|
ومن
ابرز قواعد التحكيم الحر في الوقت الحاضر في المجال الدولي،
القواعد التي وضعتها لجنة قانون التجارة الدولية (UNCITRAL)
6.
فبدلا
من قيام الأطراف أو هيئة التحكيم بإعداد قواعد إجرائية
لاتباعها في التحكيم الحر، سهلت اللجنة المهمة عليهم بان وضعت
تلك القواعد لاتباعها اذا رغب الأطراف بذلك. وقد انتشرت هذه
القواعد انتشارا واسعا في إطار التحكيم الدولي، حتى ان بعض
مؤسسات التحكيم تبنتها واعتبرتها هي القواعد المطبقة لديها في
حال احالة الاطراف للتحكيم وفق قواعد تلك المؤسسة.
بل ان بعض الدول تبنتها في تشريعاتها الداخلية للتحكيم المؤسسي
لديها.
وفي التحكيم المؤسسي، تختص المؤسسة المحال لها التحكيم بنظر
النزاع دون غيرها. فلو تقدم أحد الطرفين بطلب تحكيم أمام مؤسسة
أخرى، فانه يجوز للطرف الآخر ان يرد على ذلك الطلب بعدم
الاختصاص، او حتى لا يرد مطلقا. ومن الناحية العملية، فان تلك
المؤسسة الأخرى تغلق ملف التحكيم، بل يجب عليها ذلك. فلو فرضنا
انها استمرت بالتحكيم بالرغم من ذلك، فان النتيجة العملية لذلك
هو عدم قابلية القرار الصادر للتنفيذ خاصة إذا لم يحضر الطرف
الآخر التحكيم.
وإذا كان التحكيم مؤسسيا، يجب على الجهة المعنية، سواء كانت
مؤسسة التحكيم ذاتها أو هيئة التحكيم، التقيد بقواعد التحكيم
المطبقة لدى المؤسسة، باعتبارها أصبحت جزءا من اتفاقهم، وإلا
جاز لأطراف النزاع الطعن بأي مخالفة بهذا الخصوص
.
وعلى
سبيل المثال، تنص القواعد التحكيمية المطبقة لدى مركز القاهرة،
وهي قواعد اليونسترال، على إحالة النزاع إلى ثلاثة محكمين في
حالة عدم الاتفاق على محكم واحد. وفي حال تعيين ثلاثة محكمين،
يعطى كل طرف من أطراف النزاع الفرصة لتسمية محكمه، كما يعطيان
الفرصة للاتفاق على تسمية المحكم الثالث كرئيس لهيئة التحكيم.
فلو اتفق الطرفان على تسوية نزاعهم وفق قواعد مركز القاهرة،
فانه يجب على المركز التقيد بتلك الأحكام، وإلا جاز للطرف صاحب
المصلحة الطعن بقرار المركز المخالف لذلك. ومن وسائل هذا الطعن
الاعتراض لدى المركز ذاته الذي يفترض فيه ان يعالج المخالفة،
او حتى الطعن بقرار التحكيم الذي صدر من هيئة مشكلة تشكيلا
مخالفا للاتفاق، وهو ما يقضي به القانون النموذجي وقوانين بعض
الدول العربية مثل القانونين المصري والعماني.
وربما يكون من المفيد ان نذكر هنا ان كل مؤسسة تحكيمية، عموما،
تنص على شرط تحكيم تنصح الأطراف بالأخذ به إذا رغبت بالإحالة
لذلك المركز. وعلى الأغلب، يكون مثل هذا الشرط جامعا لأي
منازعة تتعلق بالعقد أو بأي بند من بنوده أو تفسيره بما في ذلك
إنهاؤه او أي مطالبة ناشئة عنه. ومثل هذا الشرط النموذجي، يوضع
لاسترشاد الأطراف به، ولكن ليس بالضرورة الأخذ به، إذ يمكن
النص على أي شرط تحكيم بالتفصيل الذي يراه الأطراف مناسبا،
ولكن مع الإشارة إلى تطبيق قواعد ذلك المركز.
ثالثا:
ايجابيات التحكيم
1-
بساطة الإجراءات
ويمتاز التحكيم ببساطة الإجراءات حيث نجد ان هيئة التحكيم
تتمتع بحرية أوسع واكثر من القضاء الوطني في كل ما يتعلق
بإجراءات التقاضي، مثل التبليغات وادارة الجلسات وتنظيمها،
وتقديم البينات، والاتصال بأطراف النزاع وغير ذلك. وهي في كل
هذه الأمور وغيرها تبتعد، ما أمكن، عن الإجراءات الشكلية التي
تكون في كثير من الأحيان، أمام القضاء، طويلة ومملة، ولا فائدة
منها سوى التقيد بحرفية النصوص القانونية الخاصة بالإجراءات،
وذلك على حساب موضوع وجوهر النزاع. والنتيجة الطبيعية لذلك، ان
يصدر قرار التحكيم خلال وقت اقصر بشكل ملموس فيما لو عرض
النزاع ذاته على القضاء.
2-
اختيار هيئة التحكيم
كما
تعتبر طريقة اختيار هيئة التحكيم، ودور أطراف النزاع في ذلك من
مميزات التحكيم. فالأطراف أو ممثلوهم تكون لهم الفرصة الأولى
والأكبر في اختيار المحكمين سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
فإذا كانت هيئة التحكيم مكونة من اكثر من محكم، وهم عادة ثلاثة
محكمين، يتولى طالب التحكيم (المدعي) تعيين محكمه أو ترشيح هذا
المحكم للتعيين، في حين يقوم بالشيء ذاته المطلوب التحكيم ضده
(المدعى عليه)، بالنسبة للمحكم الثاني. أما المحكم الثالث الذي
يتولى رئاسة هيئة التحكيم، فإما ان تعطى الفرصة لتعيينه لطرفي
النزاع، أو للمحكمين اللذين اختارهما الطرفان عنهما وذلك حسب
قواعد التحكيم المطبقة على النزاع1.
مثل هذا الأمر يعطي الأطراف نوعا من الأمان والراحة
النفسية، حيث يساهم الشخص في اختيار قاضيه الذي سينظر النزاع،
بل يساهم ولو بطريقة غير مباشرة في اختيار المحكم الثالث. وهذا
بخلاف اللجوء للقضاء الوطني، حيث نجد المحكمة مكونة من قضاة
رسميين في الدولة، لا دور للأطراف في تعيينهم أو تعيين أي
منهم، وفي كثير من الأحيان، يكون الأطراف أو بعضهم غرباء عن
ذلك النظام القضائي الوطني. وفي هذا المجال أيضا، فان بعض
المحكمين، ان لم يكن كلهم، انما يتم اختيارهم من ذوي الاختصاص
والكفاءة بالنسبة للعقد موضوع النزاع، خاصة فيما يسمى بالتحكيم
المؤسسي الذي أشرنا إليه فيما مضى.
3-
سرية الإجراءات
والأصل في إجراءات التحكيم انها سرية إلا على أطراف النزاع
وممثليهم، بحيث يمكن القول ان مثل هذه السرية تعتبر من الأعراف
التحكيمية التي يجب مراعاتها سواء في التحكيم الدولي أو
الداخلي، حتى لو سكتت القواعد القانونية النافذة (التشريع
الوطني مثلا) عن النص على ذلك. وهذا بخلاف إجراءات التقاضي
التي تكون، كمبدأ عام، علنية بحيث يستطيع أي شخص حضور هذه
الجلسات. وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين:
الأول:
ان التجار عموما يفضلون، في بعض الأحيان، سرية الإجراءات
على علنيتها وذلك حفاظا، ما أمكن، على سرية الصفقات التجارية
التي يبرمونها وتفصيلاتها المختلفة، وأسماء الأشخاص الذين
يتعاملون معهم. بل ان بعض هذه الصفقات قد تتطلب السرية التامة
بحكم طبيعتها، أو بحكم انتماء أحد الأشخاص لجنسية دولة تحظر
دخوله في هكذا صفقات. فإذا نشب نزاع بين طرفي العقد، فانهما
يفضلان تسويته بالطرق الودية أو، بأحسن الظروف، عن طريق
التحكيم.
الثاني:
ان السرية في كثير من الأحيان ما تنقلب إلى علنية، وخاصة عند
تنفيذ قرار التحكيم. فالنتيجة الطبيعية لكل دعوى، سواء كانت
قضائية أو تحكيمية، ان يكسب أحد طرفي الدعوى، ولو جزئيا،
القضية في حين يخسرها الآخر ولو جزئيا. لذلك، فان أحد الطرفين
قد يرفض تنفيذ القرار وديا، مما قد يضطر الآخر للجوء للقضاء
الوطني لتنفيذه جبرا. وعندئذ سيعرض القرار التحكيمي، واسماء
الأطراف، وممثليهم وكل ما يتعلق بالقضية، على القضاء لاتخاذ
الحكم المناسب بشان القرار التحكيمي من حيث تنفيذه أو عدم
تنفيذه ولو جزئيا. ويترتب على ذلك، ان السرية التي حافظ عليها
الأطراف وهيئة التحكيم الى حين صدور القرار، انقلبت إلى علنية
من حيث النتيجة عند عرض الأمر على القضاء.
رابعا:
سلبيات التحكيم
1-
1-
المصاريف
وتقابل محاسن
التحكيم أو ميزاته المشار اليها مثالب عدة لا يمكن التجاوز
عنها، بحيث يمكن القول ان التحكيم، كأي نظام قانوني آخر، ليس
كله محاسن ولا كله مثالب. فمن الانتقادات التي يمكن ان توجه
للتحكيم، كثرة مصاريفه بالمقارنة مع القضاء، وخاصة عندما يكون
التحكيم دوليا. ففي هذه الحالة، قد يكون كل من أعضاء هيئة
التحكيم (الثلاثة مثلا) وأطراف النزاع والمحامين من جنسيات
مختلفة، أو مقيمين في دولة مختلفة، مما يعني زيادة مصاريف
التحكيم بالنسبة لتنقلاتهم واجتماعاتهم في مكان معين. هذا
بالإضافة لاتعاب المحكمين والمصاريف الإدارية الخاصة بالمركز
الذي ينظم التحكيم حيث يكون التحكيم مؤسسيا. وعلى الأغلب، فان
هذه الأتعاب والمصاريف تتناسب طرديا مع قيمة النزاع، بحيث
يزداد مقدارها كلما زادت هذه القيمة2.
2-
تعيين المحكمين
ومن جهة
أخرى، فان الشخص الذي يعين محكمه قد يشعر في قرارة نفسه بانه
يفترض في ذلك المحكم ان يدافع عن مصلحة من عينه، أو يمثل وجهة
نظره ولو جزئيا. وربما ينطبق هذا القول أيضا على المحكم نفسه
في علاقته بمن عيّنه أو رشّحه للتعيين من جهة، وبأعضاء هيئة
التحكيم الآخرين من جهة أخرى. وقد يكون مثل هذا الافتراض غير
دقيق من الناحية العملية في كثير من الأحيان، ولكن يجب ان نسلم
بأنه الواقع أحيانا. لذلك، ليس غريبا ان نجد رئيس هيئة التحكيم
في العديد من القضايا (في الهيئة الثلاثية مثلا)، يحاول ان
يكون موفقا بين وجهتي نظر المحكمين الآخرين. والى الدرجة التي
يصح فيها هذا الافتراض، فان ذلك يؤثر على العملية التحكيمية
من حيث
وجوب حياد أعضاء هيئة التحكيم، ونزاهتهم، وعدم تحيزهم، او
الشعور بعدم تحيزهم لصالح طرف ضد طرف آخر من أطراف النزاع.
3-
اختلاف النظم القانونية
كما ان
انتماء أعضاء هيئة التحكيم وأطراف النزاع وممثليهم، في كثير من
الحالات لانظمة قانونية مختلفة، وأحيانا عدم معرفة الهيئة
لاحكام القانون الواجب التطبيق على النزاع من جميع جوانبه
بدقة، قد يؤثر سلبا على مجريات القضية التحكيمية بما في ذلك
قرار التحكيم ذاته3.
وهذا
بخلاف اللجوء للقضاء الوطني حيث ان الجميع، أو على الأقل محامي
الأطراف والقضاة يتحدثون، كقاعدة عامة، بلغة قانونية مشتركة هي
قانونهم الوطني سواء من حيث الإجراءات أو الموضوع. ويقودنا هذا
القول إلى نتيجة أخرى، وهي ان وضعا كهذا، ربما يؤدي أحيانا إلى
تعقيد إجراءات التقاضي وإطالتها، مما يفقد التحكيم إحدى
مزاياه، التي أشرنا إليها سابقا4.
المسألة الثانية: الاتجاهات الحديثة في
قانون التحكيم الأردني رقم 31/2001
صدر قانون التحكيم الأردني الجديد رقم 31 لسنة 2001 ونشر في
الجريدة الرسمية (سنة 2001 ، ص 2821) على ان يبدأ نفاذه بعد
ثلاثين يوما من تاريخ هذا النشر. واستند القانون في أحكامه
بالدرجة الأساسية لكل من القانون النموذجي للجنة الأمم المتحدة
ولقانون التجارة الدولية (اليونسترال) لسنة 1985 وللقانون
المصري رقم 27 لسنة 1994، مع وجود بعض الفوارق الهامة بين
القانون الأردني من جانب وكل من هذين القانونين من جانب آخر.
ويراعي القانون التطورات الحديثة في التحكيم التجاري دون تفرقة
ما بين التحكيم الدولي والداخلي كما سنرى في ورقة العمل هذه.
ونشير فيما يلي إلى أهم الاتجاهات الحديثة في القانون المذكور.
|