Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

مقدمة

صدر قانون التحكيم الأردني الجديد لسنة 2001 وابتدأ العمل به في 15/8/2001 حسب المادة (1) منه، التي تقضي بأنه يبدأ العمل بالقانون بعد ثلاثين يوما من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية(1). ويتكون القانون من (56) مادة موزعة كما يلي: اسم القانون وتاريخ العمل به (المادة 1)؛ أحكام عامة (المواد 2-8)؛ اتفاق التحكيم (المواد 9-13)؛ هيئة  التحكيم (المواد 14-23)؛ إجراءات التحكيم (المواد 24-35)؛ حكم التحكيم وإنهاء الإجراءات (المواد 36-47)؛ بطلان حكم التحكيم (المواد 48-51)؛ حجية أحكام المحكمين وتنفيذها (المواد 52-54)؛ مادتان ختاميتان بإلغاء قانون التحكيم القديم، وبتنفيذ القانون الجديد  (المادتان 55 و 65). 

 

وغالبية أحكام القانون الجديد مستمدة من قانون التحكيم المصري رقم 47/1994 المستمدة، بوجه عام، من القانون النموذجي لسنة 1985 الذي أعدته لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية (اليونسترال).

وفي ورقة العمل هذه، نشير فيما يلي بإيجاز لبعض الأحكام الواردة في القانون، والملاحظات والرأي بشأنها، وهو رأي اجتهادي من كاتب هذه الورقة.

 

أولا:  مفهوم هيئة التحكيم وأطراف التحكيم

تعرف المادة (2) من القانون مصطلح (هيئة التحكيم) بانها "الهيئة المشكلة من محكم واحد أو اكثر للفصل في النزاع المحال إلى التحكيم وفق أحكام هذا القانون". ويقابل هذا النص المادة (4/1) من القانون المصري، والمادة (2/ب) من القانون النموذجي. فمصطلح (هيئة التحكيم) يشمل إذن المحكم الواحد من جهة، كما يشمل المحكمين مهما بلغ عددهم من جهة أخرى. وأحيانا يستخدم المشرع لفظ "الهيئة" فقط ليدل أيضا على هيئة التحكيم، ومثال ذلك المواد 8، 28/أ، 30، 38 من القانون. وحسب المادة (14/أ) من القانون، فان هيئة التحكيم قد تتشكل من محكم فرد أو اكثر، حسب اتفاق أطراف النزاع. فإذا لم يتفق الأطراف على عدد المحكمين كان عددهم ثلاثة.

 

كما تعرف المادة (2/ب) مصطلح "طرفي التحكيم" أو "طرفا التحكيم" في القانون بأنه يشمل "طرفا التحكيم أو أطراف التحكيم حسب مقتضى الحال". ويقابل هذا النص المادة  (4/3) من القانون المصري، في حين لا يوجد له مقابل في القانون النموذجي. وعليه، فان هذا المصطلح في القانون يشمل، بالإضافة إلى المثنى، الجمع الذي يشتمل على أكثر من طرفين مهما كان عددهم.  ويبدو أن النص واجه الحالة التي يكون فيها أطراف النزاع التحكيمي أكثر من طرفين.  ففي هذه الحالة، يطبق على الأطراف ما يطبق على الطرفين.  فالحالة الغالبة في الحياة العملية أن يكون النزاع بين طرفين:  مدعي ومدعى عليه (أو محتكم ومحتكم ضده).   ولكن قد يقع مثل هذا النزاع بين ثلاثة أطراف أو أكثر وليس بين طرفين فحسب، وهو أمر اصبح شائعاً أيضاً في الحياة العملية.  ومثال ذلك تعدد المدينين أو الدائنين المتضامنين في عقد واحد يحيل أي نزاع بينهم أو بين بعض منهم والبعض الآخر إلى التحكيم، أو يكون العقد مبرما بين دائن ومدين وكفيل، أو بين صاحب عمل ومقاول أصلي ومقاول فرعي، وهو ما يسمى بالتحكيم متعدد الأطراف. 

 

والمشكلة الهامة التي تثور في هذا النوع من التحكيم، تتعلق بعدد وكيفية تعيين هيئة التحكيم، إذا كانت الهيئة مكونة من أكثر من محكم واحد.  ولا يوجد حل لهذه المشكلة في أي من القانونين الأردني أو المصري، فتبقى المسألة اجتهادية، بخلاف الحال في بعض قواعد التحكيم الدولية مثل قواعد غرفة التجارة الدولية، التي قضت بأنه في النزاع المتعدد الأطراف الذي يتوجب إحالته لثلاثة محكمين، تتبع الأحكام التالية (المادة 10 من القواعد):

 

أ-        يجب على كل من المدعين والمدعى عليهم تشكيل فريق واحد في مواجهة الآخر لتعيين محكم من قبل كل منهم.

ب-      إذا لم يتم تشكيل هذا الفريق، ولم يتفق الأطراف على كيفية تعيين المحكمين الثلاثة، تتولى محكمة التحكيم لدى الغرفة تعيين المحكمين ومن ضمنهم رئيس هيئة التحكيم.

على أي حال، لو أجاز القانون لأحد الأطراف أو الطرفين اتخاذ إجراء معين، فإن هذا الإجراء يشمل الأطراف الآخرين مهما كان عددهم.  ومثال ذلك جواز اتفاق "طرفي" التحكيم على إعطاء الاختصاص لمحكمة استئناف أخرى غير محكمة الاستئناف التي يجري ضمن دائرة اختصاصها التحكيم (المادة 2 من القانون)، وإعطاء الحق لـ "طرفي التحكيم" في الأذن للغير باتخاذ إجراء معين إذا كان يجوز لهما أصلاً اتخاذه مباشرة (المادة 5 من القانون)، واعتبار اتفاق التحكيم مكتوباً في عدة حالات، من ضمنها وجود مستند موقع من"الطرفين" أو وسائل تبادلها "الطرفان" (المادة 10 من القانون)، وتحديد عدد أعضاء هيئة التحكيم بمحكم واحد أو أكثر حسب اتفاق "الطرفين" (المادة 14 من القانون).  في هذه الأحوال وغيرها، وحيث يرد مصطلح "الطرفين" أو "الطرفان" أو "طرفي التحكيم" أو "طرفا التحكيم" في القانون، فإن ذلك يشمل أيضاً ما يزيد على اثنين، سواء كانوا ثلاثة أو أكثر.

 

ثانيا:  مفهوم "المحكمة المختصة"

 

تقضي المادة (2) من القانون بأن مصطلح المحكمة المختصة، يعني "محكمة الاستئناف التي يجري ضمن دائرة اختصاصها التحكيم، ما لم يتفق الطرفان على اختصاص محكمة استئناف أخرى في المملكة". ويقابل هذا النص، مع الاختلاف في الحكم، المادة (9) من القانون المصري في حين لا يوجد له مقابل في القانون النموذجي.

 

ويوجد في الأردن ثلاث محاكم استئناف مقرها عمان (الوسط) واربد (الشمال) ومعان (الجنوب).  فإذا جرى التحكيم، أي كان مكان التحكيم، ضمن إحدى هذه المناطق، فإن محكمة الاستئناف التابعة لها تلك المنطقة، تكون هي صاحبة الاختصاص في النظر في أي مسألة يشير فيها القانون إلى "المحكمة المختصة".  فمحكمة الاستئناف المختصة بهذا المفهوم الجغرافي، هي صاحبة الصلاحية في النظر في أي طلب تتقدم به هيئة التحكيم لمساعدتها في إجراءات التحكيم، مثل دعوة شاهد أو خبير (المادة 8 من القانون)، وفي تعيين المحكمين في أحوال معينة (المادة 16 من القانون)، وفي رد المحكم (المادة 18 من القانون) وبإنهاء مهمته (المادة 19 من القانون)، وفي إصدار أمر لاحد طرفي النزاع بتنفيذ تدبير مؤقت أو تحفظي تقتضيه طبيعة النزاع (المادة 23/7 من القانون)،  وفي الطعن بأتعاب المحكمين (المادة 41/د من القانون)، وفي إبطال قرار التحكيم من تلقاء نفسها (المادة 49/ب من القانون)، وفي النظر بدعوى بطلان حكم التحكيم (المادة 51 من القانون)، وفي طلب تنفيذ الحكم (المادتان 53 و 54 من القانون).

 

وكقاعدة عامة، يخضع مكان التحكيم لإرادة طرفي النزاع (المادة 27 من القانون) الصريحة أو الضمنية.  كأن ينص اتفاق التحكيم على أن مكان التحكيم عمّان، ويجري التحكيم في عمّان فعلاً.  وقد لا ينص الاتفاق على مكان التحكيم،  ولكن يستخلص هذا المكان من الإرادة الضمنية للأطراف، مثل أن يبرم الاتفاق في عمان، ويكون مقر أعمال طرفي النزاع في عمان، وتكون البضاعة محل العقد في عمان وتنفيذ العقد في عمّان.  وبطبيعة الحال يجوز تغيير مكان التحكيم بالاتفاق الصريح أو الضمني أيضاً.  ومثال الاتفاق الضمني أن يتفق الأطراف على عمّان كمكان للتحكيم، في حين تعقد هيئة التحكيم كافة جلساتها وتصدر قرارها النهائي في العقبة، دون اعتراض من طرفي النزاع أو أحدهما.  في هذه الحالة تكون محكمة استئناف معان هي "المحكمة المختصة"، باعتبار أن منطقة معان هي المكان الذي جرى فيه التحكيم فعلياً بصرف النظر عن الاتفاق.  بل يعتبر هذا بمثابة تعديل ضمني للاتفاق، وهو جائز قانوناً.  كما أنه يعتبر، من جهة أخرى، تنازل عن التمسك بالاتفاق الصريح، ما دام أن أياً من طرفي التحكيم لم يقدم اعتراضاً على ذلك في الموعد المتفق عليه، أو في وقت معقول من وقوع المخالفة الخاصة بتغيير مكان التحكيم (المادة 7 من القانون).

 

وإذا لم يتفق الأطراف على مكان لإجراء التحكيم فيه، تتولى هيئة التحكيم تعيين هذا المكان وفقاً لظروف الدعوى (المادة 27 من القانون).  وفي جميع الأحوال، يجوز للهيئة أن تعقد (بعض) جلسات التحكيم في غير مكان التحكيم للقيام بإجراء أو أكثر من إجراءات التحكيم، مثل الاستماع لشاهد أو مناقشة خبير أو معاينة بضاعة أو الكشف على موقع، أو المداولة بين أعضاء الهيئة (المادة 27 من القانون، وتقابل المادة (20) من القانون النموذجي والمادة (28) من القانون المصري).

 

ولكن حسب المادة (2) من القانون، فانه يجوز للأطراف الاتفاق على اختصاص محكمة استئناف أخرى غير المحكمة صاحبة الاختصاص الأصيل، وتقابل هذه المادة (9) من القانون المصري مع فارق في الحكم، في حين لا يوجد لها مقابل في القانون النموذجي.  ومثال ذلك أن يجري التحكيم في اربد فتكون محكمة استئناف اربد هي "المحكمة المختصة"، ولكن يتفق الطرفان على إعطاء الاختصاص لمحكمة استئناف عمّان بدلاً من اربد.  ونرى بأن مثل هذا الاتفاق يجب أن يكون صريحاً، ولا يجوز أن يكون ضمنياً يستخلص من الظروف.  بل أن مثل هذا الاتفاق الصريح يجب أن يكون مكتوباً، تمشياً مع القاعدة العامة والأساسية في اتفاق التحكيم، التي تقضي بأنه يجب أن يكون مثل هذا الاتفاق مكتوباً وإلا كان باطلاً (المادة 10 من القانون)، خاصة وان الاجتهاد استقر على ان اللجوء للتحكيم استثناء من الأصل، ويجب عدم التوسع في تفسير هذا الاستثناء(2).

 

وقد يجري التحكيم في أكثر من مكان، كأن تعقد هيئة التحكيم جلسات في معان، وجلسات أخرى في عمّان، وجلسات ثالثة في اربد.  ونرى في هذه الحالة أن مصلحة التحكيم وحسن سير العدالة، يتطلبان إعطاء الاختصاص لمحكمة واحدة وليس تشتيت الاختصاص بين أكثر من محكمة.  ولمعرفة هذه المحكمة، نرى التفرقة بين أمرين: الأول - أن يكون هناك اتفاق بين الأطراف، أو يكون هناك قرار من هيئة التحكيم بتحديد مكان التحكيم وفق المادة (27) من القانون.  الثاني – أن لا يكون هناك اتفاق أو قرار بتحديد مكان التحكيم.  ونرى في الحالة الأولى أن "المحكمة المختصة" هي محكمة استئناف ذلك المكان، باعتباره المكان الذي كان يجب أن يجري فيه التحكيم، أو باعتباره هو الأصل حسب الاتفاق أو قرار هيئة التحكيم،  وأن هذا الأصل لا يحول دون اجتماع هيئة التحكيم في أي مكان آخر لأي سبب تراه مناسباً حسب المادة (27) من القانون.  ونرى في الحالة الثانية أن "المحكمة المختصة" هي محكمة الاستئناف التي كانت مختصة أصلاً بنظر النزاع، لو لم يكن هناك اتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم، وذلك تطبيقاً للقواعد العامة في الاختصاص المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات  المدنية أو قانون محاكم الصلح حسب الأحوال.

 

ثالثا: التحكيم الاتفاقي

حسب المادة (3) من القانون يطبق القانون على التحكيم الاتفاقي، أي حيث يتفق أطرف النزاع على اللجوء إلى التحكيم لتسوية نزاعهم بدلا من القضاء. واستنادا للمادة    (10/أ) من القانون، فان مثل هذا الاتفاق، يجب ان يكون مكتوبا وإلا كان التحكيم باطلا، وهو ما نص عليه أيضا القانون المصري في المادة (12) منه. كما نص القانون النموذجي على ان اتفاق التحكيم يجب ان يكون مكتوبا، ولكن دون بيان الأثر القانوني المترتب على عدم كتابة الاتفاق تاركا ذلك للقوانين الوطنية (المادة 7/2 من القانون النموذجي).

 

وظاهر المادة (3) من القانون الأردني يدل على عدم سريانه على التحكيم الذي لا يكون مصدره اتفاق الطرفين، وانما نص القانون (أو النظام) مباشرة، مثل التحكيم بين مستثمر مصري وإحدى المؤسسات الحكومية الأردنية، الناجم عن استثمار في الأردن، وذلك بالاستناد إلى المادة (33) من قانون تشجيع الاستثمار السابق رقم 16/995 قبل إلغائه بالقانون  رقم 68/2003، أو التحكيم الذي يكون مصدره اتفاقية دولية، مثل اتفاقيات الاستثمار المعقودة بين الأردن وكل من لبنان سنة 2002، وسوريا سنة 2001، والكويت سنة 2001، والولايات المتحدة سنة 1997.  فجميع هذه الاتفاقيات تعطي الحق للشخص من دولة متعاقدة، كمستثمر في الدولة المتعاقدة الأخرى، حق اللجوء للتحكيم في حال نزاعه مع إحدى سلطات الدولة الأخيرة، حسب الشروط والأحكام المبينة في تلك الاتفاقيات.

 

ومع ذلك، وباعتباره قانونا عاما للتحكيم، فإننا نرى تطبيق القانون على التحكيمات من هذا النوع بشرطين:

 

الأول:   أن تتوفر الشروط الأخرى في تطبيق القانون، مثل أن يكون الأردن هو مكان التحكيم.

 

الثاني: أن لا ينص القانون أو الاتفاقية الدولية على قواعد خاصة بالتحكيم تقضي بالضرورة استبعاد تطبيق القانون، وتطبيق غيره من القوانين أو الاتفاقيات الدولية.

 

ويترتب على وجود اتفاق تحكيم نتيجة هامة وأساسية، وهي نزع الاختصاص (مبدئيا) من القضاء، بحيث يتوجب على المحكمة المرفوع أمامها النزاع ان تحكم برد الدعوى وفق شروط معينة (المادة 12/أ من القانون).   كما يترتب عليه انه لا يجوز لشخص ثالث الدخول في العملية التحكيمية، أو إدخاله فيها دون موافقة طرفي اتفاق التحكيم بل وحتى موافقة هيئة التحكيم كما سنرى بعد قليل، مهما كان اثر التحكيم على مصالح ذلك الشخص، وهذا بخلاف القواعد العامة في التقاضي أمام المحاكم، حيث تستطيع المحكمة أن تأمر شخصا ثالثا ليس طرفاً في الخصومة ان يمثل أمامها، وإلا أصدرت حكمها بغيابه، ويسري عليه هذا الحكم. وكذلك الأمر فإنه بمقدور الشخص الثالث التقدم للمحكمة لإدخاله في المحاكمة الجارية بين خصوم آخرين، وللمحكمة صلاحية إدخاله إذا توفرت شروط ذلك(3) . ويستوي في كلا الحالين موافقة أو اعتراض أطراف الخصومة الأصلية أو أحدهما على قرار المحكمة.

 

وبناء عليه، قد يتقدم الشخص الثالث بطلب للدخول في الدعوى التحكيمية اما على وجه الاستقلال، أو بالانضمام لأحد أطراف الخصومة الأصلية، ويوافق الأطراف على ذلك. وفي هذا الحالة، نرى انه لا بد أيضا من موافقة هيئة التحكيم بالإجماع ولا تجبر الهيئة على إدخاله. والسبب في ذلك ان التحكيم يبدأ باتفاق بين أطراف معينين وهو ما يسمى باتفاق التحكيم. فإذا نشأ النزاع موضوع التحكيم، وابتدأت عملية اختيار أو تعيين المحكمين، وتم ترشيح أحد الأشخاص ليكون محكما، فإنه لا بد من قبوله لهذه المهمة، بل يجب ان يكون قبوله كتابه (المادة 15/ج من القانون)، ولا يجبر على القيام بهذه المهمة دون ذاك القبول. ومن نافلة القول، انه يجوز له رفض ذلك أو حتى السكوت عنه دون بيان الأسباب. وفي حالة قبوله للمهمة، فإنه يجب ان يفصح عن أي ظروف من شأنها إثارة أي شكوك حول حيدته واستقلاله (المادة 15/ج من القانون).

 

فالشخص إذن، لا يقبل ان يكون محكماً إلا بعد معرفته لإطراف الخصومة وموضوع النزاع. وبناء عليه، فإنه من حقه رفض دخول شخص ثالث في الدعوى التحكيمية، حتى لو وافق أطرافها على ذلك، لأسباب يقدرها المحكم نفسه، مثل عدم رغبته في ان يكون محكماً في نزاع أحد أطرافه ذلك الشخص الثالث، أو ان موضوع النزاع سيتعقّد أو يطول أمده. وتمشياً مع هذا الرأي، يمكن القول بأنه إذا كان التحكيم مؤسسيا،ً مثل التحكيم وفق قواعد غرفة التجارة الدولية أو مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، فيجب أيضا قبول مؤسسة التحكيم المحال لها النزاع دخول شخص ثالث في الدعوى، لأنها جزء من العملية التحكيمية.

 

ومن جهة أخرى، يجدر القول بان موضوع الاتفاق يجب ان يكون التحكيم، أي إحالة النزاع إلى التحكيم وليس لغيره.  فإذا تم الاتفاق على إحالته لأي أمر آخر غير التحكيم، فلا يطبق القانون على النزاع. ومثال ذلك اتفاق الطرفين على إحالة المسألة المتنازع عليها للخبرة، أو الاتفاق على أخذ رأي أحد المستشارين القانونيين حول مسألة من مسائل النزاع، أو إحالة النزاع إلى أي وسيلة أخرى من وسائل تسوية المنازعات البديلة، مثل التوفيق.  اما مسألة ما إذا كانت الإحالة هي إحالة إلى التحكيم أو غير ذلك، فانها مسألة تفسير لإرادة الطرفين من واقع عبارات العقد والظروف الأخرى المحيطة به.  لذلك، قضت محكمة التمييز الأردنية بأن إحالة النزاع لتسويته من قبل جهة ما، هي إحالة إلى التحكيم بالرغم من أن عبارة "التحكيم" بحد ذاتها لم ترد صراحة في الاتفاق(4).

 

رابعا: مكان التحكيم

 

يتضح من المادة (3) من القانون، بأن هذا القانون يسري فقط على التحكيم الذي يجري في المملكة، أي حيث يكون مكان التحكيم في الأردن، سواء بناء على اتفاق الأطراف او بقرار من هيئة التحكيم حسب المادة (27) من القانون. ويقابل هذا النص المادة (1/2) من القانون النموذجي والمادة (1) من القانون المصري. وعلى ذلك، إذا كان مكان التحكيم في الخارج ( سوريا مثلاً)، وصدر حكم التحكيم أيضا في سوريا، فلا يطبق القانون الأردني. وإذا تم إحضار الحكم لتنفيذه في الأردن، فيعتبر الحكم أجنبيا بمفهوم قانون تنفيذ الأحكام الأجنبية رقم 8 لسنة 1952، فيطبق هذا القانون على حكم التحكيم من حيث تنفيذه في الأردن، أو تطبق عليه اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن الاعتراف بالأحكام الأجنبية وتنفيذها حسب مقتضى الحال.

 

وإذا كان مكان التحكيم الأردن، فيجب ان تصدر هيئة التحكيم الحكم في الأردن أيضاً. ولكن يجوز للهيئة ان تعقد بعض جلساتها في غير مكان التحكيم بما في ذلك جلسة المداولة. وقد يكون هذا المكان الآخر خارج الأردن، ويصدر الحكم في ذلك المكان مما يثير التساؤل عن مدى سريان القانون في هذه الحالة. وبالرغم من عدم وجود نص يعالج هذه الحالة في القانون، إلا أن الرأي في التحكيم يميل إلى اعتبار الحكم قد صدر في الأردن بالرغم من صدوره في الخارج، وهو الرأي الذي نؤيده. ومثال ذلك، ان يتفق الأطراف على أن الأردن هو مكان التحكيم، وتعقد هيئة التحكيم جميع جلساتها في الأردن فعلاً، باستثناء جلسة المداولة وإصدار الحكم حيث يتم ذلك في سوريا. في هذا المثال، يعتبر قرار التحكيم قد صدر في الأردن بالرغم من صدوره في سوريا. وهذا التوجه في التحكيم أخذ به، على سبيل المثال، القانون النموذجي (المادة 31/4) وهو أحد المصادر الرئيسة لقانون التحكيم الأردني، وكذلك قواعد غرفة التجارة الدولية (المادة 25/3)(5).

 

خامسا: طبيعة النزاع

 

استنادا للمادة (3) من القانون، يطبق القانون على التحكيم الخاص بالمنازعات المدنية والتجارية، أيا كانت طبيعة العلاقة القانونية التي يدور حولها النزاع عقدية أو غير عقدية. ويقابل هذا النص المادتان (1/1 و 7/1) من القانون النموذجي والمادتان (1 و 10) من القانون المصري. ويقصد بالمنازعة المدنية أو التجارية، أي نزاع مالي مهما كانت طبيعته، يخضع في أحكامه للقانون المدني بالمعنى الواسع، بحيث يشمل المنازعات التجارية بالمعنى الضيق، أو العكس يخضع للقانون التجاري بالمعنى الواسع بحيث يشمل المنازعات المدنية بالمعنى الضيق. كما ان سريان القانون يشمل المنازعات الإدارية التي ينطبق عليها هذا الوصف، وهي المنازعات المالية الناجمة عن العقود الإدارية، أو المتعلقة بها حتى ولو كانت سابقة على إبرام العقد الإداري ذاته. مثل الخلاف على شروط العطاء الذي تطرحه الدولة، وخطاب النوايا الذي يعقب طرح العطاء، والمفاوضات العقدية، السابقة على إبرام العقد الإداري ذاته(6). ولكن يشترط في جميع الأحوال، أن يكون موضوع النزاع قابلاً للتسوية عن طريق التحكيم، وان لا يوجد نص في أي قانون آخر يحظر ذلك.

 

وعلى ذلك، فإنه يجوز، كقاعدة عامة ومن حيث المبدأ، إحالة كافة منازعات الحقوق الشخصية (الالتزامات)، المترتبة عن مصدر من مصادر الالتزام في القانون المدني إلى التحكيم، سواء كان مصدر الالتزام العقد، أو التصرف الانفرادي (الإرادة المنفردة)، أو الفعل الضار (العمل غير المشروع)، والفعل النافع (الأفراد بلا سبب)، ويستوي بعد ذلك ان تكون طبيعة العلاقة القانونية هي، بالمعنى الضيق، علاقة مدنية أو تجارية أو إدارية.

 

وفي الحياة العملية، فإن أغلب المنازعات التي تحال إلى التحكيم يكون مصدر الالتزام فيها العقد مباشرة بصرف النظر عن طبيعة هذا العقد.  ويشمل ذلك العقود المسماة وغير المسماة، ويشمل في الأولى عقود التمليك، أي العقود الناقلة للملكية وهي البيع والهبة والشركة والقرض والصلح، وعقود المنفعة وهي الاجارة والاعارة، والعقود الواردة على العمل باستثناء عقد العمل وهي عقد المقاولة والوكالة والايداع (الوديعة) والحراسة، وعقود الغرر، وهي الرهان والمقامرة والمرتب مدى الحياة وعقد التأمين، وعقود التوثيقات الشخصية وهي الكفالة والحوالة.  ولكن قد يكون مصدر الالتزام الفعل الضار، كأن ترتطم سفينة بميناء العقبة، ويحدث نزاع بين أصحاب الشأن يتعلق بالأضرار التي لحقت بالسفينة أو الميناء أو كليهما معاً، فيتم الاتفاق على إحالته للتحكيم. وما ينطبق على العقد والفعل الضار، يطبق على الالتزامات الأخرى أيا كان مصدرها من حيث جواز الاتفاق على إحالة أي نزاع بشأنها إلى التحكيم.

 

ومهما يكن من أمر، ذكرنا بأن المادة (3) من القانون الأردني تنص على سريان أحكام القانون على كل تحكيم يتعلق بنزاع مدني أو تجاري وفق المفهوم المبين سابقا، في حين ينص القانون المصري على سريان أحكامه على كل تحكيم يجري في مصر (المادة 1 من القانون المصري) دون وصف أو اشتراط أن يكون هذا التحكيم تجارياً.  ونص كهذا في القانون المصري يدل ظاهره، بمعزل عن غيره من النصوص، على أن كل تحكيم مهما كانت طبيعته أو نوعه يخضع لأحكام القانون حتى ولو لم يكن تحكيماً تجارياً (أو مدنياً) بحيث يشمل، على سبيل المثال، منازعات الأحوال الشخصية والمنازعات غير المالية عموماً، وكذلك التحكيم الإجباري.  ويعزز هذا الفهم أن المشرّع المصري لم يصف عبارة "تحكيم" الواردة في النص بعبارة "تجاري".  كما يعزز هذا الفهم أيضاً المادة (10) من القانون المصري التي تعرّف اتفاق التحكيم، والتي أجازت التحكيم في (كل) علافة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية، دون اشتراط أن تكون هذه العلاقة (غير العقدية مثلاً) مالية أو تجارية. ولكن روح القانون المصري، تشير بوضوح إلى تطبيقه فقط على المنازعات التجارية بمفهوم القانون من جهة، وعلى المنازعات الناجمة عن الاتفاق أي التحكيم الاتفاقي من جهة أخرى.  ويستدل على ذلك من العديد من أحكام القانون، ومثال ذلك ما يلي:

 

1-      اسم القانون، وهو" قانون التحكيم في المواد المدنية والتجارية".

 

2-      المادة الثالثة من قانون الإصدار، والتي ألغت المواد 501 إلى 513 من قانون المرافعات المدنية والتجارية رقم 13 لسنة 1968، علماً بأن تلك المواد تتعلق بالتحكيم المدني والتجاري دون سواء.

3-      المادة (2) من القانون التي بينّت متى يكون "التحكيم تجارياً"، وانه يكون كذلك إذا نشأ النزاع حول علاقة قانونية ذات طابع اقتصادي، عقدية كانت أو غير عقدية، ومن ثم ذكر النص أمثلة كثيرة على هذه العلاقات ذات الطابع الاقتصادي، مما يقطع بأن القانون لا يطبق إلا على التحكيم التجاري بالمعنى الواسع.

 

ويبدو أن الحكم في القانون الأردني كان أكثر دقة عندما اشترط لتطبيق القانون أن يتعلق التحكيم بنزاع مدني أو تجاري، بحيث اخرج من نطاق تطبيقه صراحة المنازعات غير التجارية والمدنية عموماً، مثل منازعات الأحوال الشخصية الخاصة بالزواج والطلاق وغير ذلك.

 

وبوجه عام، لا تثير المسألة إشكالاً يذكر بالنسبة للعقود عموماً، ولكن قد تثير التساؤل في بعض الظروف، منها مدى جواز التحكيم في المسائل المدنية المخالفة للنظام العام أصلاً مثل عقود المقامرة، والعقود الباطلة بوجه عام، وخاصة إذا كان المحل فيها أو موضوعها غير مشروع، مثل العقود الواردة على الدعارة أو الحشيش أو ارتكاب الجرائم عموماً مثل القتل والسرقة وغيرها مما تكثر الاطالة فيها والأمثلة عليها.  وكقاعدة عامة، نقول بأن القانون في جواز الإحالة إلى التحكيم لم يفرق بين عقد وآخر ولا موضوع أو محل وغيره، ما دام الاتفاق على التحكيم يتعلق بنزاع مدني أو تجاري. 

 

ويؤكد ذلك ما نصت عليه المادة (22) من القانون من أن شرط التحكيم يعد "اتفاقاً مستقلاً عن شروط العقد الأخرى، ولا يترتب على بطلان العقد أو فسخه أو إنهائه أي أثر على شرط التحكيم الذي يتضمنه إذا كان هذا الشرط صحيحاً في ذاته".  ومن المهم في هذا المجال ملاحظة ما يلي:

 

1-      إذا كان العقد باطلاً (مثل عقد بيع حشيش) وورد اتفاق التحكيم في صيغة شرط في عقد البيع.  في هذه الحالة، إذا كان الشرط صحيحاً في ذاته، تكون تسوية النزاع المتعلق بالعقد عن طريق التحكيم وليس عن طريق القضاء.  وذلك بسبب استقلالية شرط التحكيم.  وعلى العكس من ذلك، إذا كان شرط التحكيم باطلاً بذاته، فيبطل العقد والشرط معاً.  ومثال بطلان الشرط بذاته أن يكون أحد طرفي العقد عديم الأهلية.

 

2-     إذا لم يرد اتفاق التحكيم بصيغة شرط في عقد البيع الباطل، وإنما في صيغة اتفاق مستقل.  في هذه الحالة يكون كل من العقد واتفاق التحكيم باطلين.  فالنص على استقلالية شرط التحكيم محدد حصراً في الحالة التي يرد فيها هذا الشرط في العقد وليس في اتفاق مستقل، وهو استثناء من الأصل، والاستثناء يقدر بقدره ويفسر بأضيق الحدود وفق ما ذكرنا سابقا.


(1)    نشر القانون في عدد الجريدة الرسمية رقم (4496)، تاريخ 16/تموز/2001 (ص2821 – 2836).

(2)    مثلا تمييز حقوق 350/90، مجلة النقابة لسنة 1991، ص 1940؛ نقض مدني مصري     6/11/994، المكتب الفني لسنة 45.

(3)    المادتان 113 و 114 من قانون اصول المحاكمات المدنية.

(4)    تمييز حقوق رقم 2126/2002 (منشورات عدالة في الحاسوب/الكمبيوتر).

(5)    قارن المادة (1) من اتفاقية نيويورك بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها لسنة 1958 ، وتقضي بأن من حالات تطبيق الاتفاقية الحالة التي يصدر فيها حكم التحكيم في دولة غير الدولة التي صدر فيها الحكم

(6)      بل نرى انه لا يمنع من الاتفاق على التحكيم بين الدولة والمتضرر من القرار الإداري الذي تم الغاؤه قبل أو أثناء طرح النزاع على التعويض أمام المحكمة المختصة (محكمة العدل العليا)، ولكن قبل صدور القرار القضائي بشأن هذا النزاع.


Previous Page | Next Page

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001