Home / Profile / Contact Us / Inquiry / Laws / Researches / Articles / Conferences & Seminars / Partners / Legal News
 

 

اتفاق التحكيم

(في التحكيم التجاري الدولي)

 

ورقة عمل مقدمة لندوة التحكيم التجاري الدولي

مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي

والمعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص

(القاهرة 28/1/2000)

 

إعداد: المحامي حمزه حداد

مركز القانون والتحكيم

عمّان - الأردن

تلفون: 5345777

فاكس: 5340666

  

أولا: اتفاق التحكيم بوجه عام

يقوم التحكيم على اتفاق ما بين فريقين أو اكثر على تسوية منازعاتهم بالإحالة إلى التحكيم. ومثال ذلك ان يتفق (أ) و (ب) في عقد البيع بينهما، أو يتفق (أ) و (ب) و (ج) في عقد الشركة بينهم على إحالة أي نزاع ناجم عن العقد إلى التحكيم. في هذه الحالة، إذا نشأ النزاع فعلا، فيتوجب على الطرف المعني (أ مثلا) ان يلجأ للتحكيم لتسوية هذا النزاع وليس إلى المحاكم النظامية. وعلى فرض ان (أ) تقدم بدعوى أمام المحكمة، فيتوجب على المحكمة أن تحيل الأطراف للتحكيم إذا توفرت شروط ذلك.

فالتحكيم إذا عبارة عن اتفاق، أي عقد يجب ان يتوفر فيه ما يتوفر في أي عقد من أركان وشروط، من إيجاب وقبول وأهلية ومحل وسبب وفقا للقواعد العامة في العقود. والأصل ان كل نزاع يجوز إحالته للقضاء، يجوز إحالته للتحكيم بدلا من القضاء. ويطبق هذا بوجه عام على المنازعات الناجمة عن أي عقد مالي، سواء اعتبر العقد مدنيا أو تجاريا أو إداريا(1)، في الدول التي تأخذ بالتفرقة بين العقود التجارية والمدنية الادارية، مثل عقود البيع والشركة والإجارة والوكالة والتأمين والكفالة والنقل والرهن والقرض والعقود المصرفية والامتياز والمقاولة.

وكما يجوز الاتفاق على التحكيم في العقود النهائية، يجوز ذلك في الوعد بالعقد باعتباره عقدا. بل ابعد من ذلك، ليس بالضرورة ان تكون العلاقة المالية ناجمة عن عقد، بل ربما تكون ناشئة عن أي مصدر آخر من مصادر الالتزام المختلفة من فعل ضار (عمل غير مشروع) أو فعل نافع (إثراء بلا سبب) أو إرادة منفردة (التصرف الانفرادي) أو القانون(2). ولكن في كل هذه الأحوال، يجب الاتفاق على إحالة النزاع إلى التحكيم، ويتم ذلك بعد نشوء سبب الالتزام، ولا يتصور غير ذلك عملا.

ومثال النزاع الناجم عن فعل ضار (عمل غير مشروع)،ارتطام سفينة مملوكة للشركة (أ) بسفينة أخرى مملوكة للشركة (ب) في عرض البحر، أو ارتطام طائرتيهما في مطار إحدى الدول. ومثال الفعل النافع ان يدفع (أ) لـ (ب) مبلغا من المال معتقدا انه واجب في ذمته في حين لا يكون الأمر كذلك. أو يقوم (أ) بعمل نافع لـ (ب) من قبيل الفضالة. ومثال الإرادة المنفردة ان تعلن إحدى الشركات (أ) عن جائزة لمن يجد لوحة فنية مفقودة فيجدها (ب). ومثال القانون، ان يفرض نص قانوني احتكار سلعة أو خدمة معينة لصالح (أ)، فيقوم (ب) بالترويج لسلعة أو خدمة ما على أساس ان الاحتكار لا يشملها. في هذه الأمثلة لا يتصور، كما ذكرنا، اتفاق الأطراف مسبقا على إحالة نزاعهما إلى التحكيم، أي قبل نشوء سبب الالتزام، وانما يتصور بعد ذلك. فإذا نشأ النزاع فعلا، يجوز لـ (أ) و (ب) ان يتفقا على إحالة النزاع للتحكيم بدلا من اللجوء إلى القضاء.

 

ثانيا: العلاقات المحددة 

ويجب ان يكون النزاع المتفق على إحالته إلى التحكيم ناشئا عن علاقة قانونية محددة أو مجوعة علاقات محددة(3). ومثال ذلك ان تكون علاقة (أ) و (ب) ناجمة عن عقد بيع واحد، أو يبرم (أ) مجموعة عقود بيع تتضمن توريد سلع مختلفة لـ (ب)، فيتفقان بعد إبرام العقود على ان أي نزاع ينشأ عن أي من هذه العقود تتم إحالته للتحكيم. وقد تكون العلاقة أو العلاقات غير محددة على هذا النحو، ومثال ذلك ان يتفق (أ) مع (ب) مسبقا على ان النزاعات الناشئة عن أي عقد يبرمانه في المستقبل يجب إحالته إلى التحكيم، أو يحصران ذلك بطائفة من العقود المستقبلية (مثل عقود البيع أو عقود المقاولة). في هذه الأحوال لا تكون لديهما علاقة أو مجموعة علاقات محددة، وانما مجموعة علاقات مستقبلية لم تنشأ بعد، مما يبعد عنها صفة التحديد. وعلى ذلك يمكن القول ان العلاقة المحددة هي المعروفة للطرفين عند إبرام اتفاق التحكيم. أما إذا كانت مجهولة، فيكون موضوع الاتفاق غير موجود مما يؤدي إلى بطلان هذا الاتفاق وفق القواعد العامة. ولا يعني هذا القول ان النزاع ذاته المتفق على تسويته تحكيما يجب ان يكون معروفا أو محددا عند إبرام اتفاق التحكيم. إذ لا خلاف انه يجوز الاتفاق على التحكيم بالنسبة لنزاع مستقبلي محتمل الذي ربما لا يقع بتاتا(4). بل ان اغلب النزاعات التي تحال إلى التحكيم عملا، نجد انها أحيلت بموجب شرط تحكيم وارد في العقد ذاته موضوع العلاقة الأصلية. في هذه الحالة، يكون النزاع غير معروف مسبقا، ولكنه ناشئ عن علاقة محددة في العقد، وهو ما سنبينه فيما بعد.

 

ثالثا: الاتفاق المكتوب

ويجب ان يكون اتفاق التحكيم مكتوبا. ويكون كذلك بعدة طرق منها الاتفاق التقليدي الأكثر شيوعا في الحياة العملية، وفيه يوقع الطرفان على الاتفاق اما بصورة مستقلة، أو يوقعان على العقد موضوع العلاقة الأصلية، المتضمن شرط التحكيم. ومنها ان يتبادل الطرفان الرسائل أو البرقيات أو وسائل الاتصال الحديثة مثل التلكس والفاكس والمراسلة عن طريق الكمبيوتر (البريد الإلكتروني)، بحيث يتم الاتفاق بينهما على التحكيم من خلال هذه المراسلة. ومنها ان يحيل الطرفان في مراسلاتهما إلى عقد نموذجي يحتوي على شرط التحكيم، في حين ان المراسلات ذاتها لا تحتوي على مثل هذا الشرط. ومثال ذلك ان يرسل (أ) رسالة بالتلكس إلى (ب) يطلب منه بيعه كمية من الحبوب (بسعر ومواصفات معينة) وفقا للعقد النموذجي لجمعية تجار الحبوب في لندن، فيوافق (ب) على ذلك، ويكون العقد النموذجي متضمنا شرط التحكيم(5).

بل ابعد من ذلك، ربما لا يكون هناك اتفاق تحكيم مسبق، أو حتى بعد نشوء النزاع، وانما يتم الاتفاق على التحكيم ضمنا من خلال تبادل اللوائح الخاصة بالنزاع. وعلى سبيل المثال، ان لا يتضمن عقد البيع بين (أ) و (ب) شرط تحكيم. فينشأ نزاع بينهما حول مواصفات البضاعة فيما إذا كانت مطابقة للعقد ام لا، ولا يتفقان بعد النزاع على الإحالة إلى التحكيم. ومع ذلك يرسل (أ)

طلب تحكيم إلى مؤسسة التحكيم (ج) يطلب تسوية النزاع من خلالها. فترسل (ج) ادعاءات (أ) لـ (ب) وتطلب منه الرد خلال فترة معينة، فلا ينكر (ب) هذه الإحالة إلى التحكيم، ولا ينازع فيها أو يعترض على طلب التحكيم، وانما يرسل إجابته على الطلب موضوعيا دون تحفظ. وبعد ذلك تستمر إجراءات التحكيم ويمثل الطرفان أمام هيئة التحكيم. في هذا المثال يمكن القول ان إجابة (ب) على طلب التحكيم على هذا النحو، هو موافقة ضمنية منه على التحكيم بالرغم من عدم وجود اتفاق مسبق بهذا الخصوص(6).

وهذا يقودنا إلى القول ان اتفاق التحكيم أو الموافقة عليه ليس بالضرورة ان يكون في مواجهة طرفي التحكيم مع بعضهما مباشرة، بل يجوز ان تكون في مواجهة شخص ثالث غالبا ما يكون المحكم. ومثال اخر على ذلك ان يعرض (أ) نزاعه مع (ب) على (ج) باعتباره محكما ولا يكون هناك اتفاق تحكيم. فيعرض (ج) تسوية هذا النزاع عن طريقه كمحكم على (ب) فيوافق الأخير على هذا العرض. في هذا المثال نجد هناك اتفاقين للتحكيم بين (أ) و (ج) من جهة، وبين (ج) و (ب) من جهة أخرى في حين لم يكن هناك اتفاق مباشر على التحكيم ما بين (أ) و (ب).

 

رابعا: منازعات غير خاضعة للتحكيم

وكما ذكرنا، فإن الأصل في كل نزاع تجاري (بالمعنى الواسع) يجوز إحالته للقضاء يجوز إحالته للتحكيم. إلا ان التشريعات الوطنية لبعض الدول تحظر إحالة بعض النزاعات للتحكيم. ومثال ذلك النزاعات الناشئة عن عقود التمثيل التجاري أو الوكالة التجارية في كل من الأردن ولبنان. فقوانين هذه الدول تشترط في الوكيل التجاري بالنسبة للوكالات الأجنبية ان يكون من جنسيتها سواء كان شخصا طبيعيا أو شركة. ومن قبيل حماية الوكيل الوطني، تتطلب تشريعات هذه الدول ان يحال أي نزاع بين الوكيل الوطني(7)، والشركة الأجنبية للقضاء الوطني وان أي اتفاق على غير ذلك يعتبر باطلا. ومثال ذلك ان تعين شركة فرنسية (أ) شركة إماراتية وكيلا بها (أي ب) والربح الذي فات عليها. والمطالبة يجب ان ترفع أمام القضاء الإماراتي. فلو فرضنا ان

 (حصريا) لها في الإمارات. فتقوم (أ) بعزل (ب) من الوكالة دون خطأ من (ب) او مبرر مشروع. في هذه الحالة، يكون لـ (ب) الحق بمطالبة (أ) بالتعويض عليها عن الخسارة التي لحقت

عقد الوكالة يتضمن شرط تحكيم ينص على ان أي نزاع بين الطرفين يحال للتحكيم استنادا لقواعد غرفة التجارة الدولية، يكون الاتفاق باطلا، ويبقى الاختصاص حصرا للقضاء الإماراتي.

وتجدر الإشارة هنا إلى ان الأحكام القانونية المذكورة خاصة بالوكالات التجارية او التمثيل التجاري بمفهوم القانون الوطني. وبناء عليه، لو تم تكييف العقد على انه بيع وليس من قبيل التمثيل التجاري، فلا يسري النص الخاص بالاختصاص على العلاقة القانونية. ومثال ذلك عقد الترخيص (Franchising). فهذا النوع من العقود يتضمن مزيجا من العلاقات القانونية المختلفة. فموضوعه أو محله الأساس ابتداء هو استثمار اسم تجاري أو علامة تجارية ذات شهرة مقابل ما يدفعه المستثمر لصاحب ذلك الاسم أو تلك العلامة التجارية، بالإضافة إلى شروط أخرى ينص عليها عقد الترخيص. ومثال ذلك اسم أحد الفنادق العالمية حيث تأتي الشركة الأجنبية صاحبة حق استثمار ذلك الاسم (أ مثلا)، ترخيصا للشركة الاردنية (ب) تسمح لها فيه استثمار ذلك الاسم في الأردن، مقابل مبلغ مقطوع تدفعه (ب) لـ (أ) عند إبرام العقد، بالإضافة لمبلغ سنوي غالبا ما يكون نسبة من إيرادات الشركة (ب) نتيجة استثمارها ذلك الاسم في الأردن. وهذا العقد يفرض على كل من (أ) و (ب) التزامات متبادلة كثيرة تتعلق بتدريب موظفي (ب) والدعاية والإعلان والمشاركة ومساحة الفندق ومرافقه والرقابة والإدارة والتدريب. كل ذلك يخرج العقد من نطاق التمثيل التجاري لعقد أوسع واكثر شمولا، مما يقودنا إلى القول بعدم خضوع العقد للحكم القانوني الخاص بالاختصاص الحصري للقضاء الوطني في المنازعات، ما بين المرخص (أ) والمرخص له، المستثمر (ب)(8).

ولو تقدمنا خطوة أخرى للأمام إلى ما يسمى بعقد التوزيع. وفي هذا العقد، تعطي الشركة الأجنبية (أ) للشركة الاردنية (ب مثلا) حق توزيع بضائع الأولى في الأردن لمدة خمس سنوات. وحسب أحكام العقد، تشتري (ب) بضائع (أ) على مسؤولية الأولى ومخاطرها وتدفع للأخيرة ثمن هذه البضائع لتتولى (ب) بعد ذلك توزيعها في الأردن، أيضا على نفقتها وحسابها ومخاطرها. والسؤال المطروح في هذا المثال، هو فيما إذا كان العقد يدخل ضمن التمثيل أو التوكيل التجاري فيخضع لقاعدة الاختصاص القضائي الحصري أم لا؟ أجابت على ذلك قوانين بعض الدول بالإيجاب(9)، في حين ان الموقف يختلف في دول أخرى، حيث لا يعتبر العقد من قبيل الوكالة التجارية فلا يخضع العقد بالتالي لتلك القاعدة(10).

ومهما يكن من أمر، فإننا نرى بان قاعدة الاختصاص الحصري للقضاء الوطني لا تطبق حيث يلجأ المواطن نفسه للقضاء أو التحكيم الأجنبي متجاهلا القضاء الوطني، ولا في الحالة التي ترفع فيها الدعوى على المواطن في الخارج، فيدافع عن نفسه في موضوع النزاع دون التمسك جديا بتلك القاعدة، سواء ربح الدعوى أو خسرها(11).

 

خامسا: شرط التحكيم ومشارطة التحكيم(12) 

واتفاق التحكيم قد يرد في صيغة شرط تحكيم، ومفاده ينص العقد على ان أي خلاف ينشأ في المستقبل عن هذا العقد يحال إلى التحكيم. ويستوي ان يرد هذا الشرط في أي مكان من العقد (بدايته أو نهايته) أو أي مكان آخر بينهما، إلا إذا تبين من الشرط انه يقصد به منازعات معينة ناشئة عن العقد وليس جميعها. ومثال ذلك ان يبرم صاحب العمل (أ) مقاولة بناء مع المقاول (ب)، ويقسم العقد إلى قسمين: احدهما يتعلق بتنفيذ الأعمال والثاني بالكفالات وصيانة الأعمال بعد إنجازها، فيرد شرط التحكيم تحت باب القسم الأول أو الثاني مما يفهم منه انه خاص بذلك القسم الآخر دون الآخر.

ويلاحظ في شرط التحكيم انه يتعلق بنزاعات مستقبلية محتملة وليس بنزاعات قائمة. وقد

يقع مثل هذا النزاع فعلا فيحال إلى التحكيم، وقد لا يقع فلا يعمل بشرط التحكيم بداهة. ويعتبر من قبيل شرط التحكيم أيضا، الاتفاق اللاحق على إبرام العقد بإحالة النزاعات التي ستنجم عن ذلك العقد إلى التحكيم، ولكن قبل وقوع أي من تلك النزاعات. ومثال ذلك ان يبرم (أ) عقد توريد سلع

مع (ب) لا يرد فيه شرط تحكيم. وأثناء تنفيذ العقد ولكن قبل وقوع أي نزاع، يعرض احدهما على الآخر تسوية المنازعات المستقبلية الناشئة عن العقد إلى التحكيم فيوافق الآخر على ذلك. في هذه الحالة يأخذ اتفاق التحكيم اللاحق حكم شرط التحكيم من حيث انه يتعلق بنزاع مستقبلي محتمل.  

أما مشارطة التحكيم، فتفترض مبدئيا، عدم وجود  شرط تحكيم في العقد ويقع النزاع بين طرفي العقد. فبدلا من اللجوء للقضاء، يتفقان على إحالته للتحكيم، ونكون هنا في إطار ما يسمى بمشارطة التحكيم. فالفرق ما بين شرط التحكيم ومشارطة التحكيم اذن، هو ان الأول يتعلق بنزاع مستقبلي محتمل، في حين تتعلق المشارطة بنزاع أكيد وقع فعلا. ويفترض في الحالة الأخيرة ان يتضمن الاتفاق ماهية النزاع الذي سيعرض على هيئة التحكيم. ومن الناحية العملية، تبدأ مشارطة التحكيم بحيثيات تتعلق بالنزاع وطبيعته، ومن ثم الإشارة إلى اتفاق الطرفين على إحالته للتحكيم مع بيان أسماء المحكمين.

وتبرز أهمية التفرقة بين شرط ومشارطة التحكيم في ان  قوانين بعض الدول العربية تطلبت في المشارطة بيان ماهية المسائل التي يشملها التحكيم وإلا كان الاتفاق باطلا(13). ومن هذه القوانين القانون المصري والعماني. والنص على ذلك لا يعني، ومن وجهة نظرنا، ضرورة بيان تفصيلات النزاع، وانما يكفي ذكره بشكل إجمالي. بل ليس هناك ما يمنع من إعطاء الطرف الثاني في النزاع الحق في الاتفاق بان يتقدم بدعوى متقابلة أو حتى أصلية ناشئة عن العقد. ومثال ذلك ان يبيع (أ) سلعة إلى (ب)، فلا يدفع الأخير الثمن له. ويتفقان بموجب مشارطة التحكيم على إحالة نزاعهما الخاص بالثمن إلى التحكيم. وفي الوقت ذاته يدعي (ب) بان البضاعة غير مطابقة للمواصفات، ويريد ان يطالب بالتعويض عن ذلك، فتعطي مشارطة التحكيم (ب) الحق بإحالة هذا النزاع أيضا إلى التحكيم أمام ذات الهيئة. في هذا المثال تضمنت المشارطة نزاعين: احدهما من جانب (أ) خاص بالثمن، والثاني من جانب (ب) خاص بعدم المطابقة مع ما يترتب على ذلك من

حقوق لـ (ب) حسب القانون الوطني الواجب التطبيق على النزاع. وابعد من ذلك، فان قصر التحكيم في المشارطة على مطالبة (أ) بالثمن، لا يمنع (ب) بداهة من إثارة كافة الدفوع الناشئة عن العقد أو القانون لرد دعوى (أ) كليا أو جزئيا، حتى ولو لم تنص المشارطة على ذلك، مثل الدفع بالوفاء بالثمن، أو المقاصة، أو القوة القاهرة، أو الدفع بعدم التنفيذ، أو الاحتباس، كل ذلك شريطة أن لا يتضمن الدفع مطالبة تؤدي إلى الحكم لـ (ب)، بما يزيد على رد دعوى (أ) في مواجهته.

 

ومن جهة أخرى، تجدر التفرقة بين مشارطة التحكيم واتفاق التحكيم اللاحق على نشوء النزاع المستند أساسا لشرط التحكيم. فقد يكون هناك شرط تحكيم، وبعد وقوع النزاع، يتفق الفريقان على أحكام أخرى تتعلق بتسوية النزاع تحكيما، مثل تحديد طبيعة النزاع وتشكيل هيئة التحكيم، ومدة التحكيم، وصلاحيات هيئة التحكيم. في هذه الحالة، لا نكون أمام مشارطة التحكيم، وانما أمام اتفاق تحكيم آخر لا يجبر الطرفان أصلا على إبرامه، بل كان يكفي شرط التحكيم لهذا الأمر. ويترتب على ذلك القول ان الاتفاق الجديد لا يشترط فيه ما يتوجب في المشارطة، من حيث ضرورة تحديد طبيعة النزاع على النحو المذكور سابقا.

 كما تجدر التفرقة بين مشارطة التحكيم وبين ما يمكن تسميته بتحديد مهمة هيئة التحكيم (أو مرجعية هيئة التحكيم) في بعض الأنظمة التحكيمية الدولية، وهو ما يطلق عليه تجاوزا بمشارطة التحكيم. فغرفة التجارة الدولية مثلا، تطلب من هيئة التحكيم قبل مباشرة مهمتها ان تعد وثيقة يطلق عليها بـ  Terms of Reference.(14. وهذه الوثيقة يتم إعدادها بعد تقديم المحتكم لطلباته والمحتكم ضده لرده على الطلبات والدعوى المتقابلة، ان وجدت، ورد المحتكم على هذه الدعوى المتقابلة. في هذا الوقت، يتكون لدى هيئة التحكيم فكرة أولية عن طبيعة النزاع، فتقوم بإعداد تلك الوثيقة التي تتضمن ملخصا لوقائع النزاع وطلبات الطرفين، ومن ثم للمسائل (الأولية) التي ستفصل بها الهيئة في ضوء ذلك، والتي غالبا ما تكون بصيغة أسئلة أو استفسارات يتوجب على الهيئة ان تفصل بها. وبعد ذلك تعرضها الهيئة على طرفي النزاع للتوقيع، ومن ثم توقعها هيئة التحكيم. وكما هو واضح، فان مرجعية هيئة التحكيم تختلف عن مشارطة التحكيم من حيث انالأولى تعد من قبل هيئة التحكيم، في حين تعد الثانية من طرفي النزاع، وان كان كل منهما يلي  نشوء النزاع. كما ان سند المرجعية لا علاقة له بالإحالة للتحكيم بل هو لاحق لهذه الإحالة، التي تستند اما إلى شرط تحكيم أو مشارطة تحكيم، في حين ان المشارطة هي أساس الإحالة للتحكيم.



 

*         ليسانس حقوق، جامعة دمشق؛ دكتوراه حقوق، جامعة القاهرة؛ دكتوراه حقوق، جامعة بريستول؛ أستاذ جامعة؛ شريك ومدير مركز القانون والتحكيم (عمان - الأردن).

 

(1)       وفي مصر ثار خلاف حول ما اذا كان قانون التحكيم رقم 27 لسنة 1994 يشمل العقود الإدارية ام لا. وقد حسم المشرع المصري هذا الخلاف في القانون رقم 9 لسنة 1997 بقوله ما يلي: "وبالنسبة لمنازعات العقود الإدارية يكون الاتفاق بموافقة الوزير المختص او من يتولى اختصاصه بالنسبة للأشخاص الاعتبارية، العامة، ولا يجوز التفويض في ذلك".

 

(2)       انظر، المادة (7/1) من قانون اليونسترال النموذجي للتحكيم (القانون النموذجي)؛ المادتان ( 2 و 10/1) من قانون التحكيم المصري (القانون المصري)؛ المادتان ( 2 و 10/1) من قانون التحكيم العماني رقم 47/97 (القانون العماني).

(3)       انظر المادة (2/1) من اتفاقية نيويورك لسنة 1959 حول الاعتراف وتنفيذ احكام التحكيم الأجنبية؛ المادة 7/1 من القانون النموذجي؛ المادة (10/1) من القانونين المصري والعماني.

(4)     انظر المادة (7/1) من القانون النموذجي؛ المادة (10) من القانونين المصري والعماني.

 

(5)       انظر في بعض هذه الوسائل المادة (2) من اتفاقية نيويورك؛ المادة (7/2) من القانون النموذجي؛ المادة (12) من القانونين المصري والعماني.

(6)       وفي القانون النموذجي يجوز ان يكون الاتفاق مكتوبا "… في تبادل المطالبة والدفاع التي يدعي فيها احد الطرفين وجود اتفاق ولا ينكره الطرف الاخر" (المادة 7/2).

 

(7)     القانون الاردني رقم 44/985؛ والمرسوم الاشتراعي اللبناني رقم 34/967.

(8)      انظر حمزه حداد، بعض الجوانب القانونية لعقد الترخيص، بحث مقدم للمؤتمر الاول حول عقد الترخيص في لبنان والدول العربية، الجامعة اللبنانية، 28-29/5/1998.

(9)       مثل لبنان، انظر المادة (1) من المرسوم الاشتراعي رقم 34/967.

 

(10)      مثل الاردن حسب احكام القضاء، انظر تمييز حقوق رقم 1021/88، مجلة نقابة المحامين لسنة 1989، ص 2428.

 

(11)      انظر نشرة القانون والتحكيم، الصادرة عن مركز القانون والتحكيم، عمان، الاردن، رقم 2 لسنة 1998، ص 4.

 

(12)      انظر المادة (2/2) من اتفاقية نيويورك؛ المادة (7/1) من القانون النموذجي؛ المادة (10/2) من  القانونين المصري والعماني.

(13)      مثل القانونين المصري والعماني (المادة 10/2).

(14)      المادة (18) من قواعد ال