Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

 

الاذعــــــان و عــقــد الـــتـامــــين

 

ورقة عمل مقدمة لمؤتمر" القضاء  و التامين " 

(28-30/8/2002)

 

المحامي: حمزه حداد

مركز القانون والتحكيم

عمان - الاردن

ت: 333 5672

فاكس: 555 5672

 

  

 

نشير في ورقة العمل هذه الخاصة بمدى اعتبار عقد التامين من عقود الاذعان الى اربع مسائل: الأولى تتعلق بمفهوم عقود الاذعان وشروطها، الثانية بالاهمية القانونية لعقود الاذعان، الثالثة تطبيق الاذعان على التأمين، الرابعة الشروط في المادة 924/مدني.

 

المسألة الأولى: مفهوم عقود الاذعان(1)

تقوم فكرة الاذعان في العقود من الناحية القانونية على المادة ( 104) من القانون المدني التي تنص على ان القبول في عقود الاذعان يقتصر على مجرد التسليم بشروط مقررة يضعها الموجب ولايقبل مناقشة فيها.  ومصدر النص المادة (100) من القانون المدني المصري الذي اقتبست منها العديد من قوانين الدول العربية النص الخاص بمفهوم عقود الاذعان(2).

 

وكما هو واضح من النص، فان المادة (104) وضعت شرطين لاعتبار العقد من عقود الاذعان.  الأول: قيام أحد المتعاقدين، أي الموجب، بوضع شروط العقد، وعرضها على المتعاقد الاخر أي الموجه له الايجاب.  الثاني: عدم قبول الموجب لمناقشة هذه الشروط من الطرف الاخر، الذي اما ان يقبل بها جملة، او يرفضها جملة.  فإذا قبل بها انعقد العقد واعتبر عندئذٍ من قبيل عقود الاذعان، مع ما يترتب على ذلك من اثار قانونية سنشير اليها بعد قليل.  وعلى ذلك، اذا تم وضع شروط التعاقد من قبل الطرفين معأً، او وضعها أحدهما لمناقشتها والتفاوض بشأنها من الطرف الاخر، وبالتالي تم ابرام العقد في ضوء هذه المناقشة والمفاوضة، فلا يعتبر العقد عقد اذعان.

 

ويلاحظ على النص انه لم يشترط في الايجاب المتضمن لشروط التعاقد ان يكون مكتوباً، مما يعني جواز ان تكون تلك الشروط والايجاب الخاص بها شفويأً، تمشياً مع القواعد العامة في رضائية العقود، بصرف النظر عن مسالة الاثبات الخاصة بمثل هذه الشروط او احدها.  الا ان الوضع في الحياة العملية مختلف تماما، من حيث ان عقود الاذعان هي دائما عقود مكتوبة، ولم يعرض على القضاء أي عقد شفوي تم الادعاء بشأنه بأنه عقد اذعان.  بل انه يستدل بوضوح من الاثار التي رتبها القانون على عقد الاذعان، ان مثل هذا العقد يجب ان يكون مكتوباً، وينطبق ذلك على تعديل الشروط التعسفية في عقد الاذعان وعلى تفسيره.  إذ لا يمكن ان تثور إحدى هاتين المسألتين دون ان يكون العقد مكتوباً، وهذا هو الواقع في الحياة العملية كما ذكرنا. وعلى ذلك، يمكن ان نضيف شرطاً للعقد حتى يكون عقد اذعان، وهو وجوب أن يكون مكتوباً.

 

على أي حال، عكف الفقه على دراسة فكرة عقود الاذعان لبيان الشروط الواجب توفرها فيها، غير ماهو مبين في المادة (104) من القانون المدني (او النصوص المقابلة لها)، وغير الكتابة على النحو المشار اليه.  واستقر الرأي في هذا الشأن على  وجوب توفر شروط اخرى في العقد حتى يعتبر عقد اذعان.  ويمكن تلخيص هذه الشروط بما يلي:(3)

 

أولا:     احتكار السلعة او الخدمة من جانب الموجب، سواء كان الاحتكار قانونيا مثل الامتياز المعطى لاحدى الشركات لتوزيع الكهرباء على المستهلكين، او احتكاراً فعلياً كأن  يسمح القانون بتقديم الكهرباء من قبل أي شركة وفق شروط معينه، ولكن لا توجد سوى شركة واحدة تتوفر فيها التقنيات اللازمة لذلك.

 

ثانيا:    يجب ان تكون السلعة او الخدمة ضرورية للمستهلك، بحيث لا يستغني عنها، او يمكنه ذلك ولكن بصعوبة، مثل سلعة الكهرباء وخدمة الهاتف والتنقل بوسائط النقل الحديثة. فهذه السلع او الخدمات، يصعب الاستغناء عنها في الحياة العصرية لدرجة الاستحالة بالنسبة للاعم الاغلب من الجمهور إن لم يكن للكل.

 

ثالثا:    ان يكون الايجاب واحداً بالنسبة للجميع او بالنسبة لقطاعات معينة وان اختلف بالنسبة لقطاعات اخرى.  فالموجب يعرض ايجابه للكافة عموما دون تمييز بينهم، وشروطه واحدة للجميع.  ففي مثالنا السابق، تقدم شركة الكهرباء هذه السلعة للمستهلكين وفق شروط معينه تعرضها عليهم، وكل من يوافق على هذه الشروط يحصل على السلعة من غير تفرقه بين مستهلك وآخر.

وعند مناقشة مشروع القانون المدني المصري، لم يخرج واضعو القانون على هذه الشروط التي استقر الاجتهاد الفقهي (بل والقضائي ايضا) عليها قبل صدور ونفاذ القانون المصري سنة 1948.  وفي هذا الشأن، تقول مجموعة الأعمال التحضيرية بأن عقود الاذعان تتميزعن غيرها باجتماع شروط ثلاثة: أولها تعلق العقد بسلع او مرافق تعتبر من الضروريات بالنسبة للمستهلكين او المنتفعين. والثاني، احتكار هذه السلعة او المرافق، احتكارا قانونياً او فعلياً، او قيام منافسة محدودة النطاق بشأنها.  والثالث، توجيه عرض الانتفاع بهذه السلعة او المرافق الى الجمهور بشروط متماثلة على وجه الدوام بالنسبه لكل فئه منها(4).

 

ويضرب الفقة والقضاء على عقود الاذعان أمثلة تقليدية كثيرة من واقع الحياة العملية، ويشمل ذلك العقود مع شركات الكهرباء، والغاز، والمياه والنقل بوسائلة المختلفة من سكك حديدية وكهربائية وبواخر وسيارات، أو مع مصالح البريد والتلفونات.(5)

 

المسألة الثانية: فوائد معرفة طبيعة العقد

يترتب على معرفة ما إذا كان العقد عقد اذعان أم لا نتيجتان هامتان:  الأولى: تتعلق بسلطة المحكمة  في عقود الاذعان، والثانية تتعلق بتفسير العقد.

 

الفائدة الأولى: سلطة المحكمة

كقاعدة عامة، يتوجب على المحكمة تطبيق أحكام العقد وما أراده المتعاقدون دون أن تتدخل في ارادتهم التعاقدية.  وتطبيقاً لهذا المبدأ، ليس للمحكمة أن تلغي أي شرط تعاقدي ولا أن تعدله حتى لو كان تعسفياً أو مجافياً لابسط قواعد العدالة من وجهة نظره.  وعلى سبيل المثال، لو اشترى (أ) من (ب) سلعة بمبلغ الف دينار، يتوجب على القاضي أن يلزم (أ) بدفع هذا المبلغ، حتى لو كانت السلعة متوفرة في السوق وسعر مثيلاتها دينار واحد.  ويطبق هذا المبدأ على مختلف العقود من بيع وشركة واجارة وكفالة ووكالة، وغير ذلك من العقود المسماة وغير المسماة.(6)  ويعتبر هذا المبدأ تطبيقاً للقاعدة العامة التي تقضي بأن العقد شريطة المتعاقدين، أو ما عبّر عنه القانون المدني الأردني بقوله يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه، وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية (المادة 203)، وقوله أن الأصل في العقد رضا المتعاقدين وما التزماه في التعاقد (المادة 213).

 

إلا أن المشرع الأردني خرج على هذه القاعدة في عقود الاذعان، بأن أعطى للمحكمة صلاحية التصرف بالشروط الواردة في عقود الاذعان إذا كانت شروطاً تعسفية، وذلك بالالغاء أو التعديل وفق ما تقضي به العدالة. واعتبر المشرع أن هذا الحكم من النظام العام بحيث لا يجوز الاتفاق على خلافه.  وفي هذا الشأن تقضي المادة (204) من القانون المدني بأنه "إذا تم العقد بطريق الاذعان، وكان قد تضمن شروطاً تعسفية جاز للمحكمة أن تعدل هذه الشروط أو تعفي الطرف المذعن منها وفقاً لما تقضي به العدالة ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك".

 

ويتضمن هذا النص الأحكام التالية:

 

1-       ان الصلاحية المعطاة للمحكمة هي الغاء أو تعديل الشروط التعسفية كما سأبين بعد قليل. 

2-       إن هذه الصلاحية خاصة بعقود الاذعان بمفهوم المادة (104) من القانون.  فإذا خلصت المحكمة الى أن العقد ليس           كذلك، فلا تستطيع ممارسة تلك الصلاحية  حتى لو كان الشرط تعسفياً ومجافياً لقواعد العدالة.

3-       ان من حق محكمة الموضوع أن تمارس صلاحيتها في الشروط التعاقدية من تلقاء نفسها دون حاجة لطلب أحد الطرفين، وعلى التحديد الطرف المذعن لأنه هو صاحب المصلحة بطلب ممارسة هذه الصلاحية من قبل محكمة الموضوع.  ولكن الفرق بين الحالتين، كما نرى، أنه في حال اثارة الطرف المذعن للمادة (204) طالباً من المحكمة ممارسة صلاحياتها فيها لمصلحته، فإنه يتوجب على المحكمة أن تناقش هذا الطلب، وترد عليه سلباً أو ايجاباً وفقاً للصلاحيات المعطاة لها في النص ذاته.  أما في حال عدم إثارته من قبل ذلك الطرف، فيصبح من حق المحكمة عدم اثارته من تلقاء نفسها، ولا معقب عليها في ذلك من قبل محكمة التمييز.

 

واستناداً للقواعد العامة في الاجراءات، فإن مثل هذا الطلب من الطرف المذعن، يجب التقدم به أمام محكمة الدرجة الأولى، ولا يجوز له اثارته لأول مرة أمام محكمة الاستئناف، لأن ذلك يحرم الطرف الأخر من درجه من درجات التقاضي.  وتمشياً مع المبدأ ذاته، فإننا نرى أنه ليس من صلاحية محكمة الاستئناف إثارة هذه المسألة من تلقاء نفسها، إذا لم يطلب ذلك الطرف المذعن أمام محكمة الدرجة الأولى، ولم تثرها محكمة الدرجة الأولى من تلقاء نفسها.

 

4-       إن ممارسة هذه الصلاحية هي أمر جوازي لمحكمة الموضوع، أي لها أن تمارسها، ولها أن لا تمارسها حتى لو توفرت شروط ممارستها، ولا معقب عليها في ذلك من قبل محكمة التمييز.  ولكن لمحكمة الاستئناف، كمحكمة موضوع، أن تمارس تلك الصلاحية في حال عدم ممارستها من قبل محكمة الدرجة الأولى، بافتراض انها سبق و اثيرت امام محكمة الدرجة الاولى.  ومع ذلك، فإننا نرى أنه إذا طلب الطرف المذعن من المحكمة ممارسة هذه الصلاحية، فإنه يتوجب على محكمة الموضوع أن ترد على هذا الطلب سلباً أو ايجاباً ولا يجوز لها إغفاله.   وفي حال رفضها الاستجابة للطلب، فعليها أن تبين سبب ذلك، ومن حق محكمة التمييز عندئذٍ بسط رقابتها على تسبيب محكمة الموضوع.  فإذا تبين لها عدم صحته أو عدم توفره في الحالة المعروضة، فإن لها أن تنقض القرار المطعون به أمامها لهذا السبب. 

5-       ولممارسة هذه الصلاحية، يجب أن يكون الشرط تعسفياً، وهي مسألة نسبية تختلف باختلاف الظروف من زمان ومكان وموضوع العقد وطبيعته، وشروطه وأحكامه الأخرى والتعامل السابق بين الطرفين، وأي ظروف أخرى.  ومحكمة الموضوع هي التي تقدر ذلك، ولا رقابة لمحكمة التمييز عليها في مثل هذا التقدير.

6-       أما صلاحية المحكمة، فتتلخص بأن لها إما إلغاء الشرط أو تعديله وفق ما تقضي به العدالة، حسبما تراه المحكمة مناسباً.  ومثال ذلك، أن يقضي عقد توزيع الكهرباء بحق شركة الكهرباء أن تقطع التيار عن المستهلك في اليوم التالي من استحقاق الفاتورة في حال عدم دفعها، فتخلص المحكمة الى أن هذا الشرط تعسفي، وبالتالي تقرر تعديله بإعطاء الشركة الحق بقطع التيار بعد أسبوع من إشعار المستهلك بدفع الفاتورة في حال انقضت المدة دون دفع.  أو يتضمن العقد شرطاً مفاده حق الشركة بقطع التيار الكهربائي نهائياً في أي وقت دون بيان الأسباب، حتى لو درج المستهلك على دفع فواتيره دورياً دون تأخير.  في هذه الحالة، قد تقرر المحكمة الغاء هذا الشرط التعسفي وليس مجرد تعديله فحسب.  وفي كلا الحالين، تأخذ المحكمة بالحسبان اعتبارات العدالة وفق ما تقرره المحكمة نفسها، وهي أيضاً مسألة نسبيه تختلف باختلاف الظروف.  ومرة أخرى، فإن المسألة تقديرية لمحكمة الموضوع سواء بالنسبة لالغاء الشرط أو تعديله، وفي حال التعديل، فإن محكمة الموضوع هي التي تقدر كيفية التعديل ومداه دون تعقيب عليها من محكمة التمييز.

7-       وصلاحية المحكمة وفق ما هو مبين أعلاه هي من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على ما يخالف حكم المادة (204)، وإلا كان الاتفاق باطلاً.


(1)           وهي بالفرنسية contrat d’adesion ، ويبدو أن أول من قام بتعريبها بـ "عقود الاذعان" الاستاذ السنهوري في كتابه نظرية العقد ، 1934، دار إحيار التراث العربي ، بيروت ، ص279.

(2)            مثل سوريا (المادة 101/مدني) ؛ ليبيا (المادة 100/مدني) ؛ العراق (المادة 167/مدني) ؛ الكويت (المادة 80/ مدني ) الامارات العربية المتحدة (المادة 145/معاملات مدنية).

(3)            عبد المنعم فرج الصدة ، عقود الاذعان، رسالة دكتوراة، القاهرة، 1946 ؛ السنهوري ، المرجع السابق وقائمة المراجع المشار اليها فيه ؛ السنهوري، الوسيط، ج 1 ، دار النهضة العربية، فقرة 116 وقائمة المراجع المشار اليها فيه ؛ السنهوري، مصادر الحق في الفقه الاسلامي، ج2، دار احياء التراث العربي، بيروت، ص 75؛ مرقس ، الوافي ، ج2 ، ط4 ، منشورات صادر، بيروت ، 1998 ، فقرة 94.

(4)        مجموعة الاعمال التحضيرية، ج 2،  ص 69 (المادة 100). وقد اقرت محكمة النقض المصرية هذه الشروط في عقد الاذعان في اكثر من حكم (مثلا نقض مدني، طعن 208، تاريخ 22/4/1954، المكتب الفني، سنة 5، ص 788؛ وطعن 851، تاريخ 4/2/1993؛ المكتب الفني ، سنة 44، صفحة 782). ومما قالته المحكمة في الحكم الاخير بالنسبة لشرط الضرورة، ان السلع الضرورية هي التي لاغنى للناس عنها والتي لا تستقيم مصالحهم بدونها، بحيث يكونون في وضع يضطرهم الى التعاقد بشأنها، ولا يمكنهم رفض الشروط التي وضعها الموجب ولو كانت جائرة وشديدة

(5)        رفضت محكمة النقض المصرية  اعتبار عقد انشاء طريق حكومي( مقاولة طرق) من قبيل عقود الاذعان. ومما قالته في هذا الشأن، انه متى كانت الحكومة قد اشهرت شروط مناقصة في عملية انشاء طريق، وكان من مقتضى هذه الشروط ان يتقدم كل ذي عطاء بشروط العمل وتحديد زمنه وتكاليفه، ولم يكن الايجاب فيه مستمراً  لزمن غير محدد، وكان لكل انسان حرية القبول او الرفض بعدم تقديم عطائه اصلا، او بتضمينه الشروط التي يرتضيها وتلك التي لا يقبلها، فإن التعاقد عن هذه العملية لا يعتبر عقدا من عقود الاذعان (نقض مدني، طعن 208، تاريخ 22/4/1954، المكتب الفني، سنة 5 ، صفحة 788).

(6)    ونفترض هنا بطبيعة الحال ان كافة شروط واركان العقد متوفرة، وانه لا يوجد أي عيب من عيوب الرضا.

Next Page
 

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001