|
التحكيم بوجه عام و اتتجاهات قانون التحكيم الأردني الجديد
ورقة عمل مقدمة
لندوة الاتجاهات الحديثة
للتحكيم في التشريعات العربية
(دمشق – 30 /8/2001)
|
المحامي: حمزه حداد
مركز القانون والتحكيم
عمان - الاردن
ت: 333 5672
فاكس: 555 5672
|
المسألة الأولى:
التحكيم بوجه عام
أولا:
مفهوم التحكيم
يقوم التحكيم على اتفاق ما بين فريقين أو اكثر على تسوية
منازعاتهم بالإحالة إلى التحكيم. ومثال ذلك ان يتفق (أ) و (ب)
في عقد البيع بينهما، أو يتفق (أ) و (ب) و (ج) في عقد الشركة
بينهم على إحالة أي نزاع ناجم عن العقد إلى التحكيم. في هذه
الحالة، إذا نشأ النزاع فعلا، فيتوجب على الطرف المعني (أ
مثلا) ان يلجأ للتحكيم لتسوية هذا النزاع وليس إلى المحاكم
النظامية. وعلى فرض ان (أ) تقدم بدعوى أمام المحكمة، فيتوجب
على المحكمة أن تحيل الأطراف للتحكيم إذا توفرت شروط ذلك.
فالتحكيم إذا
عبارة عن اتفاق، أي عقد يجب ان يتوفر فيه ما يتوفر في أي عقد
من أركان وشروط، من إيجاب وقبول وأهلية ومحل وسبب وفقا للقواعد
العامة في العقود. والأصل ان كل نزاع يجوز إحالته للقضاء، يجوز
إحالته للتحكيم بدلا من القضاء. ويطبق هذا بوجه عام على
المنازعات الناجمة عن أي عقد مالي، سواء اعتبر العقد مدنيا أو
تجاريا أو إداريا،
في
الدول التي تأخذ بالتفرقة بين العقود التجارية والمدنية
الإدارية، مثل عقود البيع والشركة والإجارة والوكالة والتأمين
والكفالة والنقل والرهن والقرض والعقود المصرفية والامتياز
والمقاولة.
وكما يجوز
الاتفاق على التحكيم في العقود النهائية، يجوز ذلك في الوعد
بالعقد باعتباره عقدا. بل ابعد من ذلك، ليس بالضرورة ان تكون
العلاقة المالية ناجمة عن عقد، بل ربما تكون ناشئة عن أي مصدر
آخر من مصادر الالتزام المختلفة من فعل ضار (عمل غير مشروع) أو
فعل نافع (إثراء بلا سبب) أو إرادة منفردة (التصرف الانفرادي)
أو القانون.
ولكن في كل
هذه الأحوال، يجب الاتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم، ويتم
ذلك بعد نشوء سبب الالتزام، ولا يتصور غير ذلك عملا.
ومثال النزاع الناجم عن فعل ضار (عمل غير مشروع)،ارتطام سفينة
مملوكة للشركة (أ) بسفينة أخرى مملوكة للشركة (ب) في عرض
البحر، أو ارتطام طائرتيهما في مطار إحدى الدول. ومثال الفعل
النافع ان يدفع (أ) لـ (ب) مبلغا من المال معتقدا انه واجب في
ذمته في حين لا يكون الأمر كذلك. أو يقوم (أ) بعمل نافع لـ (ب)
من قبيل الفضالة. ومثال الإرادة المنفردة ان تعلن إحدى الشركات
(أ) عن جائزة لمن يجد لوحة فنية مفقودة فيجدها (ب). ومثال
القانون، ان يفرض نص قانوني احتكار سلعة أو خدمة معينة لصالح
(أ)، فيقوم (ب) بالترويج لسلعة أو خدمة ما على أساس ان
الاحتكار لا يشملها. في هذه الأمثلة لا يتصور، كما ذكرنا،
اتفاق الأطراف مسبقا على إحالة نزاعهما إلى التحكيم، أي قبل
نشوء سبب الالتزام، وانما يتصور بعد ذلك. فإذا نشأ النزاع
فعلا، يجوز لـ (أ) و (ب) ان يتفقا على إحالة النزاع للتحكيم
بدلا من اللجوء إلى القضاء.
ثانيا:
تقسيم التحكيم
1-
تحكيم وطني وأجنبي ودولي
ومن جهة ثالثة، ينقسم التحكيم إلى تحكيم وطني وآخر أجنبي وثالث
دولي. ويصعب وضع خطوط فاصلة بشكل واضح ما بين هذه الأنواع.
وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة لغايات ورقة العمل هذه، يمكن ان
نشير إلى بعض المعايير التي تبنتها قواعد قانونية دولية، أو
حتى وطنية، بشان التحكيم الأجنبي والدولي حيث المبدأ
تحكيميا وطنيا.
فبالنسبة للتحكيم الأجنبي، هناك اتفاقية نيويورك لسنة 1958
بشأن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية
foreign awards،
التي أوجبت على الدول المنضمة لها ان تنفذ على أراضيها، كمبدأ
عام، قرارات التحكيم الصادرة في دولة أخرى. فالمعيار هنا شكلي
بحت، بمعنى انه حيث يصدر قرار التحكيم في دولة (أ مثلا)، لينفذ
في الدولة (ب مثلا)، فانه يعتبر أجنبيا بالنسبة للأخيرة. ولكن
أضافت الاتفاقية بوجوب تطبيق أحكامها على التحكيم الذي لا
يعتبر محليا لدى الدولة المطلوب تنفيذ ذلك القرار فيها (المادة
1/1). ومثال ذلك ان يحيل العقد في تسوية النزاعات إلى مركز
القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري، ويتم التحكيم وفق قواعد
المركز في القاهرة ويصدر القرار فيها. في هذا المثال، لا يكون
التحكيم محليا بالنسبة للقانون المصري، وانما يكون دوليا فتطبق
عليه اتفاقية نيويورك بالرغم من ان قرار التحكيم صدر في مصر
(المادة 3/ثانيا من القانون رقم 27/1994).
وبالنسبة للتحكيم الدولي، نص القانون النموذجي لليونسترال على
ان التحكيم يكون دوليا في احدى الحالات التالية (المادة 1/3):
1-
إذا كان مقرا عمل طرفي اتفاق التحكيم وقت عقد ذلك الاتفاق
واقعين في دولتين مختلفتين.
2-
إذا كان أحد الأماكن التالية واقعا خارج الدولة التي يقع فيها
مقر عمل الطرفين:
أ:
مكان التحكيم إذا كان محددا في اتفاق التحكيم، أو
ب:
أي مكان ينفذ فيه جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة
التجارية، او المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق الصلة به.
3-
إذا اتفق الطرفان صراحة على ان موضوع اتفاق التحكيم متعلق
بأكثر من دولة واحدة.
ومن ناحية أخرى، قد يكون للشخص اكثر من مقر عمل، أو لا يكون له
أي مقر عمل على الإطلاق. وفي الحالة الأولى نص القانون
النموذجي على ان العبرة عندئذ لمقر العمل الأكثر صلة باتفاق
التحكيم، ونص في الحالة الثانية على ان العبرة في وضع كهذا
لمحل الإقامة المعتاد لذلك الشخص (المادة 1/4).
وأضاف القانون المصري ومن بعده العماني، للحالات أعلاه،
الحالة التي يتفق فيها طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة
تحكيم دائمة أو مركز تحكيم داخل مصر (أو عمان) أو خارجها.
ومما تعنيه المعايير أعلاه بالنسبة للتحكيم الأجنبي والدولي،
ان التحكيم قد يجمع الأمرين معا، وقد يكون أحدهما دون الآخر.
فمثلا التحكيم بين شركتين مقر أعمالهما في دمشق والقاهرة على
التوالي، والذي يتم في سوريا ويصدر قرار التحكيم فيها، هو
تحكيم أجنبي بالنسبة لمصر عند تطبيق اتفاقية نيويورك، وهو
تحكيم دولي بتطبيق القانون النموذجي او المصري. ولو عقد
التحكيم ذاته وصدر القرار في مصر، فانه يعتبر تحكيميا دوليا
وليس محليا بمفهوم القانون المصري، ويخضع لاتفاقية نيويورك
بالنسبة لتنفيذ القرار في مصر. ولو كان التحكيم بين شركتين
مقار أعمالهما في سوريا حول عقد خاص بسوريا من جميع جوانبه،
وصدر القرار في سوريا، فانه لا يعتبر تحكيميا دوليا بمفهوم
القانون المصري، وان اعتبر أجنبيا يخضع لاتفاقية نيويورك
بالنسبة لتنفيذه في مصر، بخلاف تنفيذه في سوريا حيث يعتبر
محليا وليس أجنبيا أو دوليا.
ومن الجوانب المهمة التي تبرز في التفرقة بين هذه الأنواع من
التحكيم، هو خضوع أو عدم خضوع تنفيذ قرار التحكيم لاتفاقية
نيويورك بالنسبة للتحكيم الأجنبي كما هو مبين فيما سبق. وكذلك
فان القانون النموذجي لا يطبق على التحكيم الداخلي (أو الوطني)
بالنسبة للدول التي تطبقه على التحكيم التجاري الدولي فقط، مثل
البحرين في المرسوم بقانون رقم 9 لسنة 1994.
2-
التحكيم الحر والمؤسسي
ومن جهة أخرى، ينقسم التحكيم إلى تحكيم طليق أو حر وتحكيم
مؤسسي. وأساس هذه التفرقة هو اتفاق التحكيم ذاته. فحيث يشير
الاتفاق إلى تسوية النزاع تحكيما عن طريق مؤسسة تحكيمية، نكون
أمام تحكيم مؤسسي وإلا كان التحكيم حرا. فمعيار التفرقة اذن
شكلي من حيث وجود مثل تلك الإشارة أو عدم وجودها في اتفاق
التحكيم. ومثال ذلك، ان يتفق الطرفان على إحالة النزاع أمام
مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري، أو مركز البحرين، أو
مركز دول الخليج العربية، أو غرفة التجارة الدولية. وتجدر
الإشارة هنا إلى ان كل مركز من هذه المراكز أو غيرها المنتشرة
بشكل واسع في العالم، يكون له قواعده التحكيمية الخاصة به، وهي
عموما تتعلق بتشكيل هيئة التحكيم ورد المحكمين وبعض القواعد
الخاصة بإجراءات التحكيم ونفقاته. فحيث يحيل الأطراف لقواعد
هذا المركز أو ذاك، يكونوا قد ارتضوا بإرادتهم الخضوع لتلك
القواعد، وكأنها أصبحت جزءا من اتفاقهم، بل هي تعتبر كذلك من
الناحية القانونية. اما حيث يكتفي الأطراف بالإحالة إلى
التحكيم فحسب، يكون التحكيم حرا وليس مؤسسيا، وعندئذ يتم تشكيل
هيئة التحكيم وإعداد إجراءاته اما بالاتفاق، وهذا هو الأصل، أو
وفقا للقانون (الوطني) الواجب التطبيق على هذه الأمور. ويجوز
للطرفين في أي وقت العدول عن التحكيم الحر واللجوء إلى التحكيم
المؤسسي بدلا منه أو العكس.
|