيره.
خامسا:
تمديد مدة التحكيم وإنهاء الإجراءات
وتفترض
هذه الحالة أن المدة المنصوص عليها قانوناً لإصدار حكم التحكيم النهائي، قد
أنقضت دون صدور الحكم. في هذه الحالة، يجوز لأي من طرفي التحكيم أن يطلب من
رئيس المحكمة المختصة، أن يصدر أمراً لتحديد موعد إضافي أو أكثر لإنهاء
إجراءات التحكيم. فإذا صدر قرار بإنهاء الإجراءات، يكون لأي من الطرفين أن
يرفع دعواه إلى المحكمة المختصة أصلا بنظرها (المادة 45/مصري وعُماني،
والمادة 37/أردني). ونستخلص من النصوص التشريعية المتعلقة بهذه الحالة
ما يلي:
1-
ان
الطلب يتم تقديمه من احد الطرفين وليس من كليهما. والسبب في ذلك، أن إنهاء
الإجراءات من الطرفين معا ليس بحاجة إلى قرار من أية جهة، وانما مجرد اتفاق
الأطراف على ذلك يكفي (المادتان 41 و 48/مصري وعماني؛ والمادتان 39 و
44/أردني).
2- ان الطلب
يقدم لرئيس محكمة الاستئناف المختصة وليس للمحكمة ذاتها. ولكن ليس هناك ما
يمنع من تقديمه باسم المحكمة على أن يتولى الرئيس اتخاذ القرار المناسب
بشأنه.
3-
ان
الطلب ليس بدعوى ولا بطلب قضائي بالمفهوم القانوني لهذين المصطلحين، وانما
هو مجرد استدعاء يقدم لرئيس المحكمة بصفته الولائية وليس القضائية.
4-
أن
موضوع الطلب، إستصدار أمر من رئيس المحكمة بتحديد موعد إضافي أو أكثر، أو
بإنهاء إجراءات التحكيم فقط، أو بهذين الأمرين معا على سبيل التناوب.
وبصرف النظر عن مضمون الطلب، فاننا نرى أن لرئيس المحكمة الصلاحية إما
بتحديد موعد إضافي أو بإنهاء الإجراءات وفق ما يراه مناسبا. ورئيس المحكمة
هو الذي يقدر فترة الموعد الإضافي على أن يكون معقولا وفقا للظروف المحيطة.
ومن الناحية الإجرائية، ليس هناك ما يمنع رئيس المحكمة من التباحث في هذا
الموضوع مع طرفي النزاع، أو احدهما، أو هيئة التحكيم، أو رئيسها منفرداً.
5-
ولكن،
كما نرى، ليس لرئيس المحكمة صلاحية إصدار قرار يتضمن تحديد موعد إضافي، مع
النص في القرار على أن إجراءات التحكيم تنتهي بانتهاء ذلك الموعد في حال
عدم صدور الحكم خلاله. اذ يفهم من النص بان هذه الصلاحية محددة اما بالموعد
الإضافي، أو بإنهاء الإجراءات وليس بكليهما. ومن جهة أخرى، فانه لا يمنع
الأطراف من ان يتفقوا خلال الموعد الإضافي على تمديد مدة التحكيم، إلى ما
بعد انتهاء الموعد، وليس لرئيس المحكمة فرض غير ذلك عليهم. ومن غير
المعقول، بل لا يجوز إيجاد تناقض ما بين أمر رئيس المحكمة بإنهاء الإجراءات
في تاريخ معين، وبين إرادة الأطراف بتمديد فترة التحكيم إلى ما بعد ذلك
التاريخ وهذا حقهم المطلق.
6-
إذا انتهى الموعد الإضافي ومع ذلك لم يصدر الحكم خلاله، فلا تنتهي
الإجراءات حكما كما ذكرنا، وانما لا بد من استصدار قرار جديد من رئيس
المحكمة بناء على طلب أحد الطرفين.
7-
إذا قرر رئيس المحكمة
إنهاء الإجراءات، فانه يكون لأي من طرفي النزاع رفع دعواه إلى المحكمة
المختصة أصلا بنظرها. وفي هذه الحالة، ليس من حق الطرف الآخر أن يطلب رد
الدعوى بحجة وجود اتفاق تحكيم لتسوية النزاع. وهذا يقودنا إلى القول بان
اتفاق التحكيم، لم يعد صالحا للاستناد إليه في أي إجراءات تحكيم جديدة، إلا
باتفاق جديد من الأطراف.
8-
مهما كان قرار رئيس المحكمة، فان الرئيس يصدره، كما ذكرنا، بصفته الولائيه
وليس القضائية، ولا يخضع هذا القرار للتظلم أو الطعن لدى أية جهة.
سادسا:
أتعاب المحكمين
هناك
حالة انفرد بها القانون الأردني، ولا يوجد لها مقابل في أي من القانونين
المصري والعماني، وهي خاصة بأتعاب التحكيم. فالمادة (41/د) من قانون
التحكيم الأردني، تنص على أن أتعاب المحكمين يتم تحديدها بالاتفاق بين
المحكمين من جهة، وأطراف النزاع من جهة أخرى. وفي حال عدم الاتفاق، فيتم
تحديدها بقرار من هيئة التحكيم، ويكون قرارها قابلا للطعن أمام محكمة
الاستئناف المختصة. فالمحكمة إذن هي صاحبة القرار النهائي بتحديد هذه
الأتعاب، إذا توفر شرطان: الأول – عدم الاتفاق على الأتعاب على
النحو المذكور. الثاني - إصدار قرار من هيئة التحكيم بتجديد هذه
الأتعاب ولكن لا يقبل به الطرفان أو احدهما. في هذه الحالة، يجوز لأي منهما
الطعن بقرار هيئة التحكيم أمام محكمة الاستئناف. ونرى بأن هكذا طعن، يأخذ
شكل الدعوى الاستئنافية كأي طعن استنافي آخر، وكأن قرار هيئة التحكيم هو
بمثابة قرار قضائي صادر عن محاكم الدرجة الأولى. ويترتب على ذلك أمران:
1- ان أحد طرفي الخصومة (المستأنف) هو أحد فريقي التحكيم أو كلاهما،
والطرف الآخر (المستأنف ضده) هو هيئة التحكيم بأسمائهم. 2- ان مدة
الطعن هي ثلاثون يوما تبدأ من اليوم التالي لصدور قرار هيئة التحكيم بتحديد
الأتعاب إذا كان الحكم وجاهياً، ومن اليوم التالي لتبليغه للطاعن بالقرار
من فريقي التحكيم إذا كان القرار صدر بحقه بمثابة الوجاهي.
وكما
يقول النص، فان قرار محكمة الاستئناف هو قرار نهائي، ونرى أن المقصود بذلك،
انه قرار قطعي غير قابل لأي طريق من طرق الطعن.
سابعا:
إبطال حكم التحكيم
تتفق
القوانين العربية محل الدراسة، على أن حكم التحكيم النهائي، هو قطعي وغير
قابل لأي طريق من طرق الطعن العادية، المنصوص عليها في قوانين المرافعات
المدنية (المادتان 52 و55/مصري وعُماني؛ والمادتان 48 و 52/أردني).
وبالمقابل، تتفق هذه القوانين على طريق استثنائي للطعن بالحكم، وهو ما يسمى
بالطعن بإبطال الحكم. أي ان موضوع الدعوى هنا هو بطلان وليس استئناف حكم.
وحالات البطلان منصوص عليها في المادة (53) من كل من القانون المصري
والعُماني، والمادة (49) من قانون التحكيم الأردني. والخصومة هنا
موجهة من أحد طرفي النزاع، وهو الطرف الخاسر للدعوى كلياً أو جزئياً، ضد
الطرف الآخر، ويستوي أن يصف الطاعن نفسه بالمستأنف أو المستدعي أو الطاعن
أو طالب الطعن أو غير ذلك، أو يصف الطرف الآخر، الخصم في دعوى البطلان،
بالمستأنف ضده أو المستدعى ضده أو غير ذلك، أو يصف موضوع الدعوى بأنه الطعن
بحكم التحكيم أو بطلانه، أو حتى الطعن بفسخه، ما دام ان من الواضح أن أسباب
الطعن هي الأسباب المنصوص عليها في القانون.
وحالات
الطعن بالبطلان هي حالات محددة حصراً، فلا يجوز القياس عليها. وتبقى دعوى
البطلان جائزة حتى لو اتفق طرفا النزاع قبل صدور الحكم على غير ذلك، أي على
أن الحكم الذي سيصدر هو حكم قطعي غير قابل لأي طريق من طرق الطعن
(المادة 54/مصري وعُماني؛ والمادة 50/أردني). ويفهم من النصوص بمفهوم
المخالفة، أن اتفاق الأطراف بعد صدور الحكم على عدم الطعن به، هو اتفاق
جائز ويعمل به، مما يحول دون الطعن بالحكم عن طريق دعوى البطلان. ولكن إذا
كان الحكم مخالفاً للنظام العام، فانه يتوجب على المحكمة المختصة، حسب
القانون الأردني، أو رئيس هذه المحكمة حسب القانونين المصري والعماني عدم
تنفيذ الحكم، وهو ما تتفق عليه أيضا قوانين الدول محل البحث (المادتان
53/2 و 58/2 مصري وعماني؛ والمادتان 49/ب و 54/أردني).
ومن حيث
مدة الطعن، تتفق القوانين على تحديد مدة للطعن بحكم التحكيم، فإذا رفعت
دعوى البطلان بعد انقضاء تلك المدة ترد الدعوى شكلاً وهيمسألة من النظام
العام، يجوز للمحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها، حتى لو لم يثرها الطرف
المطعون ضده. ولكن قوانين هذه الدول تختلف من حيث تحديد مدة الطعن، ففي حين
ينص القانون الأردني على ان هذه المدة هي ثلاثون يوماً من اليوم التالي
لتاريخ تبليغ الحكم للمحكوم عليه، ينص كل من القانون المصري والعُماني على
أن هذه المدة هي تسعون يوماً من ذلك التاريخ (المادتان 54/مصري وعماني؛
والمادة 50/أردني).
وأخيراً، تتفق قوانين الدول على تقسيم أسباب البطلان إلى قسمين: الأول –
أسباب لا بد ان يثيرها الطاعن حتى تتصدى لها المحكمة. الثاني –
أسباب تثيرها المحكمة من تلقاء نفسها ولو لم يتمسك بها الطاعن (المادة
53/مصري وعُماني؛ والمادة 49/أردني). وفيما عدا حالة واحدة، فإن جميع
الأسباب الأخرى تدخل ضمن القسم الأول، في حين تقع هذه الحالة ضمن القسم
الثاني. هذه الحالة، هي مخالفة النظام العام، ويدخل ضمنها كون موضوع النزاع
من المسائل التي لا يجوز التحكيم فيها. ويلاحظ على القانون الأردني أنه نص
على الحالة الأخيرة بصورة مستقلة عن النظام العام، بحيث يجوز للمحكمة إثارة
هذه المسالة، وبالتالي الحكم ببطلان حكم التحكيم، من تلقاء نفسها حتى ولو
لم يطلب الطاعن منها ذلك، في حين أن القانونين المصري والعماني لم يفردا
لهذه الحالة نصا خاصا بها. ونرى بالنسبة لهذين القانونين، انها تدخل من ضمن
حالة النظام العام دون حاجة للنص عليها صراحة.
ثامنا: تنفيذ الحكم
وبعد
انقضاء مدة الطعن بالبطلان دون طعن، يصبح الحكم قطعياً قابلا للتنفيذ،
ولكنه لا ينفذ مباشرة أو حكماً، بل لا بد من اكسائه أو إعطائه الأمر
بالتنفيذ من جهة قضائية. وهذه الجهة هي محكمة الاستئناف المختصة في القانون
الأردني، حيث لا بد من رفع دعوى قضائية أمامها موضوعها تنفيذ حكم التحكيم.
وتنظر المحكمة في الدعوى تدقيقاً وليس مرافعة. أما في مصر وعُمان، فيتم
التنفيذ بإصدار أمر بالتنفيذ من رئيس المحكمة المختصة في مصر، أو من رئيس
المحكمة التجارية في عُمان أو من ينتدبه الرئيس من قضاة المحكمة في كل من
هذين القانونين، وذلك بناء على طلب مقدم من صاحب الشأن، وهو عادة المحكوم
له. وبعد إصدار محكمة الاستئناف في الأردن، أو رئيس المحكمة في كل من مصر
وعمان الأمر بتنفيذ حكم التحكيم، يصبح هذا الحكم واجب التنفيذ من قبل دائرة
التنفيذ المختصة وكأنه حكم قضائي.
ونشير
هنا إلى ثلاث مسائل:
الأولى:
إذا تم الطعن ببطلان حكم التحكيم، ولكن المحكمة ردت الدعوى وقررت
المصادقة على الحكم، فان القرار بالمصادقة حسب القانون الأردني هو قرار
قطعي لا يقبل الطعن، بخلاف ما إذا قررت المحكمة قبول الدعوى وبالتالي بطلان
الحكم. في هذه الحالة، يكون القرار قابلا للطعن أمام محكمة التمييز (النقض)
خلال ثلاثين يوماً من اليوم التالي لتبليغ الحكم. وكذلك الأمر فان قرار
محكمة الاستئناف بالأمر بتنفيذ حكم التحكيم لا يقبل أي طعن، أما قرارها
برفض التنفيذ فيقبل الطعن أمام محكمة التمييز (النقض)، خلال ثلاثين يوماً
من اليوم التالي لتبليغ حكم التحكيم (المادتان 50 و54/ب).
وعلى غرار الحكم الأخير، جاء النص في كل من القانون المصري والعماني من حيث
أن الأمر بتنفيذ الحكم لا يجوز التظلم منه، في حين أن الأمر الصادر برفض
التنفيذ يجوز التظلم منه أمام المحكمة المختصة المنصوص عليها في قانون
التحكيم (المادة 58/3). وقد طعن بعدم دستورية هذا الحكم في مصر،
وقررت المحكمة الدستورية العليا عدم دستوريته على أساس إخلاله بمبدأ
المساواة بين طرفي النزاع. إلا أن الوضع مختلف في الأردن، حيث قررت محكمة
التمييز بأنه يستفاد من قانون التحكيم، بأنه يجوز الطعن بقرار محكمة
الاستئناف برفض تنفيذ حكم التحكيم أمام محكمة التمييز. أما القرار
الاستئنافي بالتصديق على حكم التحكيم، فيكون قطعياً غير قابل للطعن به.
الثانية:
أنه لا يجوز الأمر بالتنفيذ إذا كان حكم التحكيم مخالفاً للنظام العام،
أو كان الحكم لم يتم تبليغه تبليغاً صحيحاً للمحكوم عليه. وأضاف القانون
المصري والعماني لهاتين الحالتين، حالة ثالثة وهي كون حكم التحكيم يتعارض
مع حكم سبق صدوره من المحاكم المحلية في موضوع النزاع.
الثالثة:
إذا كان حكم التحكيم في جزء منه باطلاً وفي الجزء الآخر صحيح، وأمكن
فصل الجزئين عن بعضهما، فلا يقع البطلان إلا على الجزء الباطل في حين يحكم
بصحة الجزء الآخر وبتنفيذه. وهذه القاعدة، نصت عليها القوانين محل البحث في
حالة واحدة من حالات البطلان، وهي حالة فصل حكم التحكيم في مسائل لا يشملها
اتفاق التحكيم، أو تجاوز حدود هذا الاتفاق، في الوقت الذي فصل فيه الحكم
أيضا في مسائل تدخل ضمن اتفاق التحكيم دون تجاوز له (المادة 53/1/و/مصري
وعُماني؛ والمادة 49/أ/6/أردني). فإذا كان بالإمكان فصل الجزئين عن
بعضهما، فلا يقع البطلان إلا على الشق الأول من الحكم دون الشق الثاني.
ولكننا نرى تعميم هذا الحكم، بحيث يطبق على مختلف حالات البطلان متى كان
ذلك ممكناً، كأن يكون الحكم باطلا بسبب مخالفة النظام العام، ولكن البطلان
متعلق بجزء من النزاع دون الجزء الآخر.
الدكتور حمزة احمد حداد