|
|
التحكيم في المنازعات
المصرفية
ورقة عمل مقدمه لندوة
"التحكيم في القضايا
المصرفية واثره على تسوية المنازعات"
المعدة من قبل "جمعية
البنوك في الاردن"
(عمان - 21/3/2000) |
|
المحامي: حمزه حداد
مركز القانون والتحكيم
عمان - الاردن
ت: 333 5672
فاكس: 555 5672
البريد الإلكتروني:
sala@go.com.jo
|
مقدمة
البند الأول: أنواع التحكيم
يعتبر التحكيم أحد الوسائل البديلة عن القضاء لتسوية المنازعات
التجارية، وشاع اللجوء له في العقود الدولية بشكل خاص، بحيث
يندر ان نجد عقد دوليا لا يتضمن شرط التحكيم لتسوية المنازعات
الناشئة عن العقد. ونقصد بالتحكيم هنا التحكيم الاختياري الذي
يتفق فيه أطراف عقد تجاري على تسوية المنازعات التي ستنشأ أو
نشأت بينهم بالنسبة لذلك العقد باللجوء إلى التحكيم. ومثال ذلك
ان تشتري الشركة الاردنية (أ) سلعة من الشركة الفرنسية (ب).
وينص العقد على ان أي خلاف بين الفريقين ناشئ عن العقد أو
يتعلق به، يحال إلى التحكيم وفق أحكام القانون الأردني، او وفق
قواعد غرفة التجارة الدولية في باريس. في هذا المثال، لو نشأ
نزاع بين الفريقين فعلا، فانه يجب إحالته للتحكيم وفق
إرادتهما. وإذا لجأ أحدهما إلى القضاء، فيجب على المحكمة
المرفوع أمامها النزاع، ان تحيلها للتحكيم إذا توفرت شروط ذلك
حسب قانونها الوطني.
ونتناول في ورقة العمل هذه ثلاث نقاط تتعلق بأنواع التحكيم من
جهة، وميزاته ونقده من جهة أخرى، والتحكيم الدولي في الدول
العربية من جهة ثالثة.
ينقسم التحكيم من حيث الاتفاق ذاته إلى تحكيم منصوص عليه في ما
يسمى بشرط التحكيم، واخر منصوص عليه فيما يسمى بمشارطة التحكيم.
ويقصد
بالأول، الشرط الذي يرد في العقد بإحالة المنازعات المستقبلية
حول ذلك العقد إلى التحكيم، وهذا هو الغالب في الحياة العملية.
ولكن ليس هناك ما يمنع من ان يرد شرط التحكيم في اتفاق مستقل
مع أو بعد العقد الأصلي. ومثال ذلك، ان يبرم الطرفان عقدهما
دون ان يتضمن شرطا لتسوية المنازعات بينهما. ولكن في مرحلة
لاحقة، يعرض أحدهما على الآخر تسوية أي منازعات (مستقبلية)
ناشئة عن العقد أو تتعلق به إلى التحكيم، فيوافق الآخر على ذلك.
في هذه الحالة نكون أمام عقدين: العقد الأصلي الخالي من شرط
التحكيم، وعقد آخر خاص بتسوية المنازعات عن طريق التحكيم. أما
مشارطة التحكيم فيقصد بها الاتفاق الذي يبرمه طرفا العقد
الأصلي بعد وقوع النزاع الخاص بذلك العقد، يحيلان بموجبه
نزاعهما إلى التحكيم.
فالفرق ما بين الأمرين إذن ان الأول يتعلق بنزاع
مستقبلي غير محدد، في حين يتعلق الثاني بنزاع وقع فعلا واصبح
محددا وواضحا. وتبرز أهمية التفرقة ما بين شرط التحكيم ومشارطة
التحكيم، بشكل خاص، في ان بعض القوانين الوطنية تتطلب في
مشاركة التحكيم، تحديد طبيعة النزاع الذي وقع فعلا تحت طائلة
بطلان الاتفاق، بخلاف شرط التحكيم بداهة ما دام انه يتعلق
بنزاع مستقبلي.
ومن جهة أخرى، ينقسم التحكيم من حيث تنظيمه إلى تحكيم
حر أو طليق ad hoc وتحكيم مؤسسيinstitutional . وأساس هذه
التفرقة وجود أو عدم وجود مؤسسة تحكيم تتولى تنظيم العملية
التحكيمية، بدءا من تعيين هيئة التحكيم، مرورا بإجراءات
التحكيم، وانتهاء بصدور قرار التحكيم وتبليغه لأطراف النزاع.
فحيث يحيل أطراف النزاع إلى التحكيم وفق قواعد إحدى مؤسسات
التحكيم، كان التحكيم مؤسسيا ولا كان حرا. بمعنى ان الاتفاق
على إحالة النزاع إلى التحكيم فقط، أو وفق قواعد تحكيم معينة
دون الإشارة إلى مؤسسة تحكيمية محددة، هو اتفاق على تحكيم حر،
في حين ان الاتفاق على التحكيم وفق قواعد مركز أو مؤسسة أو
هيئة معينة، هو تحيكم مؤسسي، ومثال التحكيم المؤسسي
تحكيم غرفة التجارة الدولية (ICC)
في باريس، وهيئة التحكيم الأمريكية (AAA)،
ومحكمة لندن للتحكيم التجاري الدولي
LCIA،
والمركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار(
ICSID)
في واشنطن، ومحكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، ومركز القاهرة
الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، ومنظمة الملكية الفكرية
العالمية WIPO
في جنيف.
ومن ابرز قواعد التحكيم الحر في الوقت الحاضر في المجال
الدولي، القواعد التي وضعتها لجنة قانون التجارة الدولية (UNCITRAL).
فبدلا من قيام الأطراف أو هيئة التحكيم بإعداد قواعد إجرائية
لاتباعها في التحكيم الحر، سهلت اللجنة المهمة عليهم بان وضعت
تلك القواعد لاتباعها اذا رغب الأطراف بذلك. وقد انتشرت هذه
القواعد انتشارا واسعا في إطار التحكيم الدولي، حتى ان بعض
مؤسسات التحكيم تبنتها واعتبرتها هي القواعد تلك المؤسسة. بل
ان بعض الدول تبنتها في تشريعاتها الداخلية للتحكيم المؤسسي
لديها.
ومن جهة ثالثة، ينقسم التحكيم إلى تحكيم وطني وآخر أجنبي وثالث
دولي. ويصعب وضع خطوط فاصلة بشكل واضح ما بين هذه الأنواع.
وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة لغايات ورقة العمل هذه، يمكن ان
نشير إلى بعض المعايير التي تبنتها قواعد قانونية دولية، أو
حتى وطنية، بشان التحكيم الأجنبي والدولي حيث المبدأ
تحكيميا وطنيا.
فبالنسبة للتحكيم الأجنبي، هناك اتفاقية نيويورك لسنة 1958
بشأن تنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية
foreign awards،
التي أوجبت على الدول المنضمة لها ان تنفذ على أراضيها، كمبدأ
عام، قرارات التحكيم الصادرة في دولة أخرى. فالمعيار هنا شكلي
بحت، بمعنى انه حيث يصدر قرار التحكيم في دولة (أ مثلا)، لينفذ
في الدولة (ب مثلا)، فانه يعتبر أجنبيا بالنسبة للأخيرة. ولكن
أضافت الاتفاقية بوجوب تطبيق أحكامها على التحكيم الذي لا
يعتبر محليا لدى الدولة المطلوب تنفيذ ذلك القرار فيها (المادة
1/1). ومثال ذلك ان يحيل العقد في تسوية النزاعات إلى مركز
القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري، ويتم التحكيم وفق قواعد
المركز في القاهرة ويصدر القرار فيها. في هذا المثال، لا يكون
التحكيم محليا بالنسبة للقانون المصري، وانما يكون دوليا فتطبق
عليه اتفاقية نيويورك بالرغم من ان قرار التحكيم صدر في مصر
(المادة 3/ثانيا من القانون رقم 27/1994).
وبالنسبة للتحكيم الدولي، نص القانون النموذجي لليونسترال على
ان التحكيم يكون دوليا في احدى الحالات التالية (المادة 1/3):
1-
إذا كان مقرا عمل طرفي اتفاق التحكيم وقت عقد ذلك الاتفاق
واقعين في دولتين مختلفتين.
2-
إذا كان أحد الأماكن التالية واقعا خارج الدولة التي يقع فيها
مقر عمل الطرفين:
أ:
مكان التحكيم إذا كان محددا في اتفاق التحكيم، أو
ب:
أي مكان ينفذ فيه جزء هام من الالتزامات الناشئة عن العلاقة
التجارية، او المكان الذي يكون لموضوع النزاع أوثق الصلة به.
3-
إذا اتفق الطرفان صراحة على ان موضوع اتفاق التحكيم متعلق
بأكثر من دولة واحدة.
ومن ناحية أخرى، قد يكون للشخص اكثر من مقر عمل، أو لا يكون له
أي مقر عمل على الإطلاق. وفي الحالة الأولى نص القانون
النموذجي على ان العبرة عندئذ لمقر العمل الأكثر صلة باتفاق
التحكيم، ونص في الحالة الثانية على ان العبرة في وضع كهذا
لمحل الإقامة المعتاد لذلك الشخص (المادة 1/4).
وأضاف القانون المصري ومن بعده العماني، للحالات أعلاه، الحالة
التي يتفق فيها طرفا التحكيم على اللجوء إلى منظمة تحكيم دائمة
أو مركز تحكيم داخل مصر (أو عمان) أو خارجها.
ومما تعنيه المعايير أعلاه بالنسبة للتحكيم الأجنبي والدولي،
ان التحكيم قد يجمع الأمرين معا، وقد يكون أحدهما دون الآخر.
فمثلا التحكيم بين شركتين مقر أعمالهما في دمشق والقاهرة على
التوالي، والذي يتم في سوريا ويصدر قرار التحكيم فيها، هو
تحكيم أجنبي بالنسبة لمصر عند تطبيق اتفاقية نيويورك، وهو
تحكيم دولي بتطبيق القانون النموذجي او المصري. ولو عقد
التحكيم ذاته وصدر القرار في مصر، فانه يعتبر تحكيميا دوليا
وليس محليا بمفهوم القانون المصري، ويخضع لاتفاقية نيويورك
بالنسبة لتنفيذ القرار في مصر. ولو كان التحكيم بين شركتين
مقار أعمالهما في سوريا حول عقد خاص بسوريا من جميع جوانبه،
وصدر القرار في سوريا، فانه لا يعتبر تحكيميا دوليا بمفهوم
القانون المصري، وان اعتبر أجنبيا يخضع لاتفاقية نيويورك
بالنسبة لتنفيذه في مصر، بخلاف تنفيذه في سوريا حيث يعتبر
محليا وليس أجنبيا أو دوليا.
ومن الجوانب المهمة التي تبرز في التفرقة بين هذه الأنواع من
التحكيم، هو خضوع أو عدم خضوع تنفيذ قرار التحكيم لاتفاقية
نيويورك بالنسبة للتحكيم الأجنبي كما هو مبين فيما سبق. وكذلك
فان القانون النموذجي لا يطبق على التحكيم الداخلي (أو الوطني)
بالنسبة للدول التي تطبقه على التحكيم التجاري الدولي فقط، مثل
البحرين في المرسوم بقانون رقم 9 لسنة 1994.
البند الثاني: ميزات التحكيم ونقده
ويمتاز التحكيم ببساطة الإجراءات حيث نجد ان هيئة التحكيم
تتمتع بحرية أوسع واكثر من القضاء الوطني في كل ما يتعلق
بإجراءات التقاضي، مثل التبليغات وادارة الجلسات وتنظيمها،
وتقديم البينات، والاتصال بأطراف النزاع وغير ذلك. وهي في كل
هذه الأمور وغيرها تبتعد، ما أمكن، عن الإجراءات الشكلية التي
تكون في كثير من الأحيان، أمام القضاء، طويلة ومملة، ولا فائدة
منها سوى التقيد بحرفية النصوص القانونية الخاصة بالإجراءات،
وذلك على حساب موضوع وجوهر النزاع. والنتيجة الطبيعية لذلك، ان
يصدر قرار التحكيم خلال وقت اقصر بشكل ملموس فيما لو عرض
النزاع ذاته على القضاء.
كما تعتبر طريقة اختيار هيئة التحكيم، ودور أطراف النزاع في
ذلك من مميزات التحكيم. فالأطراف أو ممثلوهم تكون لهم الفرصة
الأولى والأكبر في اختيار المحكمين سواء بطريقة مباشرة أو غير
مباشرة. فإذا كانت هيئة التحكيم مكونة من اكثر من محكم، وهم
عادة ثلاثة محكمين، يتولى طالب التحكيم (المدعي) تعيين محكمه
أو ترشيح هذا المحكم للتعيين، في حين يقوم بالشيء ذاته المطلوب
التحكيم ضده (المدعى عليه)، بالنسبة للمحكم الثاني. أما المحكم
الثالث الذي يتولى رئاسة هيئة التحكيم، فإما ان تعطى الفرصة
لتعيينه لطرفي النزاع، أو للمحكمين اللذين اختارهما الطرفان
عنهما وذلك حسب قواعد التحكيم المطبقة على النزاع. ومثل هذا
الأمر يعطي الأطراف نوعا من الأمان والراحة النفسية، حيث يساهم
الشخص في اختيار قاضيه الذي سينظر النزاع، بل يساهم ولو بطريقة
غير مباشرة في اختيار المحكم الثالث. وهذا بخلاف اللجوء للقضاء
الوطني، حيث نجد المحكمة مكونة من قضاة رسميين في الدولة، لا
دور للأطراف في تعيينهم أو تعيين أي منهم، وفي كثير من
الأحيان، يكون الأطراف أو بعضهم غرباء عن ذلك النظام القضائي
الوطني. وفي هذا المجال أيضا، فان بعض المحكمين، ان لم يكن
كلهم، انما يتم اختيارهم من ذوي الاختصاص والكفاءة بالنسبة
للعقد موضوع النزاع، خاصة فيما يسمى بالتحكيم المؤسسي الذي
أشرنا إليه فيما مضى.
والأصل في إجراءات التحكيم انها سرية إلا على أطراف النزاع
وممثليهم، بحيث يمكن القول ان مثل هذه السرية تعتبر من الأعراف
التحكيمية التي يجب مراعاتها سواء في التحكيم الدولي أو
الداخلي، حتى لو سكتت القواعد القانونية النافذة (التشريع
الوطني مثلا) عن النص على ذلك. وهذا بخلاف إجراءات التقاضي
التي تكون، كمبدأ عام، علنية بحيث يستطيع أي شخص حضور هذه
الجلسات. وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين:
الأول:
ان التجار عموما يفضلون، في بعض الأحيان، سرية الإجراءات
على علنيتها وذلك حفاظا، ما أمكن، على سرية الصفقات التجارية
التي يبرمونها وتفصيلاتها المختلفة، وأسماء الأشخاص الذين
يتعاملون معهم. بل ان بعض هذه الصفقات قد تتطلب السرية التامة
بحكم طبيعتها، أو بحكم انتماء أحد الأشخاص لجنسية دولة تحظر
دخوله في هكذا صفقات. فإذا نشب نزاع بين طرفي العقد، فانهما
يفضلان تسويته بالطرق الودية أو، بأحسن الظروف، عن طريق
التحكيم.
الثاني:
ان السرية في كثير من الأحيان ما تنقلب إلى علنية، وخاصة عند
تنفيذ قرار التحكيم. فالنتيجة الطبيعية لكل دعوى، سواء كانت
قضائية أو تحكيمية، ان يكسب أحد طرفي الدعوى، ولو جزئيا،
القضية في حين يخسرها الآخر ولو جزئيا. لذلك، فان أحد الطرفين
قد يرفض تنفيذ القرار وديا، مما قد يضطر الآخر للجوء للقضاء
الوطني لتنفيذه جبرا. وعندئذ سيعرض القرار التحكيمي، واسماء
الأطراف، وممثليهم وكل ما يتعلق بالقضية، على القضاء لاتخاذ
الحكم المناسب بشان القرار التحكيمي من حيث تنفيذه أو عدم
تنفيذه ولو جزئيا. ويترتب على ذلك، ان السرية التي حافظ عليها
الأطراف وهيئة التحكيم الى حين صدور القرار، انقلبت إلى علنية
من حيث النتيجة عند عرض الأمر على القضاء.
وتقابل محاسن التحكيم أو ميزاته المشار اليها مثالب عدة لا
يمكن التجاوز عنها، بحيث يمكن القول ان التحكيم، كأي نظام
قانوني آخر، ليس كله محاسن ولا كله مثالب. فمن الانتقادات التي
يمكن ان توجه للتحكيم، كثرة مصاريفه بالمقارنة مع القضاء،
وخاصة عندما يكون التحكيم دوليا. ففي هذه الحالة، قد يكون كل
من أعضاء هيئة التحكيم (الثلاثة مثلا) وأطراف النزاع والمحامين
من جنسيات مختلفة، أو مقيمين في دولة مختلفة، مما يعني زيادة
مصاريف التحكيم بالنسبة لتنقلاتهم واجتماعاتهم في مكان معين.
هذا بالإضافة لاتعاب المحكمين والمصاريف الإدارية الخاصة
بالمركز الذي ينظم التحكيم حيث يكون التحكيم مؤسسيا. وعلى
الأغلب، فان هذه الأتعاب والمصاريف تتناسب طرديا مع قيمة
النزاع، بحيث يزداد مقدارها كلما زادت هذه القيمة.
ومن جهة أخرى، فان الشخص الذي يعين محكمه قد يشعر في قرارة
نفسه بانه يفترض في ذلك المحكم ان يدافع عن مصلحة من عينه، أو
يمثل وجهة نظره ولو جزئيا. وربما ينطبق هذا القول أيضا على
المحكم نفسه في علاقته بمن عيّنه أو رشّحه للتعيين من جهة،
وبأعضاء هيئة التحكيم الآخرين من جهة أخرى. وقد يكون مثل هذا
الافتراض غير دقيق من الناحية العملية في كثير من الأحيان،
ولكن يجب ان نسلم بأنه الواقع أحيانا. لذلك، ليس غريبا ان نجد
رئيس هيئة التحكيم في العديد من القضايا (في الهيئة الثلاثية
مثلا)، يحاول ان يكون موفقا بين وجهتي نظر المحكمين الآخرين.
والى الدرجة التي يصح فيها هذا الافتراض، فان ذلك يؤثر على
العملية التحكيمية
من حيث وجوب حياد أعضاء هيئة التحكيم، ونزاهتهم، وعدم تحيزهم،
او الشعور بعدم تحيزهم لصالح طرف ضد طرف آخر من أطراف النزاع.
كما ان انتماء أعضاء هيئة التحكيم وأطراف النزاع وممثليهم، في
كثير من الحالات لانظمة قانونية مختلفة، واحيانا عدم معرفة
الهيئة لاحكام القانون الواجب التطبيق على النزاع من جميع
جوانبه بدقة، قد يؤثر سلبا على مجريات القضية التحكيمية بما في
ذلك قرار التحكيم ذاته. وهذا بخلاف اللجوء للقضاء الوطني حيث
ان الجميع، أو على الأقل محامي الأطراف والقضاة يتحدثون،
كقاعدة عامة، بلغة قانونية مشتركة هي قانونهم الوطني سواء من
حيث الإجراءات أو الموضوع. ويقودنا هذا القول إلى نتيجة أخرى،
وهي ان وضعا كهذا، ربما يؤدي أحيانا إلى تعقيد إجراءات التقاضي
وإطالتها، مما يفقد التحكيم إحدى مزاياه، التي أشرنا إليها
سابقا.
واخيرا، وليس اخرا، فان قرار التحكيم بعد صدوره قد يصطدم بعقبة
هامة، وهي تنفيذه. وتعتبر هذه المسالة من اكثر المشاكل خطورة
التي تواجه قرار التحكيم من الناحية العملية. فرابح الدعوى، لا
يعنيه كسبها لمجرد الكسب بقدر ما يعنيه الحصول على ما حكمت به
هيئة التحكيم لصالحه أي، بمعنى آخر، على تنفيذ القرار.
وبالتأكيد، فانه لا تثور أي مشكلة في حال قيام الطرف الآخر
بتنفيذ القرار طوعا بصورة ودية، وهذا هو اسلم الطرق بالنسبة
للتحكيم وأقصرها. ولكن المشكلة تثور حيث يرفض ذلك الطرف مثل
هذا التنفيذ الطوعي، مما يضطر الطرف الذي كسب الدعوى ان يلجأ
للقضاء الوطني لتنفيذ قرار التحكيم جبرا، وهذا يكثر وقوعه في
الحياة العملية. ومختلف القوانين الوطنية، أو بعض منها، تتطلب
لتنفيذ القرار إقامة دعوى عادية موضوعها تنفيذ قرار التحكيم
الصادر في الخارج. ومثل هذه القوانين تجيز عدم التنفيذ إذا
توفرت إحدى الحالات المنصوص عليها فيها. وهنا يصطدم المدعي
(الذي كسب الدعوى) بوجود إجراءات قضائية تلافاها في البداية،
ولكنها فرضت عليه في النهاية. بالإضافة لتخوفه من توفر إحدى
حالات عدم التنفيذ المنصوص عليها في القوانين الوطنية، مما
يعني رجوعه عمليا لنقطة الصفر. أضف إلى ذلك ان الطرف الآخر
(الذي خسر الدعوى)، قد يلجأ هو نفسه للقضاء الوطني للطعن في
القرار من حيث بطلانه أو فسخه، بحجة توفر إحدى الحالات التي
تؤدي إلى ذلك استنادا لقانون وطني معين. وتجدر الإشارة هنا إلى
ان حالات الطعن بالقرار على هذا النحو، وحالات عدم تنفيذه على
النحو ذاك، قد تضيق أو تتسع حسب اختلاف التشريعات الوطنية
ونظرتهما للتحكيم.
ونظرا لخطورة هذه المشكلة، فان بعض التجار يفضلون أحيانا،
بالنسبة لبعض العقود التي يبرمونها، عدم النص في العقد على شرط
تحكيم، مما يعني لجوء الأطراف للقضاء. ولكن تجدر الإشارة هنا،
إلى ان الرغبة بتلافي هذه المشكلة ما أمكن، قد أدت بالدول لان
تبرم اتفاقية دولية خاصة بتنفيذ أحكام التحكيم الأجنبية على
أراضيها، هي اتفاقية نيويورك لسنة 1958، التي انضمت لها حوالي
(110) دول.
|