|
ثانيا:
أمثلة من مصادر التشريع الأخرى
بالنسبة لما نسب للرسوم محمد عليه الصلاة والسلام من أحاديث
تتعلق بالأحكام القانونية، نورد الأمثلة التالية:
1-
بالنسبة للبيّنات، جاء في الحديث بأنه لا تجوز شهادة خائن ولا
خائنه ولا زان ولا زانية.
وكذلك الحديث الذي يقول بأنه لا تقبل شهادة خصم على خصمه.
2-
وفي الميراث والوصية، ورد في الحديث بأنه لا وصية لوارث،
وان الوصية في حدود ثلث التركه فقط، ولا تجوز بأكثر من ذلك.
3-
وبالنسبة للحجر على المدين المفلس أو المعسر، فقد روي عن النبي
عليه الصلاة والسلام انه قال للدائنين خذوا ما وجدتم وليس لكم
إلا ذلك
، أي يتم توزيع أموال المدين على الدائنين وليس لهم غير ذلك،
مما يعني عدم جواز الحجر على ذلك المدين.
اما فيما يتعلق بالاجماع، فقد ورد في التراث الاسلامي امثلة
عليه، منها توريث الجد لسدس التركة عند عدم وجود الأب مع وجود
الابن، وكذلك الحكم بمشاركة الجدة لاب للجدة لام في سدس التركة
إذا كانت كل منها وارثة
.
ومن مصادر التشريع الاسلامي الاجتهاد (الفردي)، وهو بيان الرأي
في مسالة لا يوجد عليها نص مباشر في الكتاب أي القرآن الكريم،
أو السنة، أي ما ينسب للنبي (ص) من أحاديث شريفة (او الاجماع).
ومن طرق الاجتهاد القياس والاستحسان. ويقصد بالقياس إعطاء ذات
الحكم المنصوص عليه في مسألة معينة، لمسألة اخرى غير منصوص على
حكمها لاتحاد العلة. ومن أمثلة ذلك انه نسب إلى النبي (ص) قوله
بأنه لا يرث القاتل،
ولكن
لم يرد نص على قتل الموصى له للموصي، فقاس الفقهاء حكمه على
حكم الوارث بان حرموه من الميراث. أما الاستحسان فيقصد به
العدول بالمسالة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضي
هذا العدول.
ومن الأمثلة عليه جواز الاستصناع والسلم، استثناء من القاعدة
العامة التي تقضي بعدم جواز بيع المعدوم.
البند الثالث:
تغير الأحكام بتغير الأزمان
ويثور التساؤل عمّا اذا كانت هذه الأحكام قابلة للتغيّر
والتطور بتغيّر الظروف عموما مثل الزمان والمكان والبيئة، ام
ان حكمها واحد لا يتبدل مطلقا مهما كانت الأسباب. ونقول في هذا
الشأن انه من المتفق عليه ان أسس العبادات الدينية مطلقة
وصالحة لكل زمان ومكان، وهي بالتالي غير قابلة للتغير مهما
كانت الأسباب والظروف. فالايمان بالله الواحد الذي لا شريك له
هو جوهر الإسلام
بمعناه الواسع الذي يشمل كافة الديانات السماوية بما فيها
اليهودية والمسيحية والإسلام بالمفهوم
الضيق.
وكذلك فان الصلاة والصوم والزكاة والحج من أسس الإسلام (أو من
اثاره الجوهرية) وهي أيضا من الواجبات الدينية،
التي
لا تتغير ويجب القيام بها في كل زمان ومكان. ومن هذا القبيل
أيضا، الأشياء المحرمة سواء في إطار الأحوال الشخصية، مثل
تحريم الزواج من ألام والأخت والعمة والخالة،
أو في إطار الأطعمة مثل تحريم لحم الخنزير،
والاشربة مثل الخمر،
والمعاملات المالية مثل القمار(14).
وبناء عليه، يمكن القول ان مجال إمكانية تغير الأحكام بتغير
الأزمان، ينحصر فقط في مسائل المعاملات أو العلاقات الإنسانية
البحتة، سواء كانت في إطار الأمور المالية التي ترتب حقوقا
مالية أو التزامات لشخص في مواجهة الآخر، وهو ما يطلق عليه
بالقانون المدني بمصادر الالتزام، من عقد، وتصرف انفرادي
(الإرادة المنفردة)، وفعل ضار (العمل غير المشروع)، وفعل نافع
(الإثراء بلا سبب)، والقانون، أو كانت في إطار التشريع الجزائي
من جرائم وعقوبات، أو كانت حتى في إطار الأحوال الشخصية من
زواج وطلاق ونسب وغير ذلك.
وفي إطار المعاملات المدنية بشكل خاص، يبدو جليا انه ليس من
المنطق ولا العدل الادعاء او المطالبة بثبات الأحكام القانونية
من وقت وجودها والى الأبد، بالرغم من تغيّر الظروف التي أوجدت
تلك الأحكام. وعلى سبيل المثال، فان الكتابة مثلا هي إحدى
وسائل الإثبات الأساسية في المعاملات المدنية. وحسب المفهوم
التقليدي للكتابة، فانها، عموما، عبارة عن ورقة موقع عليها من
الأطراف المعنيّين. الا ان الكتابة والتوقيع تطورا في الآونة
الاخيرة، فاصبحا بالوسائل الإلكترونية الحديثة مثل الفاكس
والتلكس والبريد الالكتروني. ومن غير المعقول التمسك بالمفهوم
القديم لهذين المصطلحين، وترك المفهوم الجديد بشأنهما بالرغم
من انتشارها انتشارا واسعا في مختلف الدول. كما انه ليس من
العدل ان يرفض القاضي الاعتراف بصفقة تجارية تمت عن طريق وسائل
الاتصال الحديثة، بحجة عدم وجود دليل كتابي على اتمام الصفقة،
بالمفهوم التقليدي لمصطلح "كتابة".
وتمشيا مع هذا الواقع العملي، أقرت الشريعة الإسلامية بإمكانية
تغيّر الأحكام بتغيّر الظروف وبشكل خاص بتغيّر الأزمان. وجاءت
مجلة الأحكام العدلية المستمدة من الفقه الحنفي، وهي القانون
المدني في الدولة العثمانية، وتبنـّت قاعدة واضحة وصريحة
بقولها "لا ينكر تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان"(المادة 39).
وجاء في شرح هذه المادة بان الأحكام تتغيّر بتغيّر العرف
والعادات. فإذا كان العرف والعادة لاهل بلد معين يستدعيان
حكما، ثم تغيرا إلى عرف وعادة أخرى، فان الحكم يتغير إلى ما
يوافق ما انتقل إليه عرفهم وعاداتهم.
ومن أمثلة ذلك في التراث الإسلامي ما يلي:
1- كان اللون الأسود في وقت من
الأوقات يعدّ عيبا. لذلك، إذا صبغ الغاصب الثوب باللون الأسود،
فانه يكون قد عابه. الا ان عرف الناس تغيّر بحيث اصبح اللون
الأسود من قبيل الزيادة على المال المغصوب. وترتب على ذلك ان
تغيّر الحكم على هذا النحو.
2-
ومن شروط القاضي في الشريعة الإسلامية ان لا يكون المرشح لهذا
المنصب فاجرا. ولكن اذا جاء الزمان الذي اصبح فيه الناس فجارا،
فيجوز تعيين قضاة منهم ولكن من اقلهم فجورا.
3-
ومن ذلك ان قواعد الميراث حسب القرآن الكريم تقضي بانه للذكر
مثل حظ الانثيين، الا ان هناك اراض كان يمنحها السلطان
العثماني كنوع من العطايا لبعض رعاياه. وهي ما يطلق عليها
بالاراضي الميري. فجاء قانون الاراضي العثماني وسوّى بين الذكر
والانثى في الميراث، ما دام ان صاحب حق التصرف فيها قد حصل
عليها من دون جهد.
4-
وكذلك، فان ابن الابن المتوفي عنه والده يحرم من الميراث اذا
كان للجد اولاد غير المتوفي. غير ان العدالة تقضي اعطاءهم
نصيبهم من الميراث بما يساوى نصيب والدهم لو كان حيا، وهو ما
ذهبت اليه العديد من قوانين الدولة الاسلامية مثل مصر والاردن
تحت باب ما يسمى بـ "الوصية الواجبة". وفي هذا النوع من
الوصية، جمع المشرّع بين احكام الميراث بحيث يكون للحفيد نصيب
والده من التركة، وبين احكام الوصية بحيث لا يتجاوز هذا
الميراث ثلث التركة.
5-
ويذكر الفقه التقليدي ان الشافعي كان له فقه في العراق، وعندما
انتقل الى مصر ووجد عادات واعراف اهلها تختلف عن عادات واعراف
اهل العراق، عدّل بمذهبه بما يتلاءم والوضع الاجتماعي في مصر.
ومن الأمثلة الحديثة التي يمكن القول بشأنها بانه لا ينكر
تغيّر الأحكام بتغيّر الأزمان ما يلي:
1-
منع الرق والجواري بالرغم من عدم وجود نص حاسم ومباشر في
التراث الإسلامي يمنع ذلك.
2-
اجازة عقد التامين وهو من عقود الغرر، بالرغم من ان التراث
الإسلامي يحظر الغرر في العقود عموما.
3-
منع الشفعة بتاتا او تقييدها في حالات ضيقة بعد ان أصبحت وسيلة
غير مشروعة للارتزاق في كثير من الأحيان، بحيث تقتصر الشفعة
على الشريك في العقار، وذلك خلافا للتراث الإسلامي الذي أجاز
الشفعة للشريك والجار الملاصق والخليط.
4-
جواز تقييد حق المؤجر بإخلاء المستأجر من المأجور حتى لو انتهت
مدة العقد، بسبب أزمة المساكن والمحال التجارية، بالرغم من ان
التراث الإسلامي يوجب غير ذلك في العقود عموما، وفي عقد
الاجارة بشكل خاص، باعتماده قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين".
5-
الخروج عن قاعدة "الدية على العاقلة" المقبولة في التراث
الإسلامي، والاخذ بقاعدة ان كل إنسان مسؤول عن نفسه في التعويض
عن الأضرار الجسدية التي يلحقها بالآخرين.
6-
إباحة التصوير سواء أعتبر ذلك للضرورة أو غيرها نظرا للحاجة
لذلك، مع ان التراث الإسلامي يحظر ذلك إلى درجة التحريم.
وباختصار، يمكن القول ان الشريعة الإسلامية تقر تغيّر الأحكام
بتغيّر الأزمان على النحو المشار إليه سابقا. ويمكن القول في
هذا الشأن ان من حق المشرّع ان يضع ما يشاء من قوانين لتسيير
الأمور، بما يحقق مصالح الناس، وبما يؤدي إلى التيسير عليهم،
ولكن ذلك مقيد بشرط أساسي، الا وهو عدم مخالفة نص آمر في
القرآن الكريم أو السنة الشريفة الثابتة يقينا وبصورة قطعية عن
النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
|