Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

 

التوجهات الحديثة في التحكيم التجاري الدولي 

ورقة عمل مقدمة لندوة التحكيم المدني والتجاري في اطار  

القانون الوضعي والشريعة الإسلامية والاتفاقيات الدولية

(26 - 27 كانون اول /2001)

قطر

 

المحامي: حمزه حداد

مركز القانون والتحكيم

عمان - الاردن

ت: 333 5672

فاكس: 555 5672

 

 

المسألة الأولى: التحكيم بوجه عام

أولا:     مفهوم التحكيم

يقوم التحكيم على اتفاق ما بين فريقين أو اكثر على تسوية منازعاتهم بالإحالة إلى التحكيم. ومثال ذلك ان يتفق (أ) و (ب) في عقد البيع بينهما، أو يتفق (أ) و (ب) و (ج) في عقد الشركة بينهم على إحالة أي نزاع ناجم عن العقد إلى التحكيم. في هذه الحالة، إذا نشأ النزاع فعلا، فيتوجب على الطرف المعني (أ مثلا) ان يلجأ للتحكيم لتسوية هذا النزاع وليس إلى المحاكم النظامية. وعلى فرض ان (أ) تقدم بدعوى أمام المحكمة، فيتوجب على المحكمة أن تحيل الأطراف للتحكيم إذا توفرت شروط ذلك.

 

فالتحكيم إذا عبارة عن اتفاق، أي عقد يجب ان يتوفر فيه ما يتوفر في أي عقد من أركان وشروط، من إيجاب وقبول وأهلية ومحل وسبب وفقا للقواعد العامة في العقود. والأصل ان كل نزاع يجوز إحالته للقضاء، يجوز إحالته للتحكيم بدلا من القضاء. ويطبق هذا بوجه عام على المنازعات الناجمة عن أي عقد مالي، سواء اعتبر العقد مدنيا أو تجاريا أو إداريا(1)، في الدول التي تأخذ بالتفرقة بين العقود التجارية والمدنية الإدارية، مثل عقود البيع والشركة والإجارة والوكالة والتأمين والكفالة والنقل والرهن والقرض والعقود المصرفية والامتياز والمقاولة.

 

وكما يجوز الاتفاق على التحكيم في العقود النهائية، يجوز ذلك في الوعد بالعقد باعتباره عقدا. بل ابعد من ذلك، ليس بالضرورة ان تكون العلاقة المالية ناجمة عن عقد، بل ربما تكون ناشئة عن أي مصدر آخر من مصادر الالتزام المختلفة من فعل ضار (عمل غير مشروع) أو فعل نافع (إثراء بلا سبب) أو إرادة منفردة (التصرف الانفرادي) أو القانون(2). ولكن في كل هذه الأحوال، يجب الاتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم، ويتم ذلك بعد نشوء سبب الالتزام، ولا يتصور غير ذلك عملا.

 

ومثال النزاع الناجم عن فعل ضار (عمل غير مشروع)،ارتطام سفينة مملوكة للشركة (أ) بسفينة أخرى مملوكة للشركة (ب) في عرض البحر، أو ارتطام طائرتيهما في مطار إحدى الدول. ومثال الفعل النافع ان يدفع (أ) لـ (ب) مبلغا من المال معتقدا انه واجب في ذمته في حين لا يكون الأمر كذلك. أو يقوم (أ) بعمل نافع لـ (ب) من قبيل الفضالة. ومثال الإرادة المنفردة ان تعلن إحدى الشركات (أ) عن جائزة لمن يجد لوحة فنية مفقودة فيجدها (ب). ومثال القانون، ان يفرض نص قانوني احتكار سلعة أو خدمة معينة لصالح (أ)، فيقوم (ب) بالترويج لسلعة أو خدمة ما على أساس ان الاحتكار لا يشملها. في هذه الأمثلة لا يتصور، كما ذكرنا، اتفاق الأطراف مسبقا على إحالة نزاعهما إلى التحكيم، أي قبل نشوء سبب الالتزام، وانما يتصور بعد ذلك. فإذا نشأ النزاع فعلا، يجوز لـ (أ) و (ب) ان يتفقا على إحالة النزاع للتحكيم بدلا من اللجوء إلى القضاء.

ثانيا:   تقسيم التحكيم

1-       تحكيم وطني وأجنبي ودولي

 

ومن جهة ثالثة، ينقسم التحكيم إلى تحكيم وطني وآخر أجنبي وثالث دولي. ويصعب وضع خطوط فاصلة بشكل واضح ما بين هذه الأنواع. وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة لغايات ورقة العمل هذه، يمكن ان نشير إلى بعض المعايير التي تبنتها قواعد قانونية دولية، أو حتى وطنية، بشان التحكيم الأجنبي والدولي حيث المبدأ تحكيميا وطنيا.

 

فبالنسبة للتحكيم الأجنبي، هناك اتفاقية نيويورك لسنة 1958 بشأن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية foreign awards، التي أوجبت على الدول المنضمة لها ان تنفذ على أراضيها، كمبدأ عام، قرارات التحكيم الصادرة في دولة أخرى. فالمعيار هنا شكلي بحت، بمعنى انه حيث يصدر قرار التحكيم في دولة (أ مثلا)، لينفذ في الدولة (ب مثلا)، فانه يعتبر أجنبيا بالنسبة للأخيرة. ولكن أضافت الاتفاقية بوجوب تطبيق أحكامها على التحكيم الذي لا يعتبر محليا لدى الدولة المطلوب تنفيذ ذلك القرار فيها (المادة 1/1). ومثال ذلك ان يحيل العقد في تسوية النزاعات إلى مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري، ويتم التحكيم وفق قواعد المركز في القاهرة ويصدر القرار فيها. في هذا المثال، لا يكون التحكيم محليا بالنسبة للقانون المصري، وانما يكون دوليا فتطبق عليه اتفاقية نيويورك بالرغم من ان قرار التحكيم صدر في مصر (المادة 3/ثانيا من القانون رقم  27/1994).

 

وبالنسبة للتحكيم الدولي، نص القانون النموذجي لليونسترال على ان التحكيم يكون دوليا في احدى الحالات التالية (المادة 1/3):

1-       إذا كان مقرا عمل طرفي اتفاق التحكيم وقت عقد ذلك الاتفاق واقعين في دولتين مختلفتين.

2-       إذا كان أحد الأماكن التالية واقعا خارج الدولة التي يقع فيها مقر عمل الطرفين:

 

أ:     مكان التحكيم إذا كان محددا في اتفاق التحكيم، أو

ب:   أي مكان ينفذ فيه جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة التجارية، او المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق الصلة به.

3-       إذا اتفق الطرفان صراحة على ان موضوع اتفاق التحكيم متعلق بأكثر من دولة واحدة.

 

ومن ناحية أخرى، قد يكون للشخص اكثر من مقر عمل، أو لا يكون له أي مقر عمل على الإطلاق. وفي الحالة الأولى نص القانون النموذجي على ان العبرة عندئذ لمقر العمل الأكثر صلة باتفاق التحكيم، ونص في الحالة الثانية على ان العبرة في وضع كهذا لمحل الإقامة المعتاد لذلك الشخص (المادة 1/4).

 

وأضاف القانون المصري ومن بعده العماني، للحالات أعلاه، الحالة التي يتفق فيها طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة تحكيم دائمة أو مركز تحكيم داخل مصر (أو عمان) أو خارجها(3).

 

ومما تعنيه المعايير أعلاه بالنسبة للتحكيم الأجنبي والدولي، ان التحكيم قد يجمع الأمرين معا، وقد يكون أحدهما دون الآخر. فمثلا التحكيم بين شركتين مقر أعمالهما في دمشق والقاهرة على التوالي، والذي يتم في سوريا ويصدر قرار التحكيم فيها، هو تحكيم أجنبي بالنسبة لمصر عند تطبيق اتفاقية نيويورك، وهو تحكيم دولي بتطبيق القانون النموذجي او المصري. ولو عقد التحكيم ذاته وصدر القرار في مصر، فانه يعتبر تحكيميا دوليا وليس محليا بمفهوم القانون المصري، ويخضع لاتفاقية نيويورك بالنسبة لتنفيذ القرار في مصر. ولو كان التحكيم بين شركتين مقار أعمالهما في سوريا حول عقد خاص بسوريا من جميع جوانبه، وصدر القرار في سوريا، فانه لا يعتبر تحكيميا دوليا بمفهوم القانون المصري، وان اعتبر أجنبيا يخضع لاتفاقية نيويورك بالنسبة لتنفيذه في مصر، بخلاف تنفيذه في سوريا حيث يعتبر محليا وليس أجنبيا أو دوليا.

 

ومن الجوانب المهمة التي تبرز في التفرقة بين هذه الأنواع من التحكيم، هو خضوع أو عدم خضوع تنفيذ قرار التحكيم لاتفاقية نيويورك بالنسبة للتحكيم الأجنبي كما هو مبين فيما سبق. وكذلك فان القانون النموذجي لا يطبق على التحكيم الداخلي (أو الوطني) بالنسبة للدول التي تطبقه على التحكيم التجاري الدولي فقط، مثل البحرين في المرسوم بقانون رقم 9 لسنة 1994(4).

 

2-       التحكيم الحر والمؤسسي(5)

 

ومن جهة أخرى، ينقسم التحكيم إلى تحكيم طليق أو حر وتحكيم مؤسسي. وأساس هذه التفرقة هو اتفاق التحكيم ذاته. فحيث يشير الاتفاق إلى تسوية النزاع تحكيما عن طريق مؤسسة تحكيمية، نكون أمام تحكيم مؤسسي وإلا كان التحكيم حرا. فمعيار التفرقة اذن شكلي من حيث وجود مثل تلك الإشارة أو عدم وجودها في اتفاق التحكيم. ومثال ذلك، ان يتفق الطرفان على إحالة النزاع أمام مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري، أو مركز البحرين، أو مركز دول الخليج العربية، أو غرفة التجارة الدولية. وتجدر الإشارة هنا إلى ان كل مركز من هذه المراكز أو غيرها المنتشرة بشكل واسع في العالم، يكون له قواعده التحكيمية الخاصة به، وهي عموما تتعلق بتشكيل هيئة التحكيم ورد المحكمين وبعض القواعد الخاصة بإجراءات التحكيم ونفقاته. فحيث يحيل الأطراف لقواعد هذا المركز أو ذاك، يكونوا قد ارتضوا بإرادتهم الخضوع لتلك القواعد، وكأنها أصبحت جزءا من اتفاقهم، بل هي تعتبر كذلك من الناحية القانونية. اما حيث يكتفي الأطراف بالإحالة إلى التحكيم فحسب، يكون التحكيم حرا وليس مؤسسيا، وعندئذ يتم تشكيل هيئة التحكيم وإعداد إجراءاته اما بالاتفاق، وهذا هو الأصل، أو وفقا للقانون (الوطني) الواجب التطبيق على هذه الأمور. ويجوز للطرفين في أي وقت العدول عن التحكيم الحر واللجوء إلى التحكيم المؤسسي بدلا منه أو العكس.

 

ومن ابرز قواعد التحكيم الحر في الوقت الحاضر في المجال الدولي، القواعد التي وضعتها لجنة قانون التجارة الدولية (UNCITRAL)( 6). فبدلا من قيام الأطراف أو هيئة التحكيم بإعداد قواعد إجرائية لاتباعها في التحكيم الحر، سهلت اللجنة المهمة عليهم بان وضعت تلك القواعد لاتباعها اذا رغب الأطراف بذلك. وقد انتشرت هذه القواعد انتشارا واسعا في إطار التحكيم الدولي، حتى ان بعض مؤسسات التحكيم تبنتها واعتبرتها هي القواعد المطبقة لديها في حال احالة الاطراف للتحكيم وفق قواعد تلك المؤسسة(7). بل ان بعض الدول تبنتها في تشريعاتها الداخلية للتحكيم المؤسسي لديها(8).

 

وفي التحكيم المؤسسي، تختص المؤسسة المحال لها التحكيم بنظر النزاع دون غيرها. فلو تقدم أحد الطرفين بطلب تحكيم أمام مؤسسة أخرى، فانه يجوز للطرف الآخر ان يرد على ذلك الطلب بعدم الاختصاص، او حتى لا يرد مطلقا. ومن الناحية العملية، فان تلك المؤسسة الأخرى تغلق ملف التحكيم، بل يجب عليها ذلك. فلو فرضنا انها استمرت بالتحكيم بالرغم من ذلك، فان النتيجة العملية لذلك هو عدم قابلية القرار الصادر للتنفيذ خاصة إذا لم يحضر الطرف الآخر التحكيم.

 

وإذا كان التحكيم مؤسسيا، يجب على الجهة المعنية، سواء كانت مؤسسة التحكيم ذاتها أو هيئة التحكيم، التقيد بقواعد التحكيم المطبقة لدى المؤسسة، باعتبارها أصبحت

 

جزء من اتفاقهم، وإلا جاز لأطراف النزاع الطعن بأي مخالفة بهذا الخصوص(9) . وعلى سبيل المثال، تنص القواعد التحكيمية المطبقة لدى مركز القاهرة، وهي قواعد اليونسترال، على إحالة النزاع إلى ثلاثة محكمين في حالة عدم الاتفاق على محكم واحد. وفي حال تعيين ثلاثة محكمين، يعطى كل طرف من أطراف النزاع الفرصة لتسمية محكمه، كما يعطيان الفرصة للاتفاق على تسمية المحكم الثالث كرئيس لهيئة التحكيم. فلو اتفق الطرفان على تسوية نزاعهم وفق قواعد مركز القاهرة، فانه يجب على المركز التقيد بتلك الأحكام، وإلا جاز للطرف صاحب المصلحة الطعن بقرار المركز المخالف لذلك. ومن وسائل هذا الطعن الاعتراض لدى المركز ذاته الذي يفترض فيه ان يعالج المخالفة، او حتى الطعن بقرار التحكيم الذي صدر من هيئة مشكلة تشكيلا مخالفا للاتفاق، وهو ما يقضي به القانون النموذجي وقوانين بعض الدول العربية مثل القانونين المصري والعماني والاردني(10).

 

وربما يكون من المفيد ان نذكر هنا ان كل مؤسسة تحكيمية، عموما، تنص على شرط تحكيم تنصح الأطراف بالأخذ به إذا رغبت بالإحالة لذلك المركز. وعلى الأغلب، يكون مثل هذا الشرط جامعا لأي منازعة تتعلق بالعقد أو بأي بند من بنوده أو تفسيره بما في ذلك إنهاؤه او أي مطالبة ناشئة عنه. ومثل هذا الشرط النموذجي، يوضع لاسترشاد الأطراف به، ولكن ليس بالضرورة الأخذ به، إذ يمكن النص على أي شرط تحكيم بالتفصيل الذي يراه الأطراف مناسبا، ولكن مع الإشارة إلى تطبيق قواعد ذلك المركز.

 

ثالثا:  ايجابيات التحكيم

 

1-      بساطة الإجراءات

ويمتاز التحكيم ببساطة الإجراءات حيث نجد ان هيئة التحكيم تتمتع بحرية أوسع واكثر من القضاء الوطني في كل ما يتعلق بإجراءات التقاضي، مثل التبليغات وادارة الجلسات وتنظيمها، وتقديم البينات، والاتصال بأطراف النزاع وغير ذلك. وهي في كل هذه الأمور وغيرها تبتعد، ما أمكن، عن الإجراءات الشكلية التي تكون في كثير من الأحيان، أمام القضاء، طويلة ومملة، ولا فائدة منها سوى التقيد بحرفية النصوص القانونية الخاصة بالإجراءات، وذلك على حساب موضوع وجوهر النزاع. والنتيجة الطبيعية لذلك، ان يصدر قرار التحكيم خلال وقت اقصر بشكل ملموس فيما لو عرض النزاع ذاته على القضاء.

 

2-      اختيار هيئة التحكيم

كما تعتبر طريقة اختيار هيئة التحكيم، ودور أطراف النزاع في ذلك من مميزات التحكيم. فالأطراف أو ممثلوهم تكون لهم الفرصة الأولى والأكبر في اختيار المحكمين سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. فإذا كانت هيئة التحكيم مكونة من اكثر من محكم، وهم عادة ثلاثة محكمين، يتولى طالب التحكيم (المدعي) تعيين محكمه أو ترشيح هذا المحكم للتعيين، في حين يقوم بالشيء ذاته المطلوب التحكيم ضده (المدعى عليه)، بالنسبة للمحكم الثاني. أما المحكم الثالث الذي يتولى رئاسة هيئة التحكيم، فإما ان تعطى الفرصة لتعيينه لطرفي النزاع، أو للمحكمين اللذين اختارهما الطرفان عنهما وذلك حسب قواعد التحكيم المطبقة على النزاع(11). مثل هذا الأمر يعطي الأطراف نوعا من الأمان والراحة النفسية، حيث يساهم الشخص في اختيار قاضيه الذي سينظر النزاع، بل يساهم ولو بطريقة غير مباشرة في اختيار المحكم الثالث. وهذا بخلاف اللجوء للقضاء الوطني، حيث نجد المحكمة مكونة من قضاة رسميين في الدولة، لا دور للأطراف في تعيينهم أو تعيين أي منهم، وفي كثير من الأحيان، يكون الأطراف أو بعضهم غرباء عن ذلك النظام القضائي الوطني. وفي هذا المجال أيضا، فان بعض المحكمين، ان لم يكن كلهم، انما يتم اختيارهم من ذوي الاختصاص والكفاءة بالنسبة للعقد موضوع النزاع، خاصة فيما يسمى بالتحكيم المؤسسي الذي أشرنا إليه فيما مضى.

 

3-      سرية الإجراءات

والأصل في إجراءات التحكيم انها سرية إلا على أطراف النزاع وممثليهم، بحيث يمكن القول ان مثل هذه السرية تعتبر من الأعراف التحكيمية التي يجب مراعاتها سواء في التحكيم الدولي أو الداخلي، حتى لو سكتت القواعد القانونية النافذة (التشريع الوطني مثلا) عن النص على ذلك. وهذا بخلاف إجراءات التقاضي التي تكون، كمبدأ عام، علنية بحيث يستطيع أي شخص حضور هذه الجلسات. وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين:

 

الأول:   ان التجار  عموما يفضلون، في بعض الأحيان، سرية الإجراءات على علنيتها وذلك حفاظا، ما أمكن، على سرية الصفقات التجارية التي يبرمونها وتفصيلاتها المختلفة، وأسماء الأشخاص الذين يتعاملون معهم. بل ان بعض هذه الصفقات قد تتطلب السرية التامة بحكم طبيعتها، أو بحكم انتماء أحد الأشخاص لجنسية دولة تحظر دخوله في هكذا صفقات. فإذا نشب نزاع بين طرفي العقد، فانهما يفضلان تسويته بالطرق الودية أو، بأحسن الظروف، عن طريق التحكيم.

 

الثاني:  ان السرية في كثير من الأحيان ما تنقلب إلى علنية، وخاصة عند تنفيذ قرار التحكيم. فالنتيجة الطبيعية لكل دعوى، سواء كانت قضائية أو تحكيمية، ان يكسب أحد طرفي الدعوى، ولو جزئيا، القضية في حين يخسرها الآخر ولو جزئيا. لذلك، فان أحد الطرفين قد يرفض تنفيذ القرار وديا، مما قد يضطر الآخر للجوء للقضاء الوطني لتنفيذه جبرا. وعندئذ سيعرض القرار التحكيمي، واسماء الأطراف، وممثليهم وكل ما يتعلق بالقضية، على القضاء لاتخاذ الحكم المناسب بشان القرار التحكيمي من حيث تنفيذه أو عدم تنفيذه ولو جزئيا. ويترتب على ذلك، ان السرية التي حافظ عليها الأطراف وهيئة التحكيم الى حين صدور القرار، انقلبت إلى علنية من حيث النتيجة عند عرض الأمر على القضاء.

 

رابعا:   سلبيات التحكيم

1-          1-     المصاريف

وتقابل محاسن التحكيم أو ميزاته المشار اليها مثالب عدة لا يمكن التجاوز عنها، بحيث يمكن القول ان التحكيم، كأي نظام قانوني آخر، ليس كله محاسن ولا كله مثالب. فمن الانتقادات التي يمكن ان توجه للتحكيم، كثرة مصاريفه بالمقارنة مع القضاء، وخاصة عندما يكون التحكيم دوليا. ففي هذه الحالة، قد يكون كل من أعضاء هيئة التحكيم (الثلاثة مثلا) وأطراف النزاع والمحامين من جنسيات مختلفة، أو مقيمين في دولة مختلفة، مما يعني زيادة مصاريف التحكيم بالنسبة لتنقلاتهم واجتماعاتهم في مكان معين. هذا بالإضافة لاتعاب المحكمين والمصاريف الإدارية الخاصة بالمركز الذي ينظم التحكيم حيث يكون التحكيم مؤسسيا. وعلى الأغلب، فان هذه الأتعاب والمصاريف تتناسب طرديا مع قيمة النزاع، بحيث يزداد مقدارها كلما زادت هذه القيمة(12).

 

2-      تعيين المحكمين

ومن جهة أخرى، فان الشخص الذي يعين محكمه قد يشعر في قرارة نفسه بانه يفترض في ذلك المحكم ان يدافع عن مصلحة من عينه، أو يمثل وجهة نظره ولو جزئيا. وربما ينطبق هذا القول أيضا على المحكم نفسه في علاقته بمن عيّنه أو رشّحه للتعيين من جهة، وبأعضاء هيئة التحكيم الآخرين من جهة أخرى. وقد يكون مثل هذا الافتراض غير دقيق من الناحية العملية في كثير من الأحيان، ولكن يجب ان نسلم بأنه الواقع أحيانا. لذلك، ليس غريبا ان نجد رئيس هيئة التحكيم في العديد من القضايا (في الهيئة الثلاثية مثلا)، يحاول ان يكون موفقا بين وجهتي نظر المحكمين الآخرين. والى الدرجة التي يصح فيها هذا الافتراض، فان ذلك يؤثر على العملية التحكيمية  من حيث وجوب حياد أعضاء هيئة التحكيم، ونزاهتهم، وعدم تحيزهم، او الشعور بعدم تحيزهم لصالح طرف ضد طرف آخر من أطراف النزاع.

 

3-      اختلاف النظم القانونية

كما ان انتماء أعضاء هيئة التحكيم وأطراف النزاع وممثليهم، في كثير من الحالات لانظمة قانونية مختلفة، وأحيانا عدم معرفة الهيئة لاحكام القانون الواجب التطبيق على النزاع من جميع جوانبه بدقة، قد يؤثر سلبا على مجريات القضية التحكيمية بما في ذلك قرار التحكيم ذاته(13). وهذا بخلاف اللجوء للقضاء الوطني حيث ان الجميع، أو على الأقل محامي الأطراف والقضاة يتحدثون، كقاعدة عامة، بلغة قانونية مشتركة هي قانونهم الوطني سواء من حيث الإجراءات أو الموضوع. ويقودنا هذا القول إلى نتيجة أخرى، وهي ان وضعا كهذا، ربما يؤدي أحيانا إلى تعقيد إجراءات التقاضي وإطالتها، مما يفقد التحكيم إحدى مزاياه، التي أشرنا إليها سابقا(14).

 

 

المسالة الثانية: بعض الجوانب القانونية

1-   دور الإرادة

تلعب إرادة أطراف النزاع دورا كبيرا وأساسيا في العملية التحكيمية مع استبعاد ما يسمى بالتحكيم الإجباري الذي تعرفه قوانين وطنية متعددة لتسوية بعض المنازعات وخاصة غير التجارية. ويمكن اختصار الأمر في هذا الإطار بالقول انه لا تحكيم تجاري بدون اتفاق. وليس هذا فحسب، فان للأطراف الاتفاق على العديد من الاحكام الخاص بتحكيمهم مثل المنازعات التي يشملها التحكيم وكيفية تعيين هيئة التحكيم وشروط المحكم، وتعين المحكمين مباشرة من قبلهم أو من قبل أي جهة أخرى. وبعد تشكيل هيئة التحكيم ، يمكنهم الاتفاق على القواعد الخاصة بإجراءات التحكيم والبينات والمدد وغير ذلك. بل يمكنهم الاتفاق أيضا على بعض المسائل الخاصة بقرار التحكيم، مثل العدد المطلوب في هيئة التحكيم لاصدار القرار، الإجماع أو الأغلبية، أو إصدار القرار من أحد الأعضاء (رئيس الهيئة) في حال عدم توفر الأغلبية. وكذلك مثل إعطاء الهيئة إصدار القرار بدون تسبيب، او صلاحية الصلح وفرض قرار الصلح على الأطراف أثناء الإجراءات.

 

وبوجه عام، لاطراف النزاع حرية واسعة وكبيرة في ان يوردوا في اتفاق التحكيم أي شرط يرونه مناسبا كأي عقد آخر، والقيد الوحيد على ذلك عدم مخالفته للنظام العام أو الآداب أو لقاعدة أخرى في القانون الوطني لا يجوز الخروج عليها. وربما نضيف على ذلك قيدا آخر وهو ان لا يتعارض الاتفاق مع طبيعة التحكيم واداء المحكمين لمهمتهم، وهو شرط يمكن أيضا ادراجه تحت ما يسمى بالنظام العام. ومثل ذلك الاتفاق على ان يكون المحكم قاصرا(15)، أو على انه لهيئة التحكيم صلاحية عدم السماح لاحد الأطراف بعرض قضيته والدفاع عنها بما يخل بمبدأ العدالة(16)، أو على عدم جواز الطعن بقرار التحكيم بالبطلان في الدول التي تربط ذلك بالنظام العام.

 

ولكن تجدر الإشارة هنا إلى ان حرية الأطراف في التحكيم المؤسسي مقيدة إلى حد كبير، حيث يتفقون على تسوية النزاع عن طريق إحدى المؤسسات التحكيم الدائمة مثل غرفة التجارة الدولية او مركز القاهرة او المركز اليمني. وعلى الأغلب، ان لم يكن دوما، يكون لهذه المؤسسة قواعد خاصة بها تتعلق بتعيين هيئة التحكيم والإجراءات أمامها وبقرار التحكيم. وما دام الأطراف ارتضوا تسوية نزاعهم عن طريق تلك المؤسسة، يكونون قد ارتضوا في الوقت ذاته تطبيق قواعدها عليهم. وهنا نعود مرة أخرى للقول بان اتفاق التحكيم هو الأساس في التحكيم سواء كان هذا التحكيم مؤسسيا أو غير مؤسسي.


(1)       وفي مصر ثار خلاف حول ما اذا كان قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 يشمل العقود الإدارية ام لا. وقد حسم المشرع المصري هذا الخلاف في القانون رقم 9 لسنة 1997 بقوله ما يلي: "وبالنسبة لمنازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق بموافقة الوزير المختص او من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية، العامة، ولا يجوز التفويض في ذلك"

(2)       انظر، المادة (7/1) من قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم (القانون النموذجي)؛ المادتان( 2 و 10/1) من قانون التحكيم المصري (القانون المصري)؛ المادتان ( 2 و 10/1) من قانون التحكيم العماني رقم 47/97 (القانون العماني).

(3)     المادة 3/2 من القانونين المشار اليهما اعلاه.         

(4)    وهذا بخلاف كل من مصر وعمان حيث يطبق قانون التحكيم فيهما على التحكيم الداخلي والدولي دون تفرقة بين الامرين.

 (5)      انظر المادة (1/2) من اتفاقية نيويورك؛ المادة (2) من القانون النموذجي؛ المادة (4/1) من القانونين المصري والعماني.

 

(6)    وقد ابتدأ العمل باعداد هذه القواعد سنة 1973، واقرتها لجنة قانون التجارة الدولية في جلستها الثامنة سنة 1976. وانظر وثيقة الامم المتحدة رقم A/31/17، القسم الخامس (الكتاب السنوي اليونسترال، 1976،ص9، 20 – 27).

 (7)    مثل مركز القاهرة الاقليمي للتحكيم التجاري الدولي.

(8)    مثل البحرين في المرسوم بقانون 9/1993.

 

(9)      ولكن تجدر الاشارة الى ان قواعد التحكيم تتجه في الوقت الحاضر الى سقوط صاحب الحق بالاعتراض، اذا توفرت شروط معينة منها عدم تقديم اعتراضه خلال وقت معين من علمه بوقوع المخالفة (انظر، على سبيل المثال، المادة 4 من القانون النموذجي؛ والمادة 8 من كل القانونين المصري والعماني)؛ والمادة 7 اردني).

 

(10)    المادة (36/1) من القانون النموذجي؛ المادة (53/1) من كل من القانون المصري والعماني؛ والمادة 49/5 اردني.

(11)   انظر مثلا المادة 2/4 من قواعد غرفة التجارة الدولية؛ والمادة 7 من قواعد اليونسترال؛ والمادة 11 من القانون النموذجي لليونسترال.

(12)    انظر، على سبيل المثال، جدوال الاتعاب والنفقات المرفقة بقواعد غرفة التجارة الدولية (ICC)، وقواعد الـ WIPO، وغرفة تجارة ابو ظبي، وغرفة تجارة دبي، والجمعية اللبنانية للتحكيم.

 

(13)    ومن الامثلة العملية التي يمكن ان اسوقها في هذا الشأن احدى القضايا التي عرضت امامي كمحكم في احدى القضايا الدولية. وفي هذه القضية طالب محامي احد الطرفين، هو ينتمي لنظام الـ Common Law، بتطبيق نظرية الاخلال المتوقع بالعقد anticipatory breach of contract، وحاول جهده للدفاع عن ذلك، في حين ان القانون الواجب التطبيق على النزاع لا يعرف هذه النظريةن وليس لها بالتالي اي تطبيقات قضائية استنادا لذلك القانون.

 

(14)    وهذا بافتراض ان القانون الوطني هو الواجب التطبيق على النزاع، وذلك دون اغفال ان مختلف النظم القانونية تجيز تطبيق القانون الاجنبي امام القضاء الوطني اذا توفرت شروط معينة.

(15)     ومثال ذلك المادة 16/1/مصري وعماني، و 15 اردني، وتشترط جميعها الا يكون المحكم قاصرا.

 

(16)     ومثال ذلك المادة 26 من القانونين المصري والعماني، والمادة 25 اردني، وتنص على الزام هيئة التحكيم بمعاملة الطرفين على قدم المساواة واعطاء كل منهما الفرصة المتكافاة والكاملة لعرض دعواه، ومصدر هذا النص هو المادة 18 من القانون النموذجي

 


Next Page
 

Powered By QTech Networks
All Copyrights © Reserved 2001