Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

2-   استقلالية شرط التحكيم(17)

تتجه النظرية التقليدية في بعض الأنظمة القانونية إلى القول بأنه إذا كان العقد الأصلي باطلا أو ابطل أو فسخ لأي سبب، فان ذات الأثر ينصرف على شرط التحكيم، باعتباره تابعا له وجزءا منه، فينقضي العقد برمته بما في ذلك شرط التحكيم. فالتحكيم وجد باتفاق وهذا الاتفاق انتهى لأي سبب، فالنتيجة الطبيعية والمنطقية لذلك هي انتهاء هذا الشرط تبعا لانقضاء الأصل.

أما الاتجاه الحديث في التحكيم التجاري، وخاصة الدولي منه، فيميل إلى استقلالية اتفاق التحكيم عن العقد الأصلي موضوع التحكيم، خاصة إذا ورد الاتفاق في صيغة شرط تحكيم. ومفاد ذلك ان شرط التحكيم مستقل عن العقد ذاته، بحيث إذا اعتبر هذا العقد منتهيا لأي سبب غير التنفيذ بصورة طبيعية، مثل البطلان او الفسخ، فان شرط التحكيم يبقى قائما ما دام ان سبب الانتهاء لم يلحق الشرط ذاته، بمعزل عن العقد الوارد فيه الشرط.

ومثال ذلك ان ينص العقد على حق المتعاقد (أ) بفسخه اذا اخل المتعاقد الاخر(ب) باحد احكامه وذلك باشعار يوجهه (أ) لـ (ب). فيخل (ب) بالحكم المؤدي الى الفسخ، ويلجأ (أ) الى الفسخ فعلا. في هذا المثال، اذا تضمن العقد شرط تحكيم، فان العقد يعتبر مفسوخا، في حين يبقى شرط التحكيم قائما ومعمولا به لتسوية النزاع بين (أ) و (ب).

 والشيء ذاته يقال فيما لو انفسخ العقد بسبب القوة القاهرة، إذ يصيب الانفساخ كافة أحكام العقد باستثناء شرط التحكيم. ومثال آخر لو ابرم (أ) عقد بيع مع (ب) دون ان يتضمن العقد شرط تحكيم، وفي الوقت ذاته، يكون (أ) غير أهل لابرام هذا العقد لدرجة بطلانه. وفي وقت لاحق يتفق الفريقان على ان اي نزاع بشان ذلك العقد يحال الى التحكيم، وكان (أ) قد اصبح اهلا لابرام هذا الاتفاق الجديد. في هذه الحالة، يكون عقد البيع باطلا، في حين يكون اتفاق التحكيم صحيحا ويعمل به. ويطبق ذات الحكم فيما لو اتفق الطرفان على فسخ عقد صحيح ونافذ بينهما تضمن شرط تحكيم. ففي حين يفسخ العقد، يبقى شرط التحكيم قائما لتسوية اي نزاع بينهما نشأ عن ذلك العقد. وقد اخذت بهذا التوجه قوانين الدول العربية الحديثة الخاصة بالتحكيم مثل مصر وعمان والبحرين وفلسطين(17).

وأساس هذا الاتجاه ينطلق من واقع عملي وهو ان سبب شرط التحكيم وهدفه في ان واحد هو تسوية النزاع عن طريق التحكيم بدلا من اللجوء الى القضاء. والنزاع ستتم تسويته في جميع الأحوال. ولا يضير هذه التسوية ان تتم عن طريق التحكيم ما دام ان هيئة التحكيم ستفصل به وفقا للقانون الواجب التطبيق، والتي ستقضي، مثلها مثل القضاء الرسمي، ببطلان العقد مثلا، مع تطبيق الاثار القانونية المترتبة على ذلك، من تعويض او اعادة الحال الى ما كان عليه قبل العقد، او غير ذلك حسب الحال المعروضة والظروف المحيطة بها. ويطبق هذا المبدا حيث لا يلحق سبب البطلان او الفسخ شرط (الاتفاق) التحكيم ذاته. فعلى سبيل المثال، اذا اصاب البطلان اتفاق التحكيم ايضا، فان العقد برمته يكون باطلا بما في ذلك شرط التحكيم.

والعكس صحيح ايضا من حيث انه قد يقضى ببطلان شرط او اتفاق التحكيم في حين تبقى شروط العقد الاخرى قائمة. ومثال ذلك ان يكون (أ) مخولا بابرام العقد مع عدم تخويله احالة النزاع للتحكيم. في هذه الحالة، يكون شرط التحكيم غير قائم والشروط الاخرى قائمة. وكذلك قد يبرم اتفاق التحكيم بصورة مستقلة عن عقد التحكيم ويكون الاول صحيحا والثاني باطلا او يتم ابطاله او فسخه. ومثال هذه الحالة ان يبرم (أ) عقد بيع مع (ج). وفي وقت لاحق يبرمان اتفاقا مستقلا باحالة النزاع للتحكيم. ولكن عند ابرام العقد الثاني يكون (أ) أو (ب) غير اهل لابرامه في الوقت الذي كان فيه اهلا لابرام عقد البيع.

 

3-   صلاحية هيئة التحكيم في النظر باختصاصها

من القواعد السائدة في التحكيم الدولي ان الاختصاص منعقد لهيئة التحكيم فيما يتعلق بالدفع بعدم الاختصاص. بمعنى ان أحد فريقي الدعوى التحكيمية، (ولنقل المحتكم ضده) قد يثير الدفع بان هيئة التحكيم غير مختصة بنظر النزاع المعروض أمامها. ووفقا للفكر التقليدي، فانه لا يعقل ان تنظر الهيئة بهذا الدفع ما دام انه يتعلق بها مباشرة، وانما يعطى الاختصاص بذلك للقضاء ليفصل فيه. وفي هذه الحالة، يفترض ان تتوقف إجراءات التحكيم إلى حين البت بهذا الدفع من قبل المحكمة المختصة. ويترتب على ذلك عملا التأخر في الفصل في النزاع التحكيمي مما يفقد التحكيم أهم ميزاته وهي السرعة كقاعدة عامة مقارنة بالنزاعات القضائية. لذلك، كان الاتجاه الحديث إعطاء هيئة التحكيم ذاتها صلاحية الفصل في اختصاصها، وهو ما نص عليه القانون النموذجي، وقواعد اليونسترال ، وقواعد غرفة التجارة الدولية(19).

وجريا على هذا النهج، اخذ القانون المصري بالمبدأ ذاته بالنص على انه تفصل هيئة التحكيم في الدفوع المتعلقة بعدم اختصاصها، وهو ما اخذ به أيضا، على سبيل المثال، القانون العماني والقانون البحريني والقانون الفلسطيني، واتفاقية عمان للتحكيم التجاري ومركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، والمركز اليمني للتوفيق والتحكيم(20).

 

4-    التفسير الواسع لمصطلح "تجارة"

وتطبق قواعد التحكيم المشار اليها آنفا على النزاعات التجارية دون غيرها، ولكن دون قصد التمييز بين القواعد التجارية والقواعد المدنية بالمفهوم التقليدي الذي أخذت به القوانين التي تتبع النظام اللاتيني، مثل فرنسا وغالبية الدول العربية. وانما يقصد بمصطلح "التجارة" المعنى الواسع بحيث يشمل المنازعات المدنية(21). وقد اخذ بذلك صراحة القانون النموذجي عندما قال بأنه يتعين تفسير مصطلح "التجاري" تفسيرا واسعا بحيث يشمل المسائل الناشئة عن جميع العلاقات الطبيعية التجارية. وبعد ذلك، ذكر القانون أمثلة على مثل هذه العلاقات وهي أي معاملة تجارية لتوريد السلع أو الخدمات أو تبادلها؛ اتفاقات التوزيع؛ التمثيل التجاري أو الوكالة التجارية؛ إدارة الحقوق لدى الغير؛ التأجير الشرائي؛ تشييد المصانع؛ الخدمات الاستشارية؛ الأعمال الهندسية؛ إصدار التراخيص؛ الاستثمار؛ التمويل؛ الأعمال المصرفية؛ التامين؛ اتفاق أو امتياز الاستغلال؛ المشاريع المشتركة وغيرها من أشكال التعاون الصناعي أو التجاري؛ نقل البضائع أو الركاب جوا أو بحرا أو بالسكك الحديدية أو بالطرق البرية(22) .

 

ومثل هذا التفسير الواسع لمصطلح "التجارة" أو "التجاري" تبنته أيضا القواعد القانونية (الحديثة) المنظمة للتحكيم في الدول العربية مثل القانون المصري والعماني والبحريني(23)، وهو ما أشارت إليه صراحة ديباجة اتفاقية عمان(24).

 

5-  التفسير الواسع لمصطلح "الكتابة"

تشترط مختلف القوانين عموما في اتفاق التحكيم ان يكون مكتوبا. وحسب المفهوم التقليدي، فانه يقصد بالكتابة ان يفرغ الاتفاق كتابة على ورقة يوقعها أطراف النزاع، وإلا لا يكون الاتفاق مكتوبا. وحسب هذا الفهم فانه لا يعتد، مثلا، بالتلكس كوسيلة كتابية. إلا ان تطور التجارة الدولية وما رافقها من تطور في وسائل الاتصالات الحديثة، أدى إلى عدم قبول هذا الفهم لعدم تمشيه مع متطلبات التجارة الدولية. وأدى ذلك إلى التوسعة في مفهوم "الكتابة" بحيث تشمل تلك الوسائل الحديثة للاتصالات التي تتضمن سجلا (خطيا) للاتصال مثل التلكس والفاكس والبريد الإلكتروني، مما حدا باليونسترال ان تضع سنة 1996 قانونا نموذجيا للتجارة الإلكترونية ووسائل إثباتها(25).

وعلى ذلك يمكن القول ان مصطلح "الكتابة" يشمل، بالإضافة للكتابة التقليدية، تبادل الطرفين الرسائل أو البرقيات أو وسائل الاتصال الحديثة مثل التلكس والفاكس والمراسلة عن طريق الكمبيوتر (البريد الإلكتروني)، بحيث يتم الاتفاق بينهما على التحكيم من خلال هذه المراسلة. ومنها ان يحيل الطرفان في مراسلاتهما إلى عقد نموذجي يحتوي على شرط التحكيم، في حين ان المراسلات ذاتها لا تحتوي على مثل هذا الشرط. ومثال ذلك ان يرسل (أ) رسالة بالتلكس إلى (ب) يطلب منه بيعه كمية من الحبوب (بسعر ومواصفات معينة) وفقا للعقد النموذجي لجمعية تجار الحبوب في لندن، فيوافق (ب) على ذلك، ويكون العقد النموذجي متضمنا شرط التحكيم. 

بل ابعد من ذلك، ربما لا يكون هناك اتفاق تحكيم مسبق، أو حتى بعد نشوء النزاع، وانما يتم الاتفاق على التحكيم ضمنا من خلال تبادل اللوائح الخاصة بالنزاع. وعلى سبيل المثال، ان لا يتضمن عقد البيع بين (أ) و (ب) شرط تحكيم. فينشأ نزاع بينهما حول مواصفات البضاعة فيما إذا كانت مطابقة للعقد ام لا، ولا يتفقان بعد النزاع على الإحالة إلى التحكيم. ومع ذلك يرسل (أ) طلب تحكيم إلى مؤسسة التحكيم (ج) يطلب تسوية النزاع من خلالها. فترسل (ج) ادعاءات (أ) لـ (ب) وتطلب منه الرد خلال فترة معينة، فلا ينكر (ب) هذه الإحالة إلى التحكيم، ولا ينازع فيها أو يعترض على طلب التحكيم، وانما يرسل إجابته على الطلب موضوعيا دون تحفظ. وبعد ذلك تستمر إجراءات التحكيم ويمثل الطرفان أمام هيئة التحكيم. في هذا المثال يمكن القول بوجود اتفاق تحكيم كتابي بالمعنى الواسع لمصطلح "الكتابة".

وهذا يقودنا إلى القول ان اتفاق التحكيم أو الموافقة عليه ليس بالضرورة ان يكون في مواجهة طرفي التحكيم مع بعضهما مباشرة، بل يجوز ان تكون في مواجهة شخص ثالث غالبا مثل المؤسسة التحكيمية في التحكيم المؤسسي، او حتى هيئة التحكيم. ومثال الحالة الاخيرة ان يعرض (أ) نزاعه مع (ب) على (ج) باعتباره محكما ولا يكون هناك اتفاق تحكيم. فيعرض (ج) تسوية هذا النزاع عن طريقه كمحكم على (ب) فيوافق الأخير على هذا العرض. في هذا المثال نجد اتفاقين للتحكيم، بين (أ) و (ج) من جهة، وبين (ج) و (ب) من جهة أخرى في حين لم يكن هناك اتفاق مباشر على التحكيم ما بين (أ) و (ب).

ونرى ان يطبق هذا الفهم الواسع لمصطلح "الكتابة" على النصوص القانونية العربية التي توجب الكتابة في اتفاق التحكيم، مثل المادة (12) من قانون التحكيم المصري التي تنص على انه "يجب ان يكون اتفاق التحكيم مكتوبا والا كان باطلا. ويكون الاتفاق مكتوبا اذا تضمنه محرر وقعه الطرفان او اذا تضمنه ما تبادله الطرفان من رسائل وبرقيات او غيرها من وسائل الاتصال المكتوبة". ويوافق هذا النص في القانون المصري المادة 12 من القانون العماني، والمادة 7 من القانون البحريني المشار اليه، والمادة 5 من القانون الفلسطيني والمادة 10 من القانون الاردني.

 

6-   التحكيم المؤسسي

من الظواهر الواضحة في التحكيم التجاري حاليا النص صراحة في القواعد القانونية الحديثة على قبول التحكيم المؤسسي صراحة، بحيث لا يكون هناك مجال للاجتهاد بشان هذه المسالة. وتبدو أهمية هذا الأمر ان بعض النصوص القانونية التقليدية كانت ترفض التحكيم المؤسسي بطريق غير مباشر، بالنص على انه يجب ذكر اسم المحكمين صراحة في اتفاق التحكيم(26). وفي التحكيم المؤسسي، وخاصة عندما يستند التحكيم الى شرط تحكيم، فانه يصعب، ان لم يكن يستحيل في غالبية الحالات، تعيين المحكمين في شرط التحكيم لانه يتعلق بنزاع مستقبلي محتمل وليس اكيدا من جهة، بالإضافة إلى ان مؤسسة التحكيم هي التي تتولى في كثير من الاحيان تعيين المحكمين او بعضهم استنادا لقواعد بعض مؤسسات التحكيم من جهة أخرى. وبالتالي، يتعذر على الأطراف والمؤسسة معرفة المحكمين وتعيينهم مسبقا ما دام النزاع لم يقع بعد، مما يعني بطلان الاتفاق على التحكيم.

 

الا ان القواعد الحديثة المنظمة للتحكيم في الدول العربية لم تاخذ بهذا الراي التقليدي، حيث يتبين منها صراحة جواز التحكيم المؤسسي وبالتالي عدم وجوب ذكر اسم المحكمين في اتفاق التحكيم، ومثال ذلك القانون المصري، والبحريني المشار اليه والعماني والفلسطيني(27).

 

7-   التحكيم في العلاقات غير التعاقدية

تجيز القواعد الحديثة للتحكيم في الدول العربية إحالة النزاعات الناشئة عن غير العقد للتحكيم شريطة ان تستند بعد وقوعها الى اتفاق ينص على التحكيم فيها، مثل الفعل الضار (العمل غير المشروع) او الفعل النافع (إثراء بلا سبب) أو الارادة المنفردة (التصرف الانفرادي) أو القانون(28). ولكن في كل هذه الأحوال، يجب الاتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم، ويتم ذلك في غير احوال العقد بعد نشوب النزاع، ولا يتصور غير ذلك عملا. 

ومثال النزاع الناجم عن فعل ضار (عمل غير مشروع)،ارتطام سفينة مملوكة للشركة (أ) بسفينة أخرى مملوكة للشركة (ب) في عرض البحر، أو ارتطام طائرتين في مطار إحدى الدول. ومثال الفعل النافع ان يدفع (أ) لـ (ب) مبلغا من المال معتقدا انه واجب في ذمته في حين لا يكون الأمر كذلك. أو يقوم (أ) بعمل نافع لـ (ب) من قبيل الفضالة. ومثال الإرادة المنفردة ان تعلن إحدى الشركات (أ) عن جائزة لمن يجد لوحة فنية مفقودة فيجدها (ب). ومثال القانون، ان يفرض نص قانوني احتكار سلعة أو خدمة معينة لصالح (أ)، فيقوم (ب) بالترويج لسلعة أو خدمة ما على أساس ان الاحتكار لا يشملها. في هذه الأمثلة لا يتصور، كما ذكرنا، اتفاق الأطراف مسبقا على إحالة نزاعهما إلى التحكيم، وانما يتصور فقط بعد نشوب النزاع. فإذا نشأ النزاع فعلا، يجوز لـ (أ) و (ب) ان يتفقا على إحالة النزاع للتحكيم بدلا من اللجوء إلى القضاء.

 

8-   قرار التحكيم والطعن فيه

ومن الاتجاهات القانونية التي أخذت بها قوانين الدول العربية نهائية قرار التحكيم، بحيث لا يطعن به أمام أي جهة أخرى بوسائل الطعن القضائية المعروفة من استئناف او نقض أو إعادة محاكمة. وبالمقابل، تنص هذه القوانين على وسيلة جديدة للطعن بقرار التحكيم، وهي دعوى بطلان القرار أمام المحكمة المختصة في حالات محددة حصرا وخلال مدة معينة. فإذا انقضت مدة الطعن دون طعن، او قام الفريق الذي خسر الدعوى التحكيمية بالطعن بالقرار امام القضاء الا انه خسر الطعن لعدم توفر احدى حالات البطلان، اصبح القرار قطعيا. وفي هذه الحالة تأمر المحكمة بتنفيذه بناء على طلب صاحب المصلحة (المدعي او المدعى عليه في الدعوى التحكيمية)، ولا يجوز عدم الامر بالتنفيذ الا في حالات محددة حصرا(29). ومن امثلة القوانين العربية التي تنص على نهائية حكم التحكيم على النحو المشار اليه مصر وعمان والبحرين وفلسطين(30).

 

المسالة الثالثة: توجه الدول العربية

نظرا لأهمية التحكيم في المجال الدولي التي تزداد يوما بعد يوم، فقد اهتمت به دول عربية كثيرة في مجالات مختلفة، سواء من حيث إبرام اتفاقيات دولية إقليمية، أو الانضمام لاتفاقيات قائمة، أو من حيث وضع تشاريع وطنية تتلاءم مع القواعد الدولية للتحكيم ومع متطلبات التجارة الدولية، أو من حيث إنشاء مراكز وهيئات تحكيم عربية، أو من حيث عقد مؤتمرات وندوات حول التحكيم.

 

أولا: الاتفاقيات

فمن حيث الاتفاقيات الدولية (العالمية)، انضمت احد عشر دولة عربية لاتفاقية نيوورك لسنة 1958 بشان تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية(31). ومن حيث الاتفاقيات الدولية الإقليمية، هناك العديد من الاتفاقيات ما بين الدول العربية، يمكن تقسيمها إلى   مجموعتين(32):

الأولى: الاتفاقيات المتضمنة تسوية المنازعات عن طريق التحكيم، وأبرزها ما يلي:

 

أ-    اتفاقية المؤسسة العربية لضمان الاستثمار لسنة (1970)، وتتضمن ملحقا لتسوية المنازعات الناشئة بين الأعضاء في الاتفاقية من جهة، وبين المؤسسة المنشأة بموجب الاتفاقية من جهة أخرى، بشان أي استثمار مؤمن عليه طبقا للاتفاقية، وذلك عن طريق المفاوضات أو التوفيق أو التحكيم حسب الأحوال (المادة 1 من الملحق).

ب-   اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول المضيفة للاستثمارات العربية وبين مواطني الدول العربية الأخرى لسنة (1974)، وهي خاصة بتسوية المنازعات الناشئة مباشرة عن أحد الاستثمارات بين الدول العربية المضيفة أو إحدى هيئاتها أو مؤسساتها العامة، وبين مواطني الدول العربية الأخرى وذلك عن طريق التوفيق والتحكيم (المادة 2).

ج-   الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية لسنة (1980)، وتتضمن ملحقا لتسوية النزاعات عن طريق التوفيق والتحكيم.

د-    اتفاقية عمان العربية للتحكيم التجاري لسنة (1987)، وهي أهم الاتفاقيات العربية في مجال التحكيم التجاري، إذ انها الاتفاقية الوحيدة التي نظمت هذا التحكيم بالنسبة لمختلف المنازعات التجارية في إطار مؤسسي         (institutional) متكامل، بدءا من تشكيل مركز عربي موحد لتسوية المنازعات عن طريق التحكيم، مرورا بإجراءات التحكيم، وانتهاء بصدور قرار التحكيم وتصحيحه والطعن فيه، بل وتنفيذه أيضا.

 

الثانية: الاتفاقيات المتضمنة تنفيذ قرارات التحكيم وأبرزها اتفاقيتان:

أ-    اتفاقية تنفيذ الأحكام لسنة (1952)، وهي خاصة بتنفيذ الأحكام الصادرة في دولة عربية لدى دولة عربية أخرى، سواء كانت أحكاما قضائية أو تحكيمية. ب-   اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لسنة (1983)، وتشتمل على أحكام تتعلق بتنفيذ قرارات التحكيم الصادرة في إحدى الدول المتعاقدة لدى الدول الأخرى.

 

ثانيا: القوانين الوطنية

وبالنسبة للقوانين الوطنية، فقد تبنت العديد من الدول العربية قوانين حديثة تتعلق بالتحكيم التجاري ومن ضمنه التحكيم الدولي. ففي لبنان، اصدر المشرع اللبناني قانون أصول المحاكمات المدنية بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 90/1983 الذي تضمن أحكاما خاصة في التحكيم التجاري الدولي (المواد 809 - 821). وفي تونس، صدر القانون رقم 42/1993 الذي تضمن الباب الثالث منه الأحكام الخاصة بالتحكيم الدولي   (47 - 49). وكثير من أحكام هذا القانون مستمدة على وجه العموم من القانون النموذجي، وهذا هو الحال بالنسبة للقانون المصري رقم 27/1994، والمرسوم السلطاني العماني رقم 47/1997. وفي البحرين صدر المرسوم بقانون رقم 9/1993 الذي أنشا مركزا مستقلا للتحكيم التجاري الدولي، ونص على تطبيق قواعد اليونسترال لسنة 1976 الخاصة بتحكيم الـ ad hoc . كما صدر في البحرين المرسوم بقانون رقم 9/1994 بشأن التحكيم التجاري الدولي، حيث تبنى المشرع البحريني القانون النموذجي لليونسترال. (وسنشير لهذا القانون فيما بعد بالقانون البحريني). وفي اليمن صدر قانون التحكيم بموجب القرار الجمهوري بالقانون رقم 22 لسنة 1992، وهناك مشروع قانون تحكيم يجري اعداده في اليمن حاليا. وفي فلسطين صدر قانون التحكيم رقم 3 لسنة 2000. وفي الأردن صدر قانون التحكيم رقم 31 لسنة (2001) والذي حل محل قانون التحكيم رقم 18 لسنة 1953. والقانون الاردني الجديد مستمد بصورة كبيرة من القانون المصري والقانون النموذجي. وفي دولة الامارات هناك حاليا مشروع قانون تحكيم جديد اعتمد بالدرجة الاساسية على القانونين المصري والنموذجي.

 

ثالثا: مراكز وهيئات التحكيم

وبالنسبة لمراكز وهيئات التحكيم، فقد تم إنشاء العديد منها في الدول العربية، ومن ذلك ما يلي:

1-       مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي التابع للجنة الاستشارية القانونية الافرو اسيوية، والذي يعود إنشاؤه لسنة 1978. ويطبق المركز قواعد اليونسترال بوجه عام.

2-       الهيئة العربية الأوروبية للتحكيم التجاري التابعة لغرف التجارة العربية الأوروبية. وتم وضع قواعد التحكيم الخاصة بالهيئة سنة 1982، واصبحت نافذة اعتبارا من 10/1/1983. وفي الآونة الأخيرة تم تعديل واعداد قواعد أخرى بديلة عنها.

3-       مركز البحرين للتحكيم التجاري الدولي الذي انشأ سنة 1993 بموجب المرسوم بقانون رقم 9 لسنة 1993.

4-       مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي العربية الذي انشأ في كانون اول سنة 1993، وله نظام خاص به، ولائحة لإجراءات التحكيم.

5-       غرفة تجارة وصناعة دبي، وصدر بشأنها نظام التوفيق والتحكيم رقم 2 لسنة 1994.

6-       غرفة تجارة وصناعة ابو ظبي، وصدر بشأن التحكيم لديها نظام المصالحة والتحكيم التجاري لسنة 1994.

7-       الجمعية اللبنانية للتحكيم التي أنشأت سنة 1995 ولها نظام تحكيمي خاص بها.

8-       المركز اليمني للتوفيق والتحكيم المنشأ سنة 1997، وله قواعد تحكيمية خاصة به.

هذا يلاحظ ان أنظمة المراكز والهيئات المبينة أعلاه، تسير على نسق واحد بالنسبة للمسائل الرئيسية في التحكيم على غرار قواعد التحكيم الدولية الأخرى. فهي جميعا تتضمن أحكاما تغطي المسائل المشتركة التالية:

 

-     شرط تحكيم نموذجي للإحالة إلى التحكيم وفق قواعد المركز أو الهيئة.

-     طلب التحكيم والرد عليه، وما يجب ان يتضمنه كل منهما وما يرفق به من مستندات.

-     تشكيل هيئة التحكيم.

-     رد المحكمين.

-     بعض القواعد الإجرائية الخاصة بالتحكيم.

-     قرار التحكيم.

-     مصاريف التحكيم.

 

رابعا: المؤتمرات والندوات

وبالنسبة للمؤتمرات والندوات الخاصة بالتحكيم التجاري الدولي، فقد عقد العديد منها في الدول العربية. ومن ذلك مثلا مؤتمر تونس لسنة 1985، ومؤتمر عمان (الأردن) لسنة 1989 اللذين عقدا بدعوة من غرف التجارة العربية الأوروبية للتحكيم. ومنها مؤتمر القاهرة لسنة 1994 الذي عقد بدعوة من مركز القاهرة. وتم كذلك عقد مؤتمرين في بيروت سنة 1996 وسنة 1997، وعقد الأول بدعوة من الجمعية اللبنانية للتحكيم والهيئة العربية للتحكيم، والثاني بدعوة من مركز القاهرة والجمعية اللبنانية. ولا يكاد يخلو عام الا ويكون هناك مؤتمر عام او ندوة او دورة تدريبية او اكثر في الدول العربية بشان التحكيم.

 

 ونظرا لأهمية ودور مراكز التحكيم العربية، فقد دعت جامعة الدول العربية هذه المراكز لمؤتمر عام لبحث إمكانية التنسيق والتعاون فيما بينها، ومدى وإطار ذلك. وعقد المؤتمر في القاهرة خلال الفترة 23 - 25/11/1997، وانبثق عنه الاتفاق على إنشاء أمانة عامة لمراكز التحكيم العربية مقرها في القاهرة، وقامت الأمانة العامة بتعيين أربع أمناء عامين مساعدين يغطون مختلف المناطق العربية وهي دول الخليج العربية، والمشرق العربي، والمغرب العربي، بالإضافة لامين عام مساعد لشؤون الأمانة العامة، وأمين عام مساعد للنشاط التحكيمي في الدول الأوروبية. وتقرر في هذا المؤتمر ان يعقد مؤتمر دوري لمراكز التحكيم العربية مرة كل سنتين. وفي هذا الإطار، فقد تم تأسيس "الاتحاد العربي للتحكيم الدولي" بموجب نظام خاص تم توقيعه من قبل مؤسسي الاتحاد، علما بان مقر الاتحاد في القاهرة، مع جواز إنشاء فروع له في الدول العربية (المادة 2 من نظام الاتحاد).

المحـــــــــــامي

حمـــزه حــــداد



 

(17)     انظر حمزه حداد: اتفاق التحكيم في التحكيم التجاري الدولي، ورقة عمل مقدمة لندوة التحكيم التجاري الدولي المنظمة من قبل مركز القاهرة والمعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص، القاهرة، 28/1/2000، ص 13 

(18)   المادة 23 مصري وعماني، والمادة 22 اردني؛ والمادة 16/1 من القانون المرفق بالمرسوم بقانون رقم 9/1994 في البحرين؛ والمادة 5/4 فلسطيني. ومصدر هذه النصوص المادة 16/1 من القانون النموذجي 

(19)     المادة 16/نموذجي؛ والمادة 21 من قواعد اليونسترال؛ والمادة 8 من قواعد غرفة التجارة الدولية.

 

(20)     المادة 22/مصري، وعماني؛ والمادة 16/بحريني المشار اليه، والمادة 16/فلسطيني، والمادة 21 اردني.

(21)     انظر تفصيلا حمزه حداد، الاتفاقيات العربية، مشار اليه سابقا، ص 13.

 

(22)     المادة 1/1 قانون نموذجي، الهامش.

(23)     المادة 2 مصري وعماني؛ والمادة 1/5 بحريني المشار اليه سابقا

(24)  حمزه حداد، المرجع السابق، ص 14.

(25)  UNCITRAL Model Law on Electronic Commerce with Guide to Enactment, UN Publications, New York, 1999.

(26)     ومثال ذلك المادة 174 من قانون المرافعات المصري قبل الغائها بقانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994، وتنص على ان تعيين المحكمين واجب سواء تم ذلك في "الاتفاق على التحكيم او في اتفاق مستقل..."، وعدم التعيين على هذا النحو يؤدي الى بطلان الاتفاق (احمد ابو الوفا، التحكيم في القوانين العربية، الطبعة الاولى، دار منشأت المعارف، الاسكندرية، ص 27، فقرة 15).

 

(27)     المادة 4/1 مصري وعماني؛ والمادة 2/أ بحريني؛ والمادة 10/فلسطيني

 

(28)     ومثال ذلك قوانين مصر وعمان (المادتان 2 و 10/1)؛ والبحرين (المادة 7/1 من القانون المشار اليه)؛ وفلسطين (المادة 5/1) 

(29)     وهذه الحالات حسب المادة 58 القانونين المصري والعماني هي:  1- اذا كان حكم التحكيم يتعارض مع حكم قضائي سبق صدروه عن المحاكم المصرية او العمانية (حسب الاحوال). 2- اذا كان يخالف النظام العام. 3- اذا لم يتم اعلانه للمحكوم عليه اعلانا صحيحا 

(30)     المادة 52/1 مصري وعماني؛ والمادة 34/بحريني المشار اليه؛ والمادة 43/فلسطيني 

 

(31)     وذلك حتى نهاية سنة 2000 وهي المغرب ومصر وسوريا وتونس والكويت والاردن والبحرين والجزائر والسعودية ولبنان وعمان (انظر www.uncitral.org).

(32)     انظر حمزه حداد: الاتفاقيات العربية للتحكيم التجاري، مركز القانون والتحكيم، عمان، 1989، ص 1.

 


Previous Page

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001