Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

    

 الفائدة الثانية: تفسير العقد

استنادا للقواعد العامة في تفسير العقود، إذا كانت عبارة العقد غامضة يجب تفسيرها بالبحث عن النية المشتركة للمتعاقدين، مع الاستهداء في ذلك بطبيعة التعامل، وبما ينبغي ان يتوافر من امانة وثقة بين المتعاقدين، وفقا للعرف الجاري في المعاملات (المادة 239/2 مدني).  فإذا لجأت المحكمة لهذة الطريق ومع ذلك لم تتعرف على ارادة المتعاقدين، فإن الغموض يفسر عندئذٍ في مصلحة المدين (المادة 240/1مدني).  ويقصد بذلك، بوجه عام، ان الغموض في الشرط التعاقدي موضع البحث، يفسر لمصلحة الطرف المطالب بتنفيذ التزام انشأه او اشار اليه ذلك الشرط، حتى لو كان المدين نفسه دائناً بالنسبة لشرط آخر.  ومثال ذلك، ان تتعاقد شركة اردنية (في الاردن) على شراء سيارات من شركة كويتية (في الكويت) بمبلغ معين يشار اليه بالدينار، دون بيان ما إذا كانت عملة الدفع هي الدينار الاردني أم الكويتي.  في هذا المثال، فإن المدين بالدفع هي الشركة الاردنية، فيفسر الشرط لمصلحتها بأن تكون عملة الدفع هي الدينار الاردني باعتبار سعره أقل من سعر الدينار الكويتي.

 

الا ان القانون الاردني، على غرار غيره من قوانين العديد من الدول العربية، خرج على هذا الحكم بالنسبة لعقود الاذعان، بالنص في المادة (240/2) من القانون المدني بأنه لا يجوز ان يكون تفسير العبارات الغامضة ضاراً بمصلحة الطرف المذعن.  ومما يعنيه هذا الحكم، انه يتوجب تفسير الشرط الغامض في عقود الاذعان، لمصلحة الطرف المذعن في جميع الاحوال حتى لو كان دائناً بموجب ذلك الشرط.  ومثال ذلك ان تتعهد شركة الكهرباء بتزويد المستهلك بعداد كهرباء جديد، وتقوم الشركة بتزويده بعداد جديد فعلا (أي غير مستعمل)، ولكن من تصنيع عشر سنوات سابقة، في حين يطالب المستهلك المذعن بعداد جديد بمعنى غير مستعمل من جهة، ومصنّع سنة توقيع العقد من جهة أخرى، خاصة وأن الشركة لديها مثل هذا العّداد وهو أفضل من العّداد الذي تم تسليمه، وقامت بتوزيعه على مشتركين آخرين.  في هذا المثال، يفسر الغموض في كلمة "جديد" لمصلحة المستهلك المذعن، بالرغم من أنه دائن وليس مديناً في الشرط التعاقدي.

  

المسألة الثالثة: تطبيق الاذعان على التأمين 

استقر الاجتهاد الفقهي والقضائي منذ زمن ليس بالقصير على أن عقد التأمين هو نموذج حي ومتجدد على عقود الاذعان، وساير الاجتهاد القضائي الأردني هذا التوجه واستقرت مبادئه على ذلك.  ومما قالته محكمة التمييز الحقوقية في هذا الشأن بأن عقد التأمين هو من عقود الاذعان التي يقوم المؤمن لوحده بطباعة نماذج العقد ويضع في البوليصة شروطاً لا يقبل بها نقاشاً (157/2002، غير منشور).  وأضافت في حكم آخر أنه ما على المؤمن سوى القبول بهذه الشروط والتسليم بها باعتباره الطرف المذعن (1575/2001، غير منشور).  وأشارت كذلك الى أن اعتبار التأمين من عقود الاذعان، هو أمر مستقر عليه فقهاً وقضاءً (2596/2001، غير منشور)، وعلى هذا درجت العديد من أحكام التمييز الاخرى(7).

 

ولكن إذا تم تطبيق شروط الاذعان ( التقليدية ) على عقد التأمين، وفق ما هو مشار اليه أعلاه، فإنه يصعب القول بأن عقد التأمين عو عقد اذعان بصورة مطلقة، وذلك على النحو التالي:

 

أولاً:     فمن شروط عقد الاذعان، كما ذكرنا، أن هناك احتكاراً للسلعة أو الخدمة، وهذا غير متوفر في التأمين، إذ أن هناك حوالي خمسة وعشرين شركة تأمين في الاردن تمارس أعمال التأمين المختلفة، مما ينفي عنصر الاحتكار عن هذه الخدمة.

 

ثانياً:    ان خدمة التأمين في مجتمعنا ليست من الخدمات الضرورية، ولا يعتبرها مجتمعنا كذلك باستثناء التأمين على المركبات ضد الغير.  فهذا النوع من التأمين، يعتبر ضرورياً لانه مفروض بقوة القانون(8)، مما أصبغ عليه طابع الضرورة القانونية وليس طابع الضرورة الواقعية أو الفعلية.  أما ما عدا ذلك من أنواع التأمين أو من بعض أنواعه (مثل التأمين على الحياة)، فإنه أقرب ما يكون، في رأي الكثيرين، الى الترف منه الى الضرورة في مجتمع كمجتمعنا، مما ينفي عن التأمين شرط الضرورة.

 

أضف الى ذلك، أنه في بعض حالات التأمين، يمكن أن يكون المؤمن له هو الطرف القوي اقتصادياً في عقد التأمين وليس شركة التأمين، مما يجعل ذلك الطرف هو الذي يفرض شروطه على شركة التأمين وليس العكس.  ومثال ذلك، أن تطرح شركة طيران عطاء للتأمين على طائراتها، أو يطرح البنك المركزي مثل هذا العطاء للتأمين على موجوداته من العملات المحلية والاجنبية والذهب وغير ذلك، على أساس أن العطاء سيحال على شركة التأمين التي تتقدم بأفضل الشروط التعاقدية، بما في ذلك قسط أو أقساط التأمين.  في هذه الأمثلة وغيرها، يمكن القول أن شركة الطيران في الحالة الأولى والبنك المركزي في الحالة الثانية، هما اللذان في موقف قوي بحيث يستطيعان فرض شروطهما على شركة التأمين.  وإذا كان العقد هنا من قبيل عقود الاذعان، فربما يصح القول بأن الطرف المذعن هو شركة التأمين وليس المتعاقد الآخر. 

 

وهذا يقودنا الى القول الى أنه لا بد من تغيير المفاهيم التقليدية لعقد الاذعان، والاكتفاء بما نصت عليه المادة (104) من شروط في هذا العقد، وهي اعداد أحد الطرفين لشروط عامة مطبوعة مسبقاً، يعرضها على الطرف الآخر، ويكون هامش مفاوضة أو مناقشة ذلك الطرف لتلك الشروط إما منعدماً أومحدوداً.  أما السلعة أو الخدمة، فلا يشترط فيها الضرورة كما لا يشترط في من يقدمها الاحتكار القانوني أو الفعلي.  وهذا المفهوم لفكرة عقد الاذعان متفق بوجه عام مع المادة (104) التي لم تشترط في العقد لا ضرورة السلعة أو الخدمة بالنسبة لمن يطلبها، ولا احتكارها بالنسبة لمن يعرضها، وانما اشترطت فقط اعداد شروط العقد (المكتوبة) من قبل أحد الطرفين، وإذعان الطرف الآخر لها أمام عدم قبول الطرف الأول مناقشتها أو التفاوض بشأنها من جانب الطرف الآخر.  وبطبيعة الحال، فإن الطرف الآخر لا يقبل هذا العرض على النحو المشار اليه، أي دون مناقشة أو مفاوضة، الا لأنه بحاجة فعلاً للسلعة أو الخدمة المعروضة من جهة، وأنه لن يجد بديلاً عنها لدى شخص آخر بشروط أفضل مما هو معروض عليه.

 

وبتطبيق ذلك على العقود، يمكن القول أن فكرة الاذعان بهذا المفهوم المنسجم مع المادة (104)، تطبق على مختلف العقود مثل البيع والاجارة والمقاولة والعقود المصرفية دون تمييز بين عقد وآخر.  وليس في هذا المفهوم أي خطر على نظرية العقد عموماً أو شذوذ على العدالة والمنطق القانوني.  فكما ذكرنا هناك فائدتان فقط من فكرة عقد الاذعان:

 

الأولى:     تتعلق بالشروط التعسفية التي يفرضها أحد الطرفين على الآخر.  وكما ذكرنا، فإن الطرف الآخر ما كان ليقبل بهذه الشروط التعسفية لو وجد أفضل منها لدى شخص آخر.  والعدالة تقضي في أحوال كهذه، اعطاء المحكمة صلاحية تعديل الشروط التعسفية أو حتى الغائها حتى لا يستفيد من وضعها مما فعلته يداه.  وهذا بطبيعة الحال ينسجم مع المادة (104) من جهة، ومع المادة (204) من جهة أخرى.  وتجدر الإشارة هنا الى أن الفكر القانوني الحديث، بل حتى التشريعات العصرية، تميل بشكل واضح وصريح لصالح الرقابة القضائية على الشروط التعسفية في كل عقد، سواء سمي عقد اذعان بالمفهوم التقليدي أو غير ذلك.  وهذا هو حال المشرع، مثلاً، في كل من فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ والدول الاوروبية عموماً(9).

 

الثانية:     تتعلق بتفسير الغموض في العقد لصالح الطرف المذعن.  وهذا المبدأ في القانون الأردني لا يخرج أيضاً على قواعد العدالة، التي يمكن القول بأنها تقضي بتفسير مثل هذا الغموض، ضد الطرف الذي وضع الشرط الغامض ما دام أنه هو الذي وضعه وهو المسؤول عنه.

 

وأخيراً، تجدر الإشارة الى أن أحكام محكمة التمييز الحقوقية لم تخرج، عموماً، على هذا المفهوم في عقود الاذعان بالنسبة للتأمين بشكل خاص.  ويلاحظ هنا أنها أشارت الى الشروط التالية في عقد التأمين الاذعاني:

 

1-       قيام المؤمن، أي شركة التأمين، بطباعة نماذج العقد.

 

2-       ان هذه النماذج تتضمن شروطاً لا يقبل المؤمن بها نقاشاً أو مساومة باعتباره الطرف الضعيف أو المذعن.

           ( رقم 157/2002، تاريخ 5/2/2002 ؛ ورقم 1575/2001 ؛ ورقم 2596/2001 ؛ ورقم 736/999 ، مجلة النقابة لسنة 2001، ص798 ؛ ورقم 2541/999، مجلة النقابة لسنة 2002، ص360 ؛ ورقم 531/998، مجلة النقابة لسنة 1998،ص 2625).

 ولم تشر المحكمة في هذه الاحكام الى أي من شرطي الاحتكار من جانب المؤمن، وضرورة السلعة أو الخدمة من جانب المؤمن. له مما يعني، كما نرى، تطبيقاً منسجماً مع المادة (104) من القانون المدني.

 

المسألة الرابعة: تقسيم شروط عقد التأمين

نصت المادة (924) من القانون المدني على عدة شروط في وثيقة التأمين وبينت أن حكمها البطلان.  ويقصد بوثيقة التأمين المعنى الواسع لها أي عقد التأمين سواء ورد الشرط في الوثيقة بالمعنى الضيق، أو في أي مستند آخر يشكل جزءاً من عقد التأمين مثل طلب التأمين وملحق أو ملحقات الوثيقة.  وهذا يقودنا الى القول بأن شروط عقد التأمين تنقسم الى ثلاثة أقسام:

 

الأول:      شروط باطلة إذا توفرت إحدى حالات المادة (924/مدني).  وفي هذا النوع من الشروط ليس للمحكمة أي صلاحية تقديرية في بطلان أو عدم بطلان الشرط التعاقدي، ولا صلاحية بحث فيما إذا كان عقد التأمين أمامها هو عقد إذعان أم لا، أو صلاحية مناقشة فيما إذا كان الشرط تعسفياً أم لا، وإنما يتعين عليها القضاء ببطلان الشرط ، وتخضع في ذلك لرقابة محكمة التمييز.

الثاني:     شروط قابلة للالغاء أو التعديل إذا توفرت أحكام المادة (204/مدني)، وفق ما ذكرنا سابقاً.

الثالث:    الشروط الأخرى، وهي ما تبقى من شروط لا تخضع للمادة (924/مدني) ولا للمادة(204/ مدني).  وهذا النوع من الشروط يخضع للقواعد العامة من حيث صحتها من جهة ولزوم تنفيذها من جهة أخرى، وبالتالي ليس للمحكمة صلاحية تعديلها أو الغائها (المادة 204/    مدني)، ولا الحكم ببطلانها سنداً للمادة (924/مدني).

                                                                                   

                                                                                                                                                 

الدكتور حمزة أحمد حداد


(7)        مثلاً رقم 736/999، مجلة النقابة لسنة 2001، ص798 ؛ ورقم 2541/999، مجلة النقابة لسنة 2002، ص360 ؛ ورقم 531/998، مجلة النقابة لسنة 1998، ص2625 ؛ ورقم 377/973، مجلة النقابة لسنة 1974، ص879.

(8)          المادة 6 من قانون السير رقم 47 لسنة 2001.

(9)      مصطفى العوجي، القانوني المدني، ج 1 ، العقد ، دار الخلود ، بيروت ، 1999، ص752 – 763 .

 

Previous Page

 

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001