Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

سادسا: سريان القانون من حيث الزمان

تقضي المادة (4) من القانون بأنه " يطبق هذا القانون على كل تحكيم قائم وقت نفاذه، أو بعد نفاذه ولو استند إلى اتفاق تحكيم سابق على نفاذه، على ان تبقى الإجراءات التي تمت وفق أحكام أي قانون سابق صحيحة".  ويقابل هذا النص المادة (1) من القانون المصري بإصدار قانون التحكيم، ولا يوجد له مقابل في القانون النموذجي. ولا يثير هذا النص إشكالا بالنسبة لاتفاق التحكيم الذي يبرم بعد نفاذ القانون، حيث يطبق في هذه الحالة القانون الجديد على الاتفاق وعلى عملية التحكيم من البداية وحتى النهاية، بما في ذلك حكم التحكيم وإبطاله، والأمر بتنفيذه، وتفسيره، وتصحيحه. كما لا يثير القانون إشكالا بالنسبة للتحكيم الذي تم في ظل القانون السابق، بما في ذلك صدور حكم التحكيم النهائي، حيث لا يعتبر التحكيم هنا "قائماً" كما يقول النص، وإنما يعتبر منتهياُ، فيطبق على إجراءات وحكم التحكيم القانون السابق، وهو ما أكدته محكمة التمييز في أكثر من قرار لها(7).

وكذلك الأمر، لا يثور إشكال يذكر في الحالة التي يكون فيها اتفاق التحكيم مبرماً قبل نفاذ القانون الجديد، ولا يبدأ أي إجراء تحكيمي إلا بعد نفاذه. في هذا الفرض، يطبق القانون القديم على اتفاق التحكيم(8)، في حين يطبق القانون الجديد على كافة إجراءات التحكيم بما في ذلك الأحكام الخاصة بحكم التحكيم النهائي.

ولكن اتفاق التحكيم قد يكون سابقاً على نفاذ القانون الجديد، وتبدأ العملية التحكيمية قبل هذا النفاذ أيضا، الا انها تستمر في ظل القانون الجديد. في هذا الفرض، فإن أي إجراء تم صحيحاً وفق القانون السابق، يبقى صحيحاً حتى ولو كان غير صحيح في القانون الجديد. ومثال ذلك قيام المحكمة المختصة آنذاك (البداية مثلاً وليست الاستئناف حسب القانون الجديد) بتعيين أحد المحكمين، أو ردّه، أو تقديم المساعدة القضائية لهيئة التحكيم، مثل دعوة شاهد أو خبير. ولو كانت هيئة التحكيم مشكلة من محكمين اثنين، وهذا جائز حسب القانون القديم، وعقدت الهيئة جلسة أو اكثر قبل نفاذ القانون الجديد، تعتبر جلساتها صحيحة.  وبالمقابل يطبق القانون الجديد على كل إجراء تحكيمي يتم بعد سريانه، وهو ما ذهبت إليه محكمة التمييز في حكم حديث لها يتعلق بتعيين محكم، حيث أعطت الاختصاص في هذه المسألة لمحكمة الاستئناف(9) بالرغم من أن اتفاق التحكيم كان سابقاً على نفاذ القانون الجديد .

 

وتطبيقاً لذلك، يسري القانون الجديد على ما يتم في ظله من إجراءات تحكيمية مختلفة، ويشمل ذلك، على سبيل المثال، الأحكام الخاصة بكيفية التبليغات، وعدم جواز الاعتراض على إجراءات التحكيم وفق شروط معينة، ومدى صلاحية المحكمة في التدخل في المسائل الخاصة بالتحكيم (المواد 6-8 من القانون)، واللجوء لقاضي الأمور المستعجلة في أحوال معينة، وشروط المحكَم وتعيينه وردَه وعزله، واختصاص هيئة التحكيم بالفصل في الدفع باختصاصها وشروط ذلك (المواد 13-21 و 23 من القانون)، وصلاحية الهيئة في اتخاذ التدابير المؤقتة أو التحفظية، وإجراءات التحكيم عموما (المواد 23 – 35 من القانون)، وغير ذلك من مسائل مختلفة.

 

سابعا: صلاحية إبرام اتفاق التحكيم

1-   الشخص الطبيعي

لا يجوز لشخص أن يكون طرفاً في اتفاق التحكيم، إلا في المسائل (المدنية والتجارية) التي يملك فيها التصرف بحقوقه.  فحيث لا يجوز لذلك الشخص مثل هذا التصرف، فإن اتفاق التحكيم باطل بحد ذاته كما يتضح ذلك من المادة (9) من القانون.  ويطبق ذلك على الشخص الطبيعي والشخص الاعتباري. والأصل أن كل شخص بلغ سن الرشد دون عارض من عوارض الأهلية يكون له التصرف بحقوقه.  فإذا تخلف شرط من هذه الشروط، فليس له القيام بمثل هذا التصرف.

وبناء عليه، فإن عديم الأهلية سواء لصغر في السن أو الجنون، يكون غير قادر على التصرف بحقوقه (المادة 44 من القانون المدني)، فليس له الاتفاق على التحكيم في أي من هذه الحقوق.  ولكن في الجنون بشكل خاص، فرّق القانون الأردني بين الجنون المطبق وغير المطبق.  فكافة تصرفات المجنون جنونا مطبقا تكون باطلة، في حين تم التمييز في تصرفات الثاني بين إجراء التصرف أثناء إصابة الشخص بالجنون، أو أثناء افاقته.  ففي الحالة الأولى تكون كافة تصرفاته باطلة، في حين تكون تصرفاته صحيحة في الحالة الثانية إذا أجرى التصرف أثناء افاقته (المادة 128 من القانون المدني).  ونخلص من ذلك إلى القول بأن اتفاق التحكيم يكون باطلاً بحد ذاته إذا كان أحد طرفيه صغيراً غير مميز، وهو ما دون سن السابعة كاملة، أو كان مجنوناً جنوناً مطبقاً، أو كان وقت الاتفاق مصاباً بحالة الجنون في الجنون غير المطبق. 

وبالنسبة للصغير المميز من بداية سن الثامنة إلى ما قبل نهاية سن الثامنة عشرة، والسفيه والمعتوه وذي الغفلة، وهؤلاء هم ناقصو الأهلية، فقد نصت المادة (49/أ/2) من القانون على بطلان حكم التحكيم إذا كان أحد طرفي الاتفاق وقت إبرامه ناقص الأهلية، مما يعني بطلان الاتفاق في هذه الحالة.  ونرى ان الاتفاق يكون باطلاً حتى ولو ورد على التصرف التالية:

 

أ-        التصرفات النافعة نفعاً محضاً، وكذلك التصرفات الدائرة بين النفع والضرر والتي هي أصلاً صحيحة، وفق ما هو منصوص عليه في المادة (118 من القانون المدني)

ب-      تصرفات الصغير المأذون له بالتجارة، سواء كان الاذن مطلقاً أو مقيداً حسب المادة (119/1 من القانون المدني)، وسواء تم منح الإذن له من وليّه أو من المحكمة (المادة 122/1 من القانون المدني)، بالرغم من أن القانون المدني ينص على أن الصغير المأذون في التصرفات الداخلة ضمن الاذن هي كتصرفات الشخص الرشيد (المادة 120).

 

ويرجع هذا الرأي للعديد من الأسباب منها ما يلي:

 

أ-        صراحة النص وعموميته في المادة (49/أ/1) من قانون التحكيم من حيث بطلان حكم التحكيم إذا كان أحد طرفيه فاقداً الأهلية أو ناقصها، دون تفرقه بين ناقص الأهلية وآخر، أو مأذون أو غير مأذون.  وكما استقر الاجتهاد القضائي، فإن النص المطلق يجري على إطلاقه.

ب-      ان اللجوء للتحكيم، مهما قيل عنه، يبقى طريقاً استثنائياً لتسوية المنازعات، في حين يبقى الاختصاص الأصيل للقضاء.  وعلى ذلك، حيث يجيز القانون التحكيم في مسألة معينة أو لشخص معين، يجب تفسير نصوصه تفسيراً ضيقاً بحيث يقتصر أمره على تلك المسألة وتوابعها على أبعد تقدير، وعلى ذلك الشخص دون غيره. 

ج-      ان التحكيم ليس مجرد نزع الاختصاص من القضاء، وإنما هو أبعد من ذلك وأكثر تعقيداً، إذ يتضمن تعيين الجهة التي ستتولى نظر النزاع (المحكمين)، والإجراءات أمامها، بما في ذلك بعض صلاحيات هيئة التحكيم وبيّنات الدعوى والقانون الواجب التطبيق على النزاع.  وهذه مسائل ينتابها التعقيد إلى حد كبير.  ومع ذلك قد تكون موضعاً لاتفاق الأطراف، بل الأصل فيها مثل هذا الاتفاق، بخلاف القضاء (الرسمي) الذي لا يحتاج لوجود اتفاق على الإحالة له من جهة، بل لا يوجد مثل هذا الاتفاق عملاً، والذي تتم الإجراءات أمامه بنصوص قانونية أغلبها آمر لا يجوز الاتفاق على خلافها أو تنظيمها بالاتفاق من جهة اخرى.  ويؤدي ذلك إلى القول بضرورة ترك ناقص الأهلية بعيداً  عن التحكيم في كافة نزاعاته المالية، والإبقاء على القضاء بمراحل التقاضي المختلفة.

 

2-   الشخص الاعتباري

وعلى غرار الشخص الطبيعي، ليس للشخص الاعتباري الذي لا يجوز له التصرف بحقوقه، إبرام اتفاق التحكيم وذلك في حدود الحظر المنصوص عليه قانوناً، سواء كان الشخص الاعتباري شخصاً عاماً، وهو الدولة أو أحد مؤسساتها الرسمية التي منحها القانون شخصية اعتبارية مستقلة عن الدولة مثل البنك المركزي والجامعات الرسمية، أو كان شخصاً خاصاً، مثل الشركات.  فالقانون أجاز للأشخاص الاعتبارية التمتع بالحقوق إلا ما كان منها ملازماً لصفة الإنسان الطبيعية، وذلك في الحدود التي قررها القانون.  فيكون للشخص الاعتباري ذمة مالية مستقلة وأهلية في الحدود التي يعينها سند إنشائه أو التي يقررها القانون، ويكون له من يمثله في التعبير عن إرادته (المادتان 50 و 51 من القانون المدني).

فبالنسبة للدولة والأشخاص الاعتبارية العامة، تعتبر جميع عقاراتها ومنقولاتها المخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى القانون أو النظام، أموالاً عامة لا يجوز التصرف بها أو الحجز عليها أو تملكها بمرور الزمان أي التقادم (المادة 60 من القانون المدني).  وعلى ذلك، لو أدعى شخص تملك أحد هذه الأموال بالتقادم، وحصل نزاع بينه وبين الدولة، واتفقا على الإحالة إلى التحكيم، يكون الاتفاق باطلاً.  ولو تصرفت الدولة ببيع أو مقايضة أو هبة أو ما إلى ذلك في غير ما هو جائز قانوناً، يكون تصرفها باطلاً، ولو حصل نزاع بينها وبين المتصرف إليه وتم الاتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم، يكون الاتفاق باطلاً أيضاً.

وبالنسبة للشركات، يحدد القانون حدود التصرفات التي يجوز للشركة إجرائها على أموالها وحقوقها بشكل عام.  فاذا تصرفت الشركة بحق لها لا يجوز لها التصرف فيه أصلاً، يكون كل من التصرّف والاتفاق بإحالة النزاع الخاص به إلى التحكيم باطلاً.  ومثال على ذلك، ان للشركة محدودة المسؤولية، كقاعدة عامة، حق الاقتراض والاتفاق مع المقرض على الضمانات والمقابل الذي تقدمه له مقابل هذا الاقتراض.  ولكن القانون حظر عليها الاقتراض عن طريق الاكتتاب (المادة 54/ب شركات).  ومثال ذلك أيضا، ان القانون حظر على الشركة المساهمة العامة، باستثناء البنوك والشركات المالية، ان تقدم قرضا نقديا من أي نوع كان لرئيس مجلس إدارة الشركة او لأي من أعضاء المجلس أو إلى أصول أي منهم أو فروعه أو زوجه، والا كان التصرف باطلا (المادة 139/شركات). في هذه الامثلة وغيرها لا تملك الشركة، تحت طائلة البطلان، التصرف بهذا الحق او ذاك من حقوقها، مما يعني انه لا يجوز لها الاتفاق على التحكيم مع الشخص المعني لتسوية النزاع بينهما تحكيما بخصوص التصرف المحظور عليها القيام بها.

 

ثامنا: التحكيم والصلح

تقضي المادة (9) من القانون الأردني بأنه لا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح. وهذا الحكم مطابق لما تقضي به المادة (11) من القانون المصري. ويبدو ان السبب في هذا الحكم يرجع إلى ان القانونين أجازا لطرفي النزاع بتفويض هيئة التحكيم بالصلح بينهما. وفي هذه الحالة، تفصل الهيئة في موضوع النزاع على مقتضى قواعد العدالة والإنصاف، دون التقيد بأحكام القانون (المادة 36/ د تحكيم أردني؛ والمادة 39/ د تحكيم مصري).  وعلى ذلك، لو لم يمنع القانون التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، لكان هناك احتمال للقول بأنه يجوز التحكيم حتى في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، مادام أن المشرّع أجاز التحكيم بالصلح عموماً.  ويترتب على مثل هذا الاستنتاج، القول بأنه يجوز للطرفين إجراء صلح في مسألة لا تخضع للصلح، ولكن بطريق غير مباشر وذلك بتفويض شخص ثالث بمثل هذا الصلح، أي عن طريق التحكيم. وهو أمر غير منطقي بداهة. لذلك، جاء المشرّع وحظر التحكيم في كل مسألة لا يجوز الصلح فيها. وعمومية النص تشمل كلا النوعين من التحكيم: التحكيم بالقانون، والتحكيم بالصلح.

ويقصد بالصلح، اتفاق الطرفين على إنهاء نزاعهما وخصومتهما بالتراضي. ويفترض الصلح وجود حقوق (مالية) متقابلة، ينشأ بشأنها أو بشأن بعضها نزاع بين الطرفين، فيتفقان على تسويتها صلحاً دون حكم قضائي (أو تحكيمي)، بحيث يكون هناك تنازل كلي أو جزئي من احدهما عن حقوقه، مقابل ما يأخذه من الطرف الآخر أيضا من تنازل كلي أو جزئي عن حقوقه. ولكن قانون التحكيم الأردني، لم يحدد المسائل التي لا يجوز فيها الصلح، و لا يوجد لهذه المسائل تحديد واضح في أي قانون أردني آخر.  كما لا يتضمن التشريع في الأردن قاعدة عامة في هذا الشأن. أما القانون المدني المصري، فقد نص صراحة في المادة (551) منه على أنه لا يجوز الصلح في مسائل الأحوال الشخصية أو المتعلقة بالنظام العام. وأثناء مناقشة مشروع قانون التحكيم المصري، كانت هناك إشارات واضحة للصلح في القانون المدني(10) ، مما يعني انه يتم الرجوع للقانون المدني لمعرفة ما يجوز وما لا يجوز الصلح فيه.

وسواء في القانون المصري أو الأردني، فإن الحقوق غير المالية تخرج عن اطار التحكيم، ليس لانها غير قابلة للصلح، بل لان كلاً من القانونين يقصر نطاق تطبيقه على الحقوق المالية أي التي تقوَم بالمال من جهة، وفي إطار القانون الخاص من جهة أخرى. وفي هذا الشأن، يقول القانون الأردني بأن القانون يطبق على النزاعات المدنية والتجارية. ويتضح من القانون المصري، كما ذكرنا، بأنه يطبق فقط على المنازعات التجارية، وهي الناجمة عن أي علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي. ويكون الحق ماليا إذا كان مصدره أو مصدر أو سبب المطالبة فيه يرجع لأحد مصادر الالتزام التقليدية الخمسة،  وهي العقد، والتصرف الانفرادي (الإرادة المنفردة)، والفعل الضار (العمل غير المشروع) ، والفعل النافع (الثراء بلا سبب)، والقانون. فإذا لم يكن الحق مالياً على هذا النحو، فلا يجوز التحكيم فيه.

وبوجه عام، نستدل على كون الحق غير مالي من طبيعة هذا الحق، وأحياناً يؤكد القانون على مثل ذلك، كالنص في القانون المدني الأردني بأنه ليس لأحد أن يتنازل عن حريته الشخصية، أو أهليته أو التعديل في أحكامها (المادة 47)، ومثال ذلك أيضاً الحقوق الخاصة بالاسم الشخصي أو اللقب العائلي، والحقوق السياسية والعامَة عموماً، والحقوق اللصيقة بالشخص دون غيره، مثل المواطنة والجنسية وصلة القربى، وحقوق وصلاحيات سلطات الدولة مع بعضها، والأحكام المتعلقة بالميلاد والوفاة، والحقوق (غير المالية) الخاصة بالأحوال الشخصية، مثل الزواج والطلاق والنسب والبنوّة، وأيضاً الحقوق المعطاة لشخص معين بصفته الشخصية دون غيره، حتى لو ارتبطت أحيانا بمسائل مالية مثل الشهادات المدرسية والجامعية، ورخص قيادة السيارات والسفن والطائرات، وإجازة ممارسة مهنه معينة، مثل المحاماة والطب والهندسة والمحاسبة والصيدلة.

وقد يكون الحق ماليا، ولكن لا تجوز المساومة عليه بالتنازل عنه كلياً أو جزئياً. في هذه الحالة، لا يكون الحق قابلاً للصلح، لان الصلح يتضمن بالضرورة مثل هذا التنازل.  ونستدل على عدم جواز التنازل عن الحق (وبالتالي الصلح عليه)، اما من النصوص القانونية، أو القواعد العامة التي يستدل منها ذلك لحماية مصلحة أو مصالح معينه 

ومثال ذلك، ما نصت عليه المادة (60/2) من القانون المدني الأردني من انه لا يجوز التصرف بالأموال العامة المخصصة لمنفعة عامة أو الحجز عليها أو تملكها بمرور الزمان.  ومثاله أيضا أن حصص الورثة في التركة محددة في القانون، فلا يجوز الاتفاق على خلافها، أو تغيير هذه الحصص بالاتفاق زيادة أو نقصاً(11)، أو الاتفاق على إعطاء نصيب من التركة لغير الوارث على انه وارث. ومثاله كذلك الرسوم المقررة قانوناً لجهة معينه مقابل خدمة تقدمها للآخرين، والتي يحظر القانون التنازل عنها أو المساومة بشأنها، مثل رسوم النقابات المفروضة على المنتسبين للنقابة، كالمحامين والأطباء والمهندسين والصيادلة. ومن ذلك أيضا، حق الامتياز العام للدائن على جميع أموال المدين، وحقوق الامتياز للضرائب والرسوم المستحقة للحكومة. ويستدل من النصوص القانونية المنظمة لهذه الحقوق، بأنها مقررة بنصوص آمره لا يجوز الاتفاق على خلافها. ويعني ذلك انه لا يجوز الصلح فيها، وبالتالي لا يجوز التحكيم (بالصلح) بشأنها. ومن الحقوق التي لا يجوز الصلح فيها الحق بطلب بطلان العقد، وهو من النظام العام. فلا تجوز المصالحة على عقد باطل بالتنازل، مثلاً، عن البطلان من قبل أحد الطرفين مقابل عوض معين يأخذه من الآخر. ومثال ذلك، أخيراً وليس أخراً، الحجز التحفظي أو التنفيذي على مال لا يجوز الحجز عليه. 

وكقاعدة عامة، يمكن ان نقرر، كما هو الحال في القانون المصري، بأنه إذا كانت المسألة (المالية) من النظام العام، فإنه لا يجوز الصلح عليها، ومن ثم لا يجوز التحكيم (بالصلح) فيها.

وعلى ذلك، فإن كل مسألة لا يجوز الصلح فيها، لا يجوز كذلك التحكيم بشأنها وإلا كان الاتفاق باطلاً.  ولكن ليس بالضرورة ان يكون العكس صحيحاً.  بمعنى انه ليس كل مسألة قابلة للصلح، يجوز ان تكون محلاً أو موضوعاً للتحكيم. فالمشرّع  قد يرى، لسبب أو لآخر، عدم جواز التحكيم في بعض المسائل بالرغم من جواز الصلح فيها.  ومثال ذلك ما نصت عليه المادة (215) من قانون التجارة البحرية، بأنه بالرغم مما ورد في أي قانون آخر، يعتبر باطلاً كل شرط أو اتفاق ينزع اختصاص المحاكم الأردنية في النظر في الخلافات الناشئة عن وثائق الشحن أو النقل البحري. وتفسيراً لهذا الحكم، استقر الاجتهاد القضائي في الأردن على بطلان اتفاق التحكيم الخاص بتسوية الخلافات المذكورة عن طريق التحكيم(12).

وكما ذكرنا، فإن عمومية النص تشير إلى عدم جواز التحكيم بالصلح بما يشمل كلا النوعين من التحكيم : التحكيم بالقانون والتحكيم بالصلح. ولكن من وجهة نظرنا، فانه اذا كان للمشرع مبرر وإذا كنا نرى مبرراً للمشرع لحظر التحكيم بالصلح في المسائل التي لا يجوز الصلح فيها وفق ما هو مبين آنفاً، فإننا لا نجد مبرراً لذلك في التحكيم بالقانون. فهيئة التحكيم هنا، مثلها مثل المحكمة، ستقضي بحكم القانون وليس وفق قواعد العدل والإنصاف، وإلا كان حكمها باطلاً لسبب واحد على الأقل وهو مخالفته للنظام العام حسب المادة (49) من القانون.  وبمعنى آخر، حبّذا لو أجاز المشرّع التحكيم بالقانون في المسائل المالية التي لا يجوز فيها الصلح.  ومثل هذا الرأي منسجم مع المادة (22) من القانون، التي نصت، وفق ما ذكرنا سابقا، على استقلالية شرط التحكيم، وبقائه قائماً حتى لو كان الاتفاق المتضمن له باطلاً ما دام الشرط صحيحاً في ذاته.  ويعني ذلك انه يتوجب إحالة النزاع في هذه الحالة، حتى لو كان العقد باطلاً عموماً، إلى هيئة التحكيم صاحبة الاختصاص بنظر النزاع.


(7)    مثل رقم 403/2003 ؛ ورقم 1086/2002 ؛ ورقم 1912/2002 (منشورات عدالة في الحاسوب/ الكمبيوتر).

(8)    وذلك في المسائل التي تطرق لها القانون القديم، مثل مفهوم الكتابة في اتفاق التحكيم التي وردت في تعريف اتفاق التحكيم (المادة 2 من القانون القديم). أما المسائل الأخرى الخاصة في اتفاق التحكيم، مثل شروط انعقاده وأركانه فتبقى خاضعة للقواعد العامة في العقود، وبشكل خاص لاحكام القانون المدني.

(9)    رقم 1715/2002، منشورات مركز عدالة في الحاسوب / الكمبيوتر.

(10)   المذكرة الإيضاحية والأعمال التحضيرية لمشروع القانون، الصادرة عن وزارة العدل المصرية، 1995، مناقشة المادة 39.

(11)    وهذا بخلاف التخارج أو المخارجة، وهي مسألة أخرى لا علاقة لنا بها هنا (المادة 539  وما بعدها من القانون المدني).

(12)   مثلاً تميز حقوق 619/90، مجلة النقابة لسنة 1991، ص 2106؛ ورقم 496/85، مجلة النقابة لسنة 1987، ص 1919.


Previous Page

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001